العريان في البنك الفيدرالي

22 نوفمبر 2017
الصورة
العريان يرفض الاقتراض إلا لضرورة (Getty)
+ الخط -

نشرت صحيفة وول ستريت جورنال قبل عدة أيام خبراً يوضح أن البيت الأبيض يدرس تعيين الخبير الاقتصادي محمد العريان، ضمن مرشحين آخرين، في منصب نائب رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي). وقالت الصحيفة إن البنك المركزي يبحث عن شخص متميز في السياسة النقدية تحديداً لتعيينه في هذا المنصب.

ومحمد العريان، لمن لا يعرفه، هو اقتصادي من "الوزن الثقيل"، وهو مصري أميركي، كونه وُلِد في الولايات المتحدة الأميركية لأبٍ مصري، كان دبلوماسياً مرموقاً. ويحمل أيضاً، على الأرجح، الجنسية الفرنسية كون والدته فرنسية. وقد درس الاقتصاد حتى حصل على الدكتوراه في جامعتي كامبردج وأكسفورد العريقتين.

وبدأ العريان حياته بالعمل الأكاديمي، لكن بعد وفاة والده، وكان وقتها في الثالثة والعشرين من عمره، أصبح مسؤولاً عن والدته وأخته، فترك عمله الأكاديمي باحثاً عن راتب أفضل، وما لبث أن التحق بصندوق النقد الدولي، الذي وصل فيه إلى منصب نائب مدير.

بعد ذلك انتقل العريان للعمل بالقطاع الخاص، حيث عمل في سيتي جروب، وتولى إدارة وقف جامعة هارفارد، وترأس مجلس إدارة شركة بيمكو PIMCO، وحقق فيها إنجازات كبيرة، وتركها بعد أن تجاوزت الأصول التي يديرها تريليوني دولار. وهو الآن كبير المستشارين الاقتصاديين لمجموعة إليانز، الشركة الأم لبيمكو.

كما شغل العريان منصب رئيس المجلس العالمي للتنمية لخمس سنوات، وهو المجلس الذي تم إنشاؤه لتقديم النصيحة للرئيس الأميركي وكبار المسؤولين الأميركيين.

ولا يتسع المجال لاستعراض كافة إنجازات العريان، لكن يكفي أنه عندما يتكلم فلا بد أن تستمع الأسواق. وتُزَيِّن التنويهات بكتاباته الصفحات الأولى في أشهر مجلات وجرائد العالم.

وقد اختير عدة مرات ضمن أهم مائة مفكر في العالم. وهو نشط جداً على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، ولديه آلاف المتابعين، رغم صعوبة فهم الكثير مما يكتبه على الشخص غير المتخصص في الاقتصاد أو أسواق المال.

ليست مفاجأة إذاً أن يأتي العريان على رأس المرشحين لمنصب هام في البنك الفيدرالي. فبالإضافة إلى كل ما سبق، يتميز الرجل بأنه يولي اهتماماً خاصاً في كتاباته، وأفكاره، والسياسات التي يتبناها، بكل ما يتعلق بالمساواة والعدالة الاجتماعية، وفي واحد من حواراته، أشار العريان إلى أن وجود قدر ضئيل من عدم المساواة هو شيء مفيد، من أجل تحفيز الأفراد والأعمال، لكن المبالغة في ذلك تتحول إلى عدم مساواة في الفرص المتاحة، وهو ما يحد من إمكانات الدول.

وللتعامل مع تلك المشكلة، يرى العريان أن الحكومات يتعين عليها أن تفرض ضرائب أعلى على الأغنياء، على أن توجه حصيلة تلك الضرائب للقطاعات التي تساهم في تحقيق المساواة في الفرص، كالصحة والتعليم. كما يؤكد العريان ضرورة العمل على سد الثغرات التي يستغلها الأغنياء للتهرب من دفع الضرائب.

ويؤمن العريان بأهمية الشباب في كل بلد، حقيقةً لا في صورة مؤتمرات، ويرى إمكانية زيادة الضرائب على أرباح البورصة وعمليات الاستثمار الخاصة Private Equity والتركات، من أجل استغلال الحصيلة في توفير فرص عمل للشباب.

ويمكن من خلال تلك الآراء للعريان لمس شعور بالمسؤولية تجاه الفئات الأقل دخلاً في المجتمع، وبالتالي يمكن التوقع – بمستوى مرتفع من الثقة – بأنه ما كان ليقدم أبداً على خطوة كتعويم عملة بلده قبل التأكد من توفير أدوات حماية كافية لتلك الفئات.

بحكم دراسته للاقتصاد، فبالتأكيد يعرف العريان أن للتضخم أسباباً كثيرة، وأنها ليست جميعها مما يمكن علاجه برفع أسعار الفائدة، ويعرف أيضاً أن هناك نوعاً من التضخم يطلق عليه التضخم المستورد، وهو الذي يحدث حين تنخفض قيمة عملة الدولة بقدر كبير، وتكون الدولة معتمدة بصورة كبيرة على الاستيراد.

وهذا النوع من التضخم لا يعالج برفع أسعار الفائدة، وإنما بتخفيضها، حتى يمكن زيادة الاستثمار، وزيادة الإنتاج، وهو ما يؤدي غالباً إلى كبح جماح الأسعار.

ويقدم العريان نصائحه، التي يتم تقديرها بصورة كبيرة، إلى البنوك المركزية في أوروبا وأميركا، ومن نصائحه تلك يسهل معرفة أنه على بينة من أن أحد أهم الأهداف التي يتعين على البنوك المركزية السعي لتحقيقها هو النمو الاقتصادي الحقيقي، وأن على البنوك المركزية أن توفر البيئة المناسبة لزيادة معدلات النمو، وأن أهم العوامل في تلك البيئة هي مستويات أسعار الفائدة السائدة في البلد.

ولن يطلب العريان – مثلاً – من أي مستثمر الاستثمار والتوسع لزيادة الإنتاج إذا كانت معدلات الفائدة تزيد عن 20%.

وعلى الأرجح، فإن العريان، وبحكم خبرته الكبيرة في إدارة الأصول، يعرف أن زيادة احتياطي النقد الأجنبي لأي دولة عن طريق الاقتراض الخارجي هو إهدار لموارد الدولة، حيث يتم الاقتراض بأسعار فائدة مرتفعة، ويتم الاحتفاظ بالاحتياطي – عادة – في صورة سندات على الخزانة الأميركية، بمعدل فائدة أقل كثيراً مما دُفِعَ عند الاقتراض.

كما يعرف العريان، بالضرورة، أن التوسع في الاقتراض من أجل حل مشكلة السيولة في بلدٍ ما لا بد أن يكون بصورة مؤقتة، ولا بد أن يكون في إطار خطة تسمح بتحسين وضع السيولة في المستقبل القريب، لا مجرد ترحيل المشكلة مع زيادة تكاليفها.

ورغم أحاديثه المتكررة إلى أهم وسائل الإعلام، بالإضافة إلى نشاطه الملحوظ على تويتر، فلم تصدر عنه في أي وقت مزحة تتعلق بقيمة عملة بلده، أو حالة الاقتصاد فيه.

كما أنه بحكم نشأته وعمله في أوروبا والدول المتقدمة، فإنه يعرف جيداً قيمة الدساتير التي يتفق عليها ممثلو الأمة، وأكاد أجزم بأنه لن يقدم أبداً على اتخاذ أي إجراء ينتهك الدستور، حتى لو كان اقتراضاً خارجياً واجباً، قبل الحصول على موافقة مجلس النواب، فهو ممن يطلق عليهم عن حق "أهل الخبرة". اللهم ارحمنا من أهل الثقة.

دلالات

المساهمون