العراق: حراك سياسي لقانون انتخابي جديد وتعديلات وزارية

15 نوفمبر 2019
الصورة
مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن بساحة الخلاني(أحمد الرباعي/فرانس برس)
+ الخط -
في وقت كانت فيه شوارع وساحات بغداد ومدن وسط وجنوبي العراق تغصّ أمس الجمعة بأعداد وُصفت بغير المسبوقة من المتظاهرين، بدا أنّ الحراك السياسي داخل المنطقة الخضراء في بغداد مغاير تماماً لمطالب المحتجين. إذ انصبّت الجهود السياسية على الإسراع في إقرار قانون انتخابي جديد وكذلك مفوضية جديدة للانتخابات، وعلى التعديلات الوزارية التي يُتوقع أن تطاول ثمانية وزراء ومسؤولين آخرين في الحكومة، من بينهم مدير مكتب عادل عبد المهدي، الموصوف برجل إيران الأول في الحكومة، أبو جهاد الهاشمي، والمتهم الرئيس من قبل المتظاهرين بالوقوف وراء عمليات قمعهم. ويأتي ذلك في ظلّ ما يمكن اعتباره توصيات متفقاً عليها لتسريع إقرار قانون الانتخابات الجديد ومفوضية الانتخابات الجديدة. وجاءت هذه التطورات السياسية بعد ساعات من خطبة المرجع الديني علي السيستاني، التي دعا فيها إلى المضي بقانون "يمنح فرصة حقيقية لتغيير القوى السياسية التي حكمت البلاد في السنوات الماضية".

ومع دخول التظاهرات العراقية أسبوعها الرابع منذ استئنافها في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وبعد شهر ونصف الشهر على انطلاقتها الأولى مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، غصّت الشوارع أمس بعشرات آلاف المتظاهرين. ووسط إجراءات عسكرية وأمنية غير مسبوقة ومواجهة قوات الأمن التحركات في عدد من المدن بالقنابل المسيلة للدموع والذخيرة الحية التي سُجلت بسببها عشرات الإصابات، لا سيما في بغداد وذي قار، كان عشرات الآلاف يخرجون إلى الشوارع، لا سيما في مناطق العشار والزبير وشط العرب والمديّنة في البصرة أقصى جنوبي العراق. بينما شهدت النجف والكوفة وكربلاء والعمارة والديوانية والمجر والرفاعي والمشخاب والغراف والكوت والسماوة والحلة والناصرية وسوق الشيوخ والكحلاء وعلي الغربي وبلدات ومناطق أخرى من مدن وسط وجنوب العراق تظاهرات شارك فيها رجال دين، في مؤشر على ما يبدو إلى استجابة أو تناغم مع موقف المرجع علي السيستاني.

وفي بغداد التي سجّلت مواجهات خلّفت عشرات حالات الاختناق بين المتظاهرين قرب ساحة الخلاني، أكد ناشطون أنّ ساحة التحرير وجسر الجمهورية ومبنى المطعم التركي امتلأ جميعها بالمتظاهرين، وبات المواطنون بفعل ذلك يتمددون إلى الطرق القريبة منها، مثل شارعي السعدون والرشيد. وردد متظاهرون شعارات مناوئة لإيران وأخرى ضدّ الأحزاب والقوى السياسية. وفي السياق، وصف عضو التيار المدني أحمد باسم، في حديث مع "العربي الجديد"، تظاهرات بغداد بأنها "لا يُرى منها سوى الأعلام العراقية، وتُسمع الهتافات الوطنية"، مضيفاً أنها "رد على صفقة (قائد لواء فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني) قاسم سليماني لتثبيت بقاء عادل عبد المهدي على رأس الحكومة، ورفض للوصاية بكل أشكالها، والمماطلة بالإصلاحات".

سياسياً، كشف مسؤول عراقي رفيع في بغداد لـ"العربي الجديد" أنّ المشاورات الحالية بين أغلب الكتل لم تعد حول إقالة أو استقالة الحكومة، بل تتمحور حول تعديل وزاري قد يطاول 8 وزراء وموظفين بارزين في الحكومة، أبرزهم أبو جهاد الهاشمي، مدير مكتب عبد المهدي.

وأكد أنّ سعي تحالف "سائرون" لاستجواب رئيس الوزراء في البرلمان لم يعد ذا تأثير حتى لو حصل، كون "سائرون" نفسه يعي أنه لا يملك الأصوات الكافية لإقالته مع أغلبية تؤيّد بقاءه، مضيفاً "يمكن اعتبار الخطوة موجّهة من مقتدى الصدر إلى الشارع للتخلص من الإحراج الشعبي الذي وقع فيه، وليبدو أنه سعى لإقالة عبد المهدي لكن باقي الكتل خذلته".

ولفت المسؤول نفسه إلى أنّ "الحراك السياسي الحالي مع مساعٍ برلمانية وحكومية هو لإقرار قانون جديد للانتخابات وتشكيل المفوضية، لتقديم ذلك كإنجاز لأول الإصلاحات السياسية، مع مساعٍ لإنضاج التعديلات المقترحة على الدستور". وكشف في الوقت نفسه عن وجود طروحات تحذّر من أنّ إقرار القانون الجديد للانتخابات، وتشكيل مفوضية انتخابات، سيقصّران من عمر الحكومة الحالية، وقد تكون هذه المرة دعوات إقالتها وإجراء انتخابات مبكرة صادرة من المرجعية نفسها، بعدما نقل مقربون من مكتب السيستاني بأنّ إجراء انتخابات بهذه القوى وهذا القانون لا يعني أن تغييراً سيحدث للعراقيين، ويجب ضمان قانون جديد يضخ حياة جديدة للعملية السياسية في العراق غير تلك التي تناوب على إنشائها الأميركيون والإيرانيون، وفق قول المسؤول.

ويأتي ذلك بعد ساعات من خطبة اعتُبرت تصعيدية من قِبل المرجع الديني الأعلى في مدينة النجف، علي السيستاني، حول التظاهرات، أكد خلالها وجوب الإسراع في إقرار قانون جديد للانتخابات يمنح فرصة حقيقية لتغيير القوى التي حكمت البلد خلال السنوات الماضية. وقال السيستاني في خطبة الجمعة التي ألقاها ممثله في كربلاء أحمد الصافي: "نؤكّد مساندة الاحتجاجات والتأكيد على الالتزام بسلميتها وخلوها من أي شكل من أشكال العنف، وندين الاعتداء على المتظاهرين السلميين بالقتل أو الجرح أو الخطف أو الترهيب أو غير ذلك".

وفي هجوم اعتُبر الأقوى على القوى السياسية في البلاد، اعتبر السيستاني، عبر ممثله، أنّ الحكومة "تستمدّ شرعيتها من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره، ومن هنا، يجب الإسراع في إقرار قانون منصف للانتخابات يعيد ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية ولا يتحيّز للأحزاب والتيارات السياسية، ويمنح فرصة حقيقية لتغيير القوى التي حكمت البلد خلال السنوات الماضية، إذا أراد الشعب تغييرها واستبدالها بوجوه جديدة". وتابع: "إنّ إقرار قانون لا يمنح مثل هذه الفرصة للناخبين، لن يكون مقبولاً ولا جدوى منه. كما يتعيّن إقرار قانون جديد للمفوضية التي يعهد إليها الإشراف على إجراء الانتخابات، بحيث يوثق بحيادها ومهنيتها وتحظى بالمصداقية والقبول الشعبي".

ولفت إلى أنه "على الرغم من مضيّ مدة غير قصيرة على الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح، والدماء الزكية التي سالت من مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين في هذا الطريق المشرِّف، إلا أنه لم يتحقق إلى اليوم على أرض الواقع من مطالب المحتجين ما يستحق الاهتمام به، ولا سيما في مجال ملاحقة كبار الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة منهم، وإلغاء الامتيازات المجحفة الممنوحة لفئات معينة على حساب سائر الشعب، والابتعاد عن المحاصصة. وهذا ما يُثير الشكوك في مدى قدرة أو جدية القوى السياسية الحاكمة في تنفيذ مطالب المتظاهرين حتى في حدودها الدنيا، وهو ليس في صالح بناء الثقة بتحقق شيء من الإصلاح الحقيقي على أيديهم".

وأضاف السيستاني، وفق ما نقل الصافي، أنّ "المواطنين لم يخرجوا إلى التظاهرات المطالبة بالإصلاح بهذه الصورة غير المسبوقة ولم يستمرّوا عليها طوال هذه المدة بكل ما تطلّب ذلك من ثمن فادح وتضحيات جسيمة، إلا لأنهم لم يجدوا غيرها طريقاً للخلاص من الفساد المتفاقم يوماً بعد يوم، والخراب المستشري على كل الأصعدة، بتوافق القوى الحاكمة ـ من مختلف المكونات ـ على جعل الوطن مغانم يتقاسمونها في ما بينهم، وتغاضي بعضهم عن فساد البعض الآخر، حتى بلغ الأمر حدوداً لا تطاق، وأصبح من المتعذر على نسبة كبيرة من المواطنين الحصول على أدنى مستلزمات العيش الكريم، على الرغم من الموارد المالية الوافية للبلد". وتابع: "إذا كان من بيدهم السلطة يظنون أنّ بإمكانهم التهرب من استحقاقات الإصلاح الحقيقي بالتسويف والمماطلة فإنهم واهمون، إذ لن يكون ما بعد هذه الاحتجاجات كما كان قبلها في كل الأحوال، فليتنبهوا إلى ذلك".

كذلك حذّر السيستاني من تدخّل قوى دولية وإقليمية، في إشارة واضحة إلى إيران، بالقول إنّ "معركة الإصلاح التي يخوضها الشعب العراقي إنما هي معركة وطنية تخصه وحده، والعراقيون هم من يتحملون أعباءها الثقيلة، ولا يجوز السماح بأن يتدخّل فيها أي طرف خارجي بأي اتجاه، مع أنّ التدخّلات الخارجية المتقابلة تُنذر بمخاطر كبيرة، بتحويل البلد إلى ساحة للصراع وتصفية الحسابات بين قوى دولية وإقليمية يكون الخاسر الأكبر فيها هو الشعب".

في المقابل، قال عضو الحزب الشيوعي العراقي، علي اللامي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنّ "التظاهرات باتت تحقق نتائج، وأولاها تحريك مياه راكدة منذ سنوات، وإجبار جميع القوى الفاعلة على البحث عن حلول وترضية للشارع، عدا عن أنها أعادت روح المواطنة الحقيقية في الشارع"، معتبراً أنّ "تصعيد المرجعية الدينية بشكل متكرر من لهجتها ضدّ الحكومة والعملية السياسية يعني أنها هي أيضاً صارت تعي خطورة المرحلة الحالية، والخشية من أن تكون التظاهرات باب تدخّل دولي في العراق، لذا تريد أن يكون التغيير من الداخل".

المساهمون