الصين ومستقبل النظام الاقتصادي العالمي

21 ابريل 2020
الصورة
ترميم الاقتصادات يتطلب وقتاً (Getty)
+ الخط -

العلاقة الجائرة من قبل أميركا وأوروبا تجاه الدول النامية، على مدار عقود من الزمن، ترفع من سقف الطموح لدى عدد ليس بالقليل من أبناء هذه الدول، بأن يشهد العالم بعد جائحة كورونا، تغيرًا ملموسًا في خريطة النظام الاقتصادي العالمي، بحيث لا تكون أميركا أو أوروبا في مركز تحكّم في ثروات باقي دول العالم.

وعادة ما تذهب التحليلات إلى أن ثمة دورًا منتظرًا للصين في النظام الاقتصادي العالمي المرتقب، على حساب أميركا والغرب. لكن الغريب أن أصحاب هذه الأُمنية من الدول النامية بشكل عام والدول العربية بشكل خاص، لا يتحدثون عن مكانتهم ودورهم في هذا النظام، وماذا سيقدمون؟ وهل سيكون موقعهم في هذا النظام المرتقب، أن تستغلهم الصين، كما فعلت أميركا والغرب من قبل، أم أنهم سيسعون لكي يكون لهم دور في الحفاظ على مواردهم ومقدراتهم الاقتصادية وأوضاعهم السياسية، وأن يكونوا قيمة مضافة للاقتصاد العالمي، وليسوا عالة عليه، كما كان حالهم منذ ما يزيد عن قرن.

الحديث لدى البعض عن الصين وقدرتها الاقتصادية، وإدارتها لأزمة كورونا، ووقوفها أمام أميركا منذ سنوات في قضايا حرية التجارة، وغيرها من قضايا اقتصادية عالمية، يعتبره البعض مسوغات لأن تتبوأ الصين مكانة في قيادة النظام الاقتصادي العالمي المرتقب.
ولابد أن نأخذ في الاعتبار، أنه بالفعل بعد كل أزمة عالمية كبيرة، يشهد العالم تغيرات معتبرة، ويمكن أن نرصد ما حصدته الصين بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، من بعض المزايا التي رسخت من وضعها الاقتصادي عالميًا، مثل اعتبار عملتها ضمن سلة الاحتياطي في صندوق النقد الدولي، واعتبارها ضمن العملات المعتبرة في سلة احتياطيات النقد الأجنبي لباقي دول العالم.

كما أن دخول الصين في تجربة تعد ندية للبنك الدولي، هي خطوة كبيرة في ضوء استراتيجيات التغيير في موازين القوى، وهي تجربة بنك آسيا للبنية التحتية، الذي أنشأته الصين برأسمال 100 مليار دولار، وبمشاركة العديد من الدول في تأسيسه، وأقبلت دول أوروبية عدة على عضويته.

العولمة الرأسمالية

المعلوم حتى الآن، أن الصين دولة شيوعية من حيث نظامها السياسي، ولا تعترف بالتعددية السياسية، أو تبادل السلطة عن طريق الانتخابات، لكنها منذ نهاية السبعينيات خاضت تجربة جديدة على الجانب الاقتصادي، سعت فيه إلى تطبيق كامل للاقتصاد الرأسمالي، وسعت بكل طاقتها لنيل عضوية منظمة التجارة العالمية.

تشير الأرقام الواردة في قاعدة بيانات البنك الدولي إلى التطور الهائل الذي شهدته الصين في ظل الاندماج الاقتصادي الرأسمالي في ظل العولمة، ففي عام 1980 كان ناتجها المحلي الإجمالي 191 مليار دولار، بينما وصل هذا الناتج عام 2018 إلى 13.6 تريليون دولار، لتكون الدولة الثانية على مستوى العالم، وفق هذا المؤشر، بعد أميركا.
أما المؤشر الثاني الذي ترعرعت فيه الصين في ظلال الرأسمالية، فهو نصيبها من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث كان نصيبها عام 1980 بحدود 57 مليون دولار فقط، وقفز في عام 2018 إلى 203 مليارات دولار، أما عن الرصيد التراكمي لهذه الاستثمارات في الصين وخريطتها فحديث آخر.

والمؤشر الثالث الذي نتناوله عن استفادة الصين بشكل رئيس من العولمة الرأسمالية، فهو حصتها من الصادرات السلعية، حيث كانت 18 مليار دولار في 1980، ارتفعت إلى 2.4 تريليون دولار في 2018.

ومن هنا، فالصين بنت ثروتها الاقتصادية ومكانتها السياسية، على مدار العقود الأربعة الماضية، في ضوء الاقتصاد الرأسمالي، ولذلك وجدناها تدافع بقوة على مدار السنوات الثلاث الماضية عن حرية التجارة، لأن القضية مرتبطة بمصالحها، وليس تحيزًا أيديولوجيًا للرأسمالية، وكان لسان حال استراتيجية الصين، تقول "أينما وجدت المصلحة، فلا اعتبار للأيديولوجية".

الخريطة الجديدة

لا تزال الخريطة الجديدة لم تتشكل بعد، لكن ثمة يقين لدى شرائح كبيرة، بأن التغيير قادم، وقد تكون للصين فيه مكانة كبيرة، لكن السؤال هو: هل ستتخلى الصين عن الرأسمالية؟ بالطبع لا، فكما ذكرنا فإن المصلحة هي التي دفعت بدولة شيوعية لتغوص في بحر الرأسمالية، ليتضاعف ناتجها المحلي، وتتزايد حصتها من الصادرات السلعية، ولتكون معقلًا لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ولا تقتضي المصلحة أن تتخلى الصين عن الرأسمالية، بل ستكون التغيرات الاقتصادية والاجتماعية على مستوى العالم بعد كورونا، إحدى المشكلات التي ستواجه الصين، فالكثير من الدول ستعيد النظر في قواعد العمل بنظم العولمة في التجارة والصناعة والاستثمار.

وبالتالي، سيكون التحدي أمام الصين، هو مكانتها في ساحة التصدير العالمية، وقدرتها على جذب استثمارات أجنبية مباشرة، كما كان الحال قبل كورونا.

الصين على مدار ثلاث سنوات، كانت تدافع داخل مجموعة العشرين الاقتصادية، وغيرها من التجمعات الدولية، عن حرية التجارة، وإزاحة العوائق الجمركية التي فرضتها أميركا، لكن بعد كورونا ستواجه الصين، تصرفات مماثلة للتصرف الأميركي من قبل الكثير من الدول، من أجل إيجاد فرص عمل لأبنائها، كما ستعمل كل دولة على توظيف استثمارات أبنائها داخلها، ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

وقد يتغير دور الصين بعد كورونا، من تصدير السلع إلى تصدير التكنولوجيا، لتتخطى معوقات التجارة السلعية، وما تفرضه من تحديات، ولكن سيتطلب الأمر منافسة جديدة، أمام الصين من جهتين: الأولى، السعي بشكل جاد لاستيعاب فائض القوى العاملة لديها، والتي تستوعبها الصناعات التصديرية. والثانية، التفوق على أميركا وأوروبا في إنتاج وتصدير التكنولوجيا. وسيحتاج هذا بعض الوقت لتتقدم الصين في هذا المجال على أميركا وأوروبا.

إن التغيير المرتقب في النظام الاقتصادي العالمي، بعد كورونا، قد لا يحدث في الأجل القصير، ولكن على المدى المتوسط والطويل، سوف يكون التغيير قد ظهرت ملامحه، وتسعى القوى الاقتصادية إلى بدء مرحلة جديدة من الصراع، لإثبات النفوذ، أو لتقاسم المصالح.

يظن البعض أن التغيير القادم سيكون مهمة سهلة بالنسبة للصين، أو لغيرها من القوى الاقتصادية الأخرى التي تريد أن تكون صانعة النظام الاقتصادي العالمي المرتقب، فمعالجة الآثار السلبية لكورونا على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي سوف تستغرق وقتًا، فضلًا عن أنه سيفرض واجبات على الراغبين في تصدّر واجهة النظام الاقتصادي العالمي.
فقضايا المساعدات، والدعوة إلى إسقاط فوائد الديون عن كاهل الدول النامية والأقل نموًا، ستكون بالونات اختبار للكبار الذين يريدون أن يتحكموا ويديروا الخرائط الاقتصادية للعالم. والصين قد لا يكون موقفها من هذه القضايا أحسن حالًا مما تصرفت به أميركا وأوروبا من قبل.

ختامًا: لن يكون تبوؤ الصين مكانة متقدمة على خريطة القوى الاقتصادية العالمية، أو تخطيها لأميركا كأكبر قوى اقتصادية في العالم، بالأمر الهين، بل ستكون هناك تحديات كثيرة، داخل وخارج الصين، قد تعمل على تأخر الصين بعض الوقت للوصول إلى مبتغاها في هذا المضمار.

كما يمكن التأكيد، أن الصين لن تعمل على إسقاط الرأسمالية كنظام اقتصادي خلال الفترة القادمة، ففي ظل هذا النظام بنت قوتها الاقتصادية العالمية. بل سيكون أحد المشكلات أمام الصين، أن تحافظ على القواعد الرأسمالية في التجارة والاستثمار. ومن جهة أخرى، فليس لدى بكين أيديولوجية اقتصادية يمكنها أن تقدمها للعالم كبديل للرأسمالية، مع التأكيد على أني لست رأسماليًا.