الصندوق السيادي... لافتة مصرية للخصخصة

12 مارس 2018
الصورة
الحكومة تسعى لبيع بيع شركات ومؤسسات عامة (Getty)
+ الخط -

برز دور الصناديق السيادية عالمياً مطلع الألفية الثالثة، حيث امتلكت الدول الصاعدة مجموعة من الصناديق التي استهدفت الاستثمار في السوقين الأميركي والأوروبي، واتهمت أميركا وأوروبا هذه الصناديق بأنها واجهة اقتصادية لممارسات سياسية للدول التي تتبعها.

ولجأت دول صاعدة ومنها الصين لتكوين صندوقها السيادي لتخفيف العبء من استحواذ الدولار على غالب ثروتها، ولذا أرادت أن تفرغ جزءاً مما لديها من الأوراق الخضراء في استثمارات وأصول رأسمالية في العديد من الدول.

وبطبيعة الحال امتلكت الدول النفطية العربية صناديق سيادية، لكنها لم تكن ذات أثر على الصعيد العالمي أو الإقليمي، ومن أبرز الصناديق العربية صندوق أبوظبي الذي يمتلك نحو 750 مليار دولار، وتقدر ثروة الصناديق السيادية العربية بـ 2.6 تريليون دولار، هي من نصيب الإمارات، والسعودية، والكويت، وقطر.

وبطبيعة الحال فإن أصول هذه الصناديق أتت من ثروات ريعية كما هو الحال في الصناديق العربية، أو حصيلة عوائد إنتاجية وفوائض تصدير، كما هو الحال في تجربة الدول الصاعدة، لكن مصر لها تجربة مختلفة، حيث تفتقر لأي فوائض من أي نوع، ريعي أو إنتاجي، فلديها فجوة تمويلية قدرت من قبل صندوق النقد الدولي بـ 20 مليار دولار، وأصبح هم صانع السياسية الاقتصادية مجرد التعايش مع الفجوة التمويلية وتداعياتها السلبية، وليس الوصول لتحقيق وفرة تمكن من تكوين صندوق سيادي.

صناديق مصر

أعلن وزير التخطيط المصري السابق أشرف العربي في ديسمبر 2016، عن انتهاء الدراسات الخاصة بالصندوق السيادي للبلاد، وأنه سينشأ بقانون خاص، وأن مسودة القانون ستناقش بمجلس الوزراء تمهيدًا لإرسالها لمجلس النواب، وأن الصندوق سيكون أداة جذب للاستثمارات الخارجية، وأن الموازنة العامة أدرجت بالفعل 5 مليارات جنيه تحت حساب تأسيس الصندوق، وستدرج مبالغ أخرى سنوياً.

لكن في مايو 2017، سحبت وزيرة التخطيط والمتابعة هالة السعيد، الدراسة الخاصة بالصندوق من مجلس الوزراء، بزعم إعادة النظر في الدراسات التي تمت بشأنه، كما أعلن وزير قطاع الأعمال خالد بدوي من دبي عن "أن بلاده تدرس إنشاء صندوق ثروة سيادي لإدارة الشركات الحكومية، في الوقت الذي تخطط فيه لإدراج الشركات في البورصة"، وأن "مصر تتطلع لجمع ما بين 2 و3 مليارات دولار من بيع حصص في شركات حكومية، قبل الإدراج الرسمي لتلك الشركات". وأن "الجدول الزمني لتلك الصفقات يتجاوز العام".

ويبدو الأمر على أنه نزاع بين أشخاص ووزارات، فبعد أن كانت الحكومة متحمسة لمشروع أشرف العربي، أتت وزيرة التخطيط من بعده لتسحب المشروع، رغم أن الدراسات التي أعدت في عهد العربي قام بها مكتب خبرة أجنبي، لكن الوزيرة تريد أن يكون لها بصمتها. وفي مارس 2018، خرج الموضوع من صراع الأشخاص إلى صراع الوزرات، حيث تم في هذه المرة طرح فكرة الصندوق على لسان وزير قطاع الاعمال.

صندوق الخصخصة

يليق بتصريحات المسؤولين المصريين أن يسموا مشروعاتهم تلك بأنها صناديق خصخصة الشركات والأصول العامة، وليس صناديق سيادية، فتجربة أشرف "العربي" كانت تعتمد على إدارة الصندوق للأصول المالية من أراض وعقارات مملوكة للدولة وغير مستغلة، بينما ذهب "بدوي" صراحة إلى أن الصندوق سيعتمد على إيرادات الشركات التي خطط لإدارجها في برنامج الخصخصة عبر البورصة، وأن الحصيلة ستكون بحدود من 2 إلى 3 مليارات دولار.

يعني ذلك أن الصندوق سيكون بمثابة تفريط في الأصول الرأسمالية القائمة وليس تنميتها وزيادتها، حتى لو كان النشاط هو الدخول في مشروعات مشتركة مع شركاء أجانب أو مصريين، فستكون هذه الأصول مجرد حصة للدولة في تلك المشروعات.

ويخشى في هذه الحالة من ممارسات الفساد التي طاولت برنامج الخصخصة بمصر منذ العام 1991/1992 والذي أتى على مشروعات المحليات بالكامل، ثم مشروعات قطاع الأعمال العام، ومؤخرًا مشروعات الهيئات العامة مثل هيئة الاتصالات، التي تحولت للشركة المصرية للاتصالات.

وكانت النتيجة هي التفريط في أصول رأسمالية ومشروعات تقدر بنحو 500 مليار جنيه، لتباع بنحو 50 مليار جنيه فقط، ذهبت ما بين سداد ديون هذه الشركات والمشروعات، وسداد جزء من عجز الموازنة، والجزء الأخير ذهب لإعادة الهيكلة بباقي المشروعات العامة لتأهيلها للدخول في الخصخصة.

تجربة مصر في الخصخصة بشكل عام، اتسمت بالفساد، وعدم تحقيق نتائج إيجابية على صعيد الاقتصاد القومي، فمصر مثلًا لم تحصل على تكنولوجيا جديدة عبر خصخصة الشركات، ولم تهتم شركات القطاع الخاص بوجود مراكز بحثية لتطوير منتجاتها، لكنها اكتفت فقط بشراء خطوط الإنتاج من الخارج، كما كانت تفعل الحكومة، كل الأمر تركز في تحسين الشكل الخارجي للمنتجات، والاستغناء عن العمالة، والسعي للحصول على تمويل من الجهاز المصرفي.

الصندوق المنتظر

إذا ما نجحت خطة حكومة مصر في بيع شركات ومؤسسات عامة، لتحقيق حصيلة قدرها من 2 - 3 مليارات دولار، هل سيترك لهذا الصندوق إدارة هذه الأموال وتنمية الأصول الرأسمالية للدولة؟

الإجابة بالطبع لا، بسبب أزمة مصر التمويلية، وانخفاض معدلات الادخار المحلية لأدنى معدلاتها منذ عقود، حيث انخفضت المدخرات المحلية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.1% في عام 2016/2017.

إذا ما افترضنا أن مستهدف تحقيق 3 مليارات دولار من الخصخصة تحقق للحكومة خلال عام، فهو يعادل نحو 52.8 مليار جنيه، وهي لا تكفي لسد الزيادة في بند واحد من بنود العجز المالي، وهو الزيادة المتحقق في قيمة الفوائد على الدين العام، والذي توقع له وزير المالية عمرو الجارحي بأن يكون في حدود 500 مليار جنيه خلال العام المالي 2018/2019، والذي يبدأ أول يوليو القادم، حيث كانت فوائد الديون تقدر بـ 370 مليارا في 2016/2017، ارتفعت إلى 425 مليارا في 2017/2018، ومن المنتظر أن تقفز إلى نحو نصف تريليون جنيه العام القادم كما توقع الوزير.

ترى، ماذا ستكون خيارات الحكومة في إدارة أوضاعها التمويلية، هل ستتحمل الاستمرار في ماراثون الديون داخليًا وخارجيًا، وتساهم بعوائد الخصخصة في مشروعات مشتركة مع محليين أو أجانب، لتجني عوائد الاستثمار بعد عامين أو ثلاثة؟ هل سيتضمن قانون الصندوق المنتظر ما يضمن تنمية الأصول المباعة، والدخول في مشروعات لتكوين أصول رأسمالية جديدة تدعم الوضع المالي للحكومة، وتضمن حقوق الأجيال القادمة؟

الغريب أن خصخصة الشركات التي تذكرنا بخصخصة الحكومة الذي يركز على الأراضي المملوكة لهذه الشركات والمشروعات، وكما أعلن مؤخرًا في حالة الشركة القومية للإسمنت، التي توقفت نسبة كبيرة من خطوط الإنتاج بها، والإعلان عن تسريح 2300 عامل عبر المعاش المبكر، لكن الهدف الرئيس هو امتلاك الشركة لمساحة 860 فدانا، يمكن أن تتحول لمشروعات إسكان عقاري، وهكذا باقي الشركات سيكون الهدف هو تسييل بعض الأصول، لكن ما هو البديل الذي سيدعم السوق المصري، أو يمثل ورقة ضغط لدى الحكومة في مواجهة احتكار القطاع الخاص، هذا أمر لا تفكر فيه الحكومة.

المساهمون