العراق: حملات الاعتقال العشوائية في ديالى تفرض بُعداً اجتماعياً جديداً

04 يونيو 2020
الصورة
تجري الاعتقالات من دون مذكرات قضائية (أحمد الرباعي/فرانس برس)
+ الخط -
يغادر الشبان العراقيون من قرى شمال شرق محافظة ديالى على نحو واسع منازلهم إلى مناطق أخرى في بغداد وإقليم كردستان، ويغادر كثير منهم بطلب وتوسلات من ذويهم، وذلك بسبب اتساع حملات الاعتقال العشوائية التي تنفذها قوات الأمن وفصائل مسلحة من دون مذكرات قبض أو أوامر قضائية، ضمن عمليات تشهدها تلك المناطق منذ أيام، ويتعرض المعتقلون خلال التحقيق معهم للتعذيب وبعضهم إلى التغييب لأيام، قبل أن يُعرف مكانه والجهة التي اعتقلته.
حملات الاعتقال والدهم التي تنفَّذ منذ نحو أسبوعين، طاولت العديد من القرى، منها زهرة، وزاغنية، "وحد الأخضر"، و"حد المكسر"، والدوريين، والكبة، والمخيسة، وقرى في المقدادية، وأخرى في بلدة العظيم، ومناطق أخرى عدة في حوض العظيم، تقع كلها ضمن مناطق شمال شرق ديالى وصولاً إلى مندلي والطريق المؤدي إلى الحدود مع إيران شرقي العراق.
وبحسب مسؤولين محليين في محافظة ديالى، فقد شهدت الأيام الماضية 9 حملات تفتيش نتج عنها اعتقال ما لا يقل عن 100 شاب من دون مذكرات قضائية أو أوامر صادرة عن القضاء وفقاً للقانون، نفذتها فصائل مسلحة تتبع "الحشد الشعبي"، وقوات أمن مختلفة، تمت على الشبه أو الظن، في وقت تم أخذ آخرين للتحقيق والاستفهام منهم، لكن بالعادة يشكّل الأمر رعباً لدى السكان، خصوصاً أن بعض حملات الاعتقال تحصل ليلاً ويجري فيها ترويع الأسر.
وتساءل مسؤول عراقي في مجلس محافظة ديالى الذي تم حلّه عقب التظاهرات العراقية نهاية العام الماضي في حديث مع "العربي الجديد"، عن سبب عدم استبدال القيادات الأمنية وتغيير الخطط الأمنية بعد أن أثبتت فشلها، مؤكداً أن "محاولة الهرب من المشاكل الأمنية باعتقال المزيد من السكان غير مجدية". وقال إن السكان باتوا يدفعون بأبنائهم لمن هم في عمر الشباب إلى النزوح، خوفاً عليهم من الاعتقال كون الاعتقالات عادة ما تستهدفهم.
وشهدت محافظة ديالى سلسلة اعتداءات إرهابية نفذها تنظيم "داعش"، راح ضحيتها عدد من أفراد الأمن والمواطنين، كما شهدت أيضاً هجمات ذات طابع إجرامي، يتهم الأهالي مليشيات مسلحة بالوقوف وراءها، مثل قصف بقذائف الهاون، وحرق حقول زراعية، وقتل مواشٍ.
ويؤكد أهالي المناطق التي شهدت حملات الاعتقال، أن "المليشيات" هي التي تقودها، وقد تسببت بنزوح من لديه قدرة مالية على ترك منزله والعيش بمكان آخر، فيما أرسل آخرون أبناءهم لمناطق أخرى خوفاً عليهم.
ويقول مختار في إحدى القرى التي شهدت عمليات الاعتقال، طلب عدم ذكر اسمه، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنه "حتى لو وصلت وسائل إعلام إلى مناطقهم، فلن يتركوها تتجول بحرية وسيرافقون الصحافيين حتى يضمنوا أن المواطن لن يقول أي شيء ضد الأمن أو الحشد"، مبيناً أن سلطة "الحشد الشعبي" صارت تفوق في مناطق عدة سلطة الجيش والشرطة والقضاء، الغائبة تقريباً عن حملات الاعتقال والتجاوزات".
وكشف عن وجود عدد من المعتقلين تم أخذهم منذ أيام، وأهاليهم يبحثون عنهم ولا يعرفون أصلاً مكان اعتقالهم ومن الجهة التي اعتقلتهم، "فالجميع يرتدي الزي العسكري ويعتقل كيفما يريد"، لافتاً إلى أن "حملات الاعتقال شملت طلاباً جامعيين وآخرين في الثانوية".
وتمثل عودة عمليات الاعتقال العشوائي لمحافظة ديالى، انتكاسة خطيرة في ملفها الأمني، في وقت لم تتخذ حكومتها المحلية أي خطوة لوقف ذلك، على الرغم من مناشدات الأهالي ووجهاء المحافظة.

وقال الشيخ عامر العبيدي لـ"العربي الجديد"، إن "وجهاء المحافظة ناشدوا المحافظ والقيادات الأمنية لوضع حدّ لتلك العمليات التي تقودها المليشيات، لكن لم تتخذ تلك الجهات أي خطوة"، مبيناً أن "الملف الأمني في المحافظة بدأ ينحدر انحداراً خطيراً، والمحافظة تعود إلى أسوأ أيامها، بسبب نشاط المليشيات وإطلاق يدها من قبل الجهات المسؤولة".
وأكد أن "النزوح الشبابي من تلك القرى لم تشهده المحافظة حتى خلال اجتياح "داعش" لعدد من مناطقها منتصف العام 2014"، محذراً من "خطورة الوضع في المحافظة، إذا لم يتم وضع حد لتلك المليشيات المنفلتة، والتي استغلت حراك "داعش" لتعاود نشاطاتها المشبوهة".
ومن المرتقب أن يبحث رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي ملف أمن ديالى مع نوابها، خلال اليومين المقبلين، وقال النائب عن ديالى عبد الخالق العزاوي، إن "نواب المحافظة سيعقدون خلال اليومين المقبلين اجتماعاً مهماً مع رئيس الوزراء، وسيبحثون معه عدة ملفات تخص المحافظة، وأهمها الأمني، وما تمر به المحافظة من أحداث وخروقات أمنية".
وأعرب النائب، في تصريح صحافي، عن أمله بأن "تكون هناك قرارات حاسمة تُتخذ في الاجتماع في ما يتعلق بالملف الأمني، والذي أصبحت هناك ضرورة ملحة للسيطرة عليه، كونه يؤثر على كلّ مفاصل الحياة الأخرى".
وتشهد محافظة ديالى ذات الحدود المشتركة مع إيران منذ نحو شهرين، أعمال عنف شبه يومية، تزايدت حدتها أخيراً، إذ عادت مشاهد عمليات القنص والاغتيالات وتفجير العبوات والقصف العشوائي بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا على المناطق السكنية، وسط ارتباك بإدارة ملفها الأمني ونشاط متزايد للمليشيات.

المساهمون