الصناعات الدفاعية التركية: تعزيز القدرات الداخلية لتحقيق الاستقلالية

الصناعات الدفاعية التركية: تعزيز القدرات الداخلية لتحقيق استقلالية القرار

05 سبتمبر 2020
الصورة
صنعت تركيا طائرات "بيرقدار" المسيّرة (أنور كوبان/الأناضول)
+ الخط -

في حادثة أثارت حفيظة الشارع التركي عام 2010، اختفت طائرة مسيّرة إسرائيلية الصنع من نوع "هيرون" تعود ملكيتها للجيش التركي عن شاشات الرادار خلال عملية تعقّب عناصر من حزب "العمال الكردستاني"، ما دفع الجانب التركي للتواصل مع نظيره الإسرائيلي للبحث عن المسيّرة، ليتمكن الأخير من العثور عليها عقب اختفاء لنحو 15 دقيقة عن الشاشات، الأمر الذي انعكس سلباً على مختلف الأوساط التركية، باعتبار أنّ إسرائيل يمكنها تعقّب الطائرة، وهو ما يعني بالضرورة أنها تمتلك جميع الصور التي تلتقطها هذه الطائرات، ما يسهل التجسس والحصول على المعلومات الخاصة والحساسة من الجانب التركي. لكن هذه الحادثة من جانب آخر، شكّلت دافعاً كبيراً للسلطات التركية من أجل العمل ومواصلة الجهود للوصول إلى امتلاك تقنيات وتكنولوجيا متطورة، في سبيل تعزيز القدرات الدفاعية للبلاد، وبالفعل أنتجت طائرات من دون طيار للمراقبة والقصف، وتجرى الاختبارات النهائية حالياً على طائرات مسيّرة هجومية مقاتلة.

هذه الحالة سبب واحد من أسباب عديدة دفعت أنقرة لسلوك استراتيجية الصناعات الدفاعية وتعزيز قدراتها، لتحقيق الاستقلالية في القرار الوطني، في ظلّ تحديات تواجهها، لا سيما العمليات المسلحة من قبل حزب "العمال الكردستاني"، وبعدما تأكدت أنّ ارتباطها بالدول الغربية للحصول على الأسلحة، يؤثر على سير العمليات العسكرية الدفاعية الجارية ضدّ التنظيمات المسلحة. استقلاليتها هذه ظهرت آثارها في العمليات العسكرية التي نفذتها أخيراً في سورية وشمال العراق وليبيا. فخروجها من التبعية للدول الغربية في شراء الأسلحة، سمح لها بالتصرف بحرية في العمليات التي شنتها، لا سيما في عمليتي "غصن الزيتون" و"نبع السلام" في سورية، اللتين حققت تركيا فيهما استقلالية بنسبة تجاوزت 80 في المائة لناحية الأسلحة المستخدمة ضدّ "وحدات حماية الشعب" الكردية، بحسب تصريحات وزارة الدفاع، ما منع أي تدخل في قرارها بالقيام بالعمل العسكري، على الرغم من الرفض الدولي الواسع للعمليتين، على اعتبار أنهما جرتا ضدّ حلفاء للدول الغربية. وكذلك الأمر في ليبيا وشمال العراق والتطورات في شرق المتوسط، فكلها ملفات دفعت أنقرة للعمل على الاستقلال في الصناعات الدفاعية، وهو ما توليه حكومة حزب "العدالة والتنمية" الحاكم حالياً أهمية كبيرة.


خروج تركيا من التبعية للدول الغربية في شراء الأسلحة، سمح لها بالتصرف بحرية في العمليات التي شنتها

بدايات المحاولات التركية في الصناعات الدفاعية تعود للعام 1965 مع بدء الخلاف حول القضية القبرصية وموقف حلفاء تركيا منها، وحينها تمّ تأسيس جمعية خاصة بالصناعات البحرية. وفي العام 1970، تم تأسيس جمعية لتقوية القوات الجوية. وبعد حرب قبرص في العام 1974، تمّ جمع المؤسستين في فرع واحد بهدف تقوية الجيش التركي، وتأسست شركة "آسيلسان" للأسلحة الدفاعية. ولكن الخطوات الكبيرة جاءت بعد العام 1985 لناحية التحول إلى الصناعة العسكرية الدفاعية، والتي وفّرت بدايةً ما نسبته 18 في المائة فقط من احتياجات الجيش التركي، فيما تبلغ حالياً هذه النسبة 70 في المائة. هذا التحول في الوقت الحالي لم يعد يقتصر على المجالات البسيطة من العتاد والأسلحة، أي الملابس وذخيرة الأسلحة الفردية، بل تطور ليشمل كافة القطاعات، فتم تأسيس شركة الصناعات الفضائية في العام 1982، وشركة تصنيع الصواريخ في العام 1988، وشركات عديدة أخرى، وباتت تركيا في العام 2000 دولة منتجة لأسلحتها. رافقت ذلك إرادة سياسية لتعزيز مجال الصناعات الدفاعية من كافة الأحزاب التي تولّت الحكم.

ومع تسلم حزب "العدالة والتنمية" الحكم وانتهاجه نزعة أكثر استقلالية وتصادمه مع الولايات المتحدة في ملفات عدة، أبرزها وأولها ملف التعاون خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وتصادم الحزب أيضاً مع إسرائيل والاتحاد الأوروبي، تمّ التوجه أكثر نحو التركيز على التقنيات الحديثة في استخدامات الأسلحة، وذلك مع تزايد الحظر الذي فرض على بيع أنقرة أسلحة نوعية. فحرمان تركيا من الطائرات المسيّرة الأميركية قادها لصنع طائرات "بيرقدار" المسيّرة، ومنع طائرات "أباتشي" عنها قادها لصناعة مروحيات "آتاك"، وكذلك منعها من امتلاك الصواريخ قادها لإنتاج أنواع مختلفة من المدافع والصواريخ بعيدة المدى، وأهمها المدافع المعروفة باسم "أوبس" والتي يصل مداها لمئات الكيلومترات، وكانت عنصراً مهماً في استهداف الوحدات الكردية، وكذلك صواريخ "تشنار".

على صعيد المدرعات، تنتج تركيا دبابة محلية الصنع وهي "ألطاي"، وعربات نقل، ومختلف أنواع المدرعات ومنها "التنين"، وقد حققت بذلك اكتفاءً ذاتياً، بل وصدّرت من هذه المركبات إلى دول عدة، منها ليبيا وعُمان وقطر ودول أخرى. وكذلك طوّرت تركيا سفناً حربية، وحققت بها أيضاً اكتفاءً ذاتياً، وهي تخطط لصنع غواصات وحاملات طائرات. ومع منع تركيا من الحصول على مقاتلات "أف 35" الأميركية المتطورة، اندفعت للعمل على تطوير مقاتلة محلية الصنع يتوقع اكتمالها بعد سنوات.

ولكن النقص يبقى في قطاع الدفاعات الجوية الاستراتيجية. وقد حاولت أنقرة حلّ ذلك عبر شراء منظومة صواريخ "أس 400" الروسية وتطوير القدرات المحلية، ولكنها منعت من الحصول على المقاتلات الأميركية الحديثة بحجة الصواريخ الروسية. ولكن حيازتها "أس 400" جعلت بيدها ورقة مؤثرة في النزاع الحاصل شرق المتوسط مع اليونان وفرنسا، إذ تعتزم تركيا نشر بطاريات الصواريخ في أضنة لحماية السواحل المتوسطية. وهناك قناعة لدى تركيا بأنّ الولايات المتحدة كانت ستمنع وتعرقل بيع المقاتلات الحديثة لها، وكانت تبحث عن الحجة ووجدتها في الصواريخ الروسية، لأن امتلاك أنقرة لهذه المقاتلات سيرفع من قوتها بالمنطقة ويؤثر على تفوق إسرائيل.


الرهان التركي على التصنيع المحلي كان ولا يزال على الطائرات المسيّرة

الرهان التركي على التصنيع المحلي كان ولا يزال على الطائرات المسيّرة وهي نوعان؛ للمراقبة وتعرف بـ"IHA"، والمسلحة وتعرف بـ"SİHA"، وهذان النوعان من المسيّرات اعتمدت تركيا عليهما بشكل كبير في 4 عمليات عسكرية كبرى في سورية هي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، والعملية الأخيرة في إدلب والتي استهدفت من خلالها قوات النظام. هذا فضلاً عن أهمية هذه الطائرات في العمليات شمال العراق ضد حزب "العمال الكردستاني". كما أنّ هذه المسيّرات لعبت دوراً في استهداف مليشيات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا في معركة جنوب طرابلس وتحرير قاعدة الوطية الجوية. وما زالت هذه الطائرات تلعب دوراً مهما وتعتبر قوة لتركيا، فيما تكتمل التجارب حالياً لصناعة المسيّرة الثالثة الهجومية وتعرف بـ"TİHA"، وسيكون لتلك الطائرات دور مهم مستقبلاً، خصوصاً لقلة تكاليفها وتقنياتها المحلية، وقدراتها الفعّالة. يضاف إلى ذلك نجاح تركيا في تصدير أسلحتها لدول عدة حققت من خلالها مليارات من الدولارات، إذ يعتبر قطاع السلاح واعداً في المستقبل لناحية رفد الاقتصاد بموارد مالية كبيرة، فضلاً عن مزيد من الاستقلالية.

المساهمون