الضباط الجهاديون.. لماذا ينضمّ العسكريون إلى التنظيمات المسلّحة (1/2)

11 يناير 2016
الصورة
ضباط مصريون يغتالون الرئيس السادات (فرانس برس)
+ الخط -
يعدّ اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، أهم لحظة تأسيسية في مسيرة الجماعات المسلحة في مصر والمنطقة كحادث أسّس لما بعده، وكما يقول أحد المشاركين في التخطيط للاغتيال، "لقد كان أكبر خسائر عملية اغتيال السادات هو نجاحها"، وبحسب متتبعي الجماعات المسلحة، تنبع أهمية تلك العملية، من كونها كشفت حجم الاختراق في صفوف الأجهزة الأمنية والعسكرية، من قبل عسكريين على ولاء لجماعات مسلحة، الأمر الذي يعد ظاهرة ممتدة يتداخل فيها الأمني بالعسكري بالسياسي.

بحسب الدكتور طارق الزمر، القيادي في الجماعة الإسلامية، الذي قضى 29 عاما في سجون مبارك لاتهامه بالمشاركة في اغتيال السادات، فإن خطة التنظيم، كانت القيام بثورة شعبية يؤيدها الجناح العسكري المتمثل في ضباط الجيش المنتمين إلى الجماعة الإسلامية في العام 1983، ولكن بسبب اكتشاف التنظيم في سبتمبر/أيلول من العام 1981، تم تغيير الخطة بناء على اقتراح من ضابط الجيش المصري، الملازم أول خالد الإسلامبولي، إلى اغتيال السادات، بسبب مصادفة وضع اسم خالد ضمن المشاركين بالعرض العسكري لاحتفالات نصر السادس من أكتوبر/ تشرين 1981.

اقرأ أيضا: منظرو الجماعات الإسلامية..من حروب البرغوث إلى إدارة التوحش

أهم الضباط المنضوين في التنظيمات المسلحة قبل ثورة يناير

يمكن تقسيم ظاهرة انضمام ضباط الجيش والشرطة إلى التنظيمات المسلحة في مصر إلى مرحلتين، الأولى قبل ثورة يناير والثانية ما بعدها، ويعد المقدم عبود الزمر (يسار الصورة)، من أهم رموز المرحلة الأولى.



عبود الزمر:
قاد مقدّم المخابرات الحربية، عبود الزمر، التنظيم الذي نفذ عملية اغتيال الرئيس السادات، وينتمي عبود لعائلة من أشهر وأغنى العائلات في مصر، إلا أنه انخرط في التنظيم المسلح، ليؤسس تنظيما يهدف للإطاحة بنظام الحكم وإقامة نظام حكم إسلامي يحكم بالشريعة الإسلامية، إلا أن أجهزة الأمن اكتشفت الخطة والتنظيم، وأشار السادات في خطابه الشهير في سبتمبر/أيلول من العام 1981، إلى عبود الزمر بالقول "الولد بتاع المخابرات ده أنا هجيبه"، أي قبل شهر واحد من اغتياله.

خالد الإسلامبولي: ملازم أول فرقة المدفعية بالجيش المصري، وقف في المحكمة بعد توجيه الاتهام له بقتل السادات، قائلا "نعم أنا قمت بقتل السادات"، إذ كان صاحب الفكرة ونفذ عملية الاغتيال بمعاونة عبد الحميد عبد السلام، عطا طايل، والقناص صاحب الرصاصات الأولى حسين عباس، ووفقا لصورة شهيرة لحادث اغتيال الرئيس السادات، يقف خالد عند المنصة ليفرغ خزان الرشاش في اتجاهه.

سيف العدل: هو محمد صلاح الدين زيدان الضابط بالقوات الخاصة الذي يعتبر أحد العقول العسكرية الرئيسية لتنظيم القاعدة، وهو عضو مجلس الشورى وواحد من أهم من دفعوا الزرقاوي للتحرك في تأسيس دولة إسلامية في العراق. وضع اسم العدل على قائمة أهم المطلوبين للولايات المتحدة الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2011 ورصدت المخابرات الأميركية، مكافأة 5 ملايين دولار مقابل رأسه. يعيش سيف العدل، الآن تحت الإقامة الجبرية في إيران، وكان قد انتقل لأفغانستان في العام 1988، للمشاركة بـ"الجهاد" هناك، وتعتبره الولايات الأميركية أحد المسؤولين عن مخطط تفجير السفارة الأميركية في كينيا.

العقول الثلاثة السابقة، ليسوا مجرد أفراد انضموا إلى جماعات مسلحة، لكنهم ضباط عسكريون على قدرة عالية من الخبرة العسكرية الممتزجة بالأيديولوجيا الجهادية؛ اختاروا المغامرة بوظائفهم العسكرية، وتمكنوا من إحداث تغييرات كبرى في الجماعات المسلحة، وتحويل طرق عملها إلى الاحترافية.

اقرأ أيضا: سر انقلاب السيسي على برهامي

الضباط الجهاديون ما بعد ثورة يناير

هشام العشماوي: ضابط الصاعقة السابق، ويعتبر الإرهابي الأشهر في مصر الآن، كان ضمن جماعة أنصار بيت المقدس، المعروفة حاليا بولاية سيناء، بعد مبايعة داعش، ولدى الإعلان عن مشاركته في اغتيال النائب العام هشام بركات أعلن عن جماعة المرابطين، التي تنشط في الصحراء الغربية لمصر. تم فصل العشماوي من الخدمة العسكرية بسبب أفكاره التي اعتبرتها المخابرات العسكرية متطرفة، وسافر من أجل "الجهاد" في سورية، مع بدايات الثورة السورية ثم عاد إلى مصر لينضم لأنصار بيت المقدس بعد يوليو/تموز 2013، ما أدى إلى تطور عملياتها نوعيا بعد انضمامه، وكان أشهر عملياتها الهجوم على الكتيبة 101 وعملية كرم القواديس في سيناء اللتين راح ضحيتهما العشرات من رجال الجيش في مصر.

أحمد الدروي: ضابط شرطة مصري استقال في العام 2006، ثم برز بعد ثورة يناير كمرشح لمجلس الشعب عن حزب النور وحصد ما يزيد عن 90 ألف صوت انتخابي. يشير بعض المقربين من الدروي إلى أنه كان ضمن وحدة خاصة لمكافحة الإرهاب، (لا يمكن التأكد من دقة هذه المعلومة)، لكن ما الذي يدفع شخصا بصفات الدروي، عمل في إحدى الشركات الكبرى في مصر، بعد استقالته من جهاز الشرطة، ولديه رؤية سياسية، وسعى للالتحاق بالبرلمان، إلى أن يتجه لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

في المرة الأولى والأخيرة التي التقى فيها معد المادة بأحمد الدروي في اعتصام محمد محمود في التحرير، عرّف أحد الأصدقاء الدروي، باعتباره ضابط شرطة مستقيلا ومرشحا انتخابيا، وكان الدروي، يرى أن الهدف من الحراك الدائر، هو إنجاح الثورة ثم تحكيم الشريعة، ولم يبد الخطاب غريبا وقتها، خاصة بعد حديثه عن اتجاهه الإسلامي، إذ لم تكن رؤيته متطرفة أو بعيدة عن كثيرين من المشاركين في الحياة السياسية من مختلف التيارات الإسلامية.

عقب انقلاب يوليو/تموز 2013 غلبت الأيديولوجيا وإحباطات الثورة الدروي، ليقرر السفر إلى سورية ويقاتل في سبيل هدف واضح وعدو واضح وينضم إلى داعش، كما نقل عنه مقربون منه قبل وفاته، في إحدى العمليات هناك.

اقرأ أيضا: سعوديون في داعش..12 سبباً تدفع مراهقي المملكة إلى التنظيم

لماذا؟


ما الذي يدفع هؤلاء الضباط وغيرهم للالتحاق بالجماعات المسلحة؟ لماذا يعودون إلى ساحة القتال بعدما استقالوا من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية؟ ولماذا تتبدل انتماءاتهم من الرتب العسكرية والأمنية إلى التنظيمات الجهادية؟.

يمكن الإجابة عن الأسئلة السابقة، بالقول إن التناقض بين الدولة الإسلامية والدولة القومية الحديثة، يمثل دافعا لهؤلاء، أو كما يقول وائل حلاق في كتابه "الدولة المستحيلة"، "مفهوم الدولة الإسلامية مستحيل التحقق وينطوي على تناقض داخلي، وذلك بحسب أي تعريف سائد لما تمثله الدولة الحديثة"، واستمر هذا التناقض بين إرادة إقامة الدولة الإسلامية وبين العيش والاندماج في الدولة الحديثة في مخيال هؤلاء الشباب العسكريين، فكانت الإجابة القديمة المتجددة أنه في ظل الدولة التي لا تحكم بما أنزل الله يجب على المجموع إقامة الفريضة الغائبة المتمثلة في الجهاد وأولى الناس بالجهاد ضدهم هم هؤلاء الحكام الذين يحتكمون لغير ما أنزل الله، كما تروج أدبياتهم الجهادية، وكلما خفتت هذه الأطروحة وتلك الإجابة التي أخرجها محمد عبد السلام فرج صاحب كتابه "الفريضة الغائبة"، استعادت قوتها مع الأحداث والثورات والنزاعات حتى لا تكاد تخفت حتى وتعود من جديد ولن تقف اليوم ولا غدا حتى تخرج إجابة تستطيع فك الاشتباك الفكري أولا بين الدولة الحديثة والدولة الإسلامية.

ثانيا، لابد من الإضافة أن مغامرة الأنظمة السياسية باستخدام الدين في اللعبة الإقليمية، خلقت مناخا ملائما لهؤلاء؛ إذ توجد قاعدة تتحدث أن الحرب من خلال دعم الجماعات المسلحة أقل كلفة من الحرب المباشرة، وكانت الحرب الأفغانية ثم الصراعات القائمة في سورية والعراق خير تطبيق لذلك. ولذلك يمكن القول أن دور الدول التابعة لأميركا في إرسال المجاهدين لأفغانستان أذكى الحسّ الجهادي، وكان أولَ المتأثرين بالأمر هم العسكريون ذوو التوجهات الإسلامية، وكانت تلك الدول الداعمة لهذا المناخ، من أول المكتوين بنيرانه.

لابد من القول إن سطوة القوة والنفوذ؛ هي السبب الثالث، وراء سعي هؤلاء الضباط للانضمام إلى التتظيمات المسلحة، إذ تعيد البيئة والتنظيم العسكري صياغة الشخصية وفق مفهوم القوة فلا يستطيع صاحبه فك الارتباط بين كونه إنسان وما يحمله من تأثير هذه القوة، وعندما يفقد طموحه في العسكرية النظامية يبحث عن وجود آخر عسكري أيضا ولكن غير نظامي، وكما يقولون فإن من تعود القتل لا يستطيع التوقف، أو من تعود تدمير الجسور لا يصلح أن يكون وزيرا للإسكان كما قال المفكر الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري، فالحروب والصراعات تُبقي في نفوس أصحابها حاجه لمعاودة الحرب بعد توقفها.

يمكن القول إن اللحظة التي يتحول فيها هؤلاء فكريا، تجعلهم لا يذهبون إلى تنظيمات سياسية بل إلى تنظيمات حدية، أو بمعنى آخر هم لا يغادرون الميدان ولكنهم يستبدلون نقاط الارتكاز، فالقوة تغريهم بالفعل والمغامرة بالنسبة لهم تستحق، والأيديولوجيا تدفعهم دفعا وتلقيهم في أتون الحرب كمجاهدين عقديين.

لكي تتفاعل هذه العوامل السابقة لابد لها من حدث مؤسس؛ ففي حالة من اغتالوا السادات كان الحدث هو اتفاقية كامب ديفيد واستبداد السادات بالحكم واعتقالات سبتمبر 1981، وفي الحالة الثانية كان الحدث المؤسس يوليو 2013 وما وقع في مذبحة رابعة.

تعكس الحالات السابقة أثر الاستبداد في صياغة التحول في الشخصيات العسكرية؛ كحدث يؤسس لانخراطها في التنظيمات الجهادية، ولعل الحالات السابقة تبين الصورة المصرية كحالة مؤسسة للتنظيمات المسلحة.

في الجزء التالي من المادة، نتناول الحالة العراقية، لتكتمل الإحاطة بظاهرة الضباط الجهاديين وأسباب انتقالهم من العسكرية النظامية إلى التنظيمات المسلحة.