الصقر حامي الفنون

16 مارس 2015
الصورة
وزير الثقافة المصري الجديد عبد الواحد نبوي
+ الخط -
تتناثر الهمسات عبر القاهرة في أيام عديدة وكثيرة، متحدّثة عن سيطرة المخابرات العامة على منصبي وزارة الثقافة ووزارة الإعلام. وتستعين تفسيرات مماثلة برجلى نظام مبارك القويين، أو قل الدولة القديمة التي ما تزال بالحكم: صفوت الشريف وفاروق حسني، فالأوّل كان ضابطًا سيئ السمعة بالجهاز بموجب حكم قضائي، والثاني قد عمل مثل جاسوس على الطلبة المصريين في روما على عهدة رجل النظام، القضائي المصري المشهور يحيى الجمل. وهو الأمر الذي أكّده الوزير في ندوة صنعت له خصيصًا بمقر دار الهلال عبر إصدارها الرئيس "المصور" في تسعينات القرن المنصرم.
لا يخلو الأمر من استثناءات تؤكّد ما يظنه البعض قاعدة؛ فقد تولّى حقيبة وزارة الثقافة بعيد الثورة مباشرة، في أيام الزهوة الأولى التي كانت الدولة فيها في موقف ضعيف، مثقفٌ كبير ومهم؛ الدكتورعماد أبو غازي. لكن الرجل آثر الابتعاد بعد مذبحة محمّد محمود. وقبله بعقود كان أبوه بدر الدين أبو غازي، الذي لم يستمر طويلًا طبعًا. بينما نجد أسماء مثل جابر عصفور وصابر عرب، تولوا الوزارة مرتين في أربع سنوات، في منحنٍ غير مسبوق في الدولة المصرية، ويبدو مثل تضخيم من عادة سنّها فاروق حسني بين رجاله في الوزارة الذين تعودوا على تبديل أماكنهم في الوزارة باستمرار. ونتذكّر هنا رجلًا مثل ناصر الأنصاري، الضابط القادم من رئاسة الجمهورية، الذي تنقّل بين وظائف عدة في الوزارة قبل رحيله. يمكننا كذلك أن نتذكر ببعض من التعجّب حين طرح اعتصام المثقفين (الذي تحول لمعقلٍ من معاقل الدولة القديمة) ضدّ وزير ثقافة الإخوان علاء عبد العزيز، اسم مديرة الأوبرا إيناس عبد الدايم. قيل إنه صدر قرار بتعيينها فعلًا، قبل أن تعقد اجتماعًا مفاجئًا مع رئيس الوزراء آنذاك، حازم الببلاوي. وقيل ساعتها إنه اجتماع لتطييب الخواطر، كي تخرج، ويدخل صابر عرب الوزارة مرة أخرى.
هكذا يلوم البعض خفية جهاز المخابرات المصري علي اعتماد اسم وزير الثقافة المصري الجديد عبد الواحد نبوي، فقد بدأ ردّ الفعل بالتعجّب عن عدم معرفة الرجل بين أوساط المثقفين، لا سيما في دائرة وسط البلد الشهيرة، رغم توليه مسؤولية دار الوثائق القومية. ثمّ تطوّر الموضوع إلى توجّس من خلفية الرجل المنتمية إلى جامعة الأزهر.
ثمّ استرعى انتباهي أنا شخصيًا ما تواتر عن أن الوزير السابق، الدكتور جابر عصفور، يد فاروق حسني اليمنى ووزير الثقافة الأسبق لأيام معدودات خلال ثورة التحرير، قد نُحي من منصبه نتيجة تحيّزه للعلمانية و"محاولة فرضها" على الوزارة، وعلاقته المتوترة بالأزهر خلال دورته الاخيرة. وأن تعيين الدكتور نبوي كان محاولة لـ"إمساك العصا من المنتصف" ما بين الأزهر و"العلمانية". وهكذا بدا لي أن الموضوع له صبغة الدولة القديمة المعتادة التي تسير من فشلٍ إلى آخر: نظام عبد الناصر الذي يروج له بكونه علمانيًا وهو من دشّن إذاعة القرآن الكريم ومجمع البحوث الإسلامية.
صحيح أن صديقًا عزيزًا، ومقرّبًا من دوائر الحكم بشكل أو بآخر، كتب أن إقالة الوزير العصفور تمثّل بالنسبة له "علامة استفهام"، إلا ان التربّص المتصاعد بنبوي، أخذ منحى آخر: عنوان من جريدة الدستور، ضمن موضوعات كثيرة للهجوم علي الوزير الجديد الأزهري القادم من قطر حسب إحداها، يقول إن الوزير الجديد قد صرح بأن من حقّ الأزهر إبداء الرأي بشأن الأعمال الفنية، وآكتشف أن التصريحات هي تفريغ لما قاله الرجل في حوار مع الإعلامية المصرية لبنى عسل، وأن ما قاله كاملًا ، كما ذكرت الصحيفة، هو أن "من حق الأزهر إبداء الرأي في الأعمال الفنية وليس منعها". من ناحية أخرى، فقد أوردت صحيفة الوطن، التي يُشاع عنها علاقتها بالجهات الأمنية، خبرًا أن قطاع الأمن الوطني (اسم التدليل الجديد لجهاز مباجث أمن الدولة) قد بعث تقريرًا لرئيس الوزراء المصري قبل تعيين نبوى، زاعمين فيه أن الرجل ما هو إلا "خلية نائمة" تابعة لجماعة الإخوان المسلمين. لكن رئيس الوزراء ضرب بالتقرير عرض الحائط.
و"خلية نائمة" هي المقابل المصري للفظ "ساحرة" في العصور الوسطى الأوروبية، وهي تليق بشكلٍ بديع بالدولة البوليسية القديمة الجديدة في مصر، التي تحاول جاهدة لبسط نفوذها كليًا علي مختلف طبقات المجتمع المصري، وهي تهمة كفيلة بتدمير مستقبل الرجل السياسي. إذن، بدا لي أنها بوادر حملة منظّمة على الرجل، وحان دوري أنا لإطلاق علامات الاستفهام خاصتي؛ هل هي حرب أجهزة؟ سواء أكانت ضدّ اختيارات المخابرات (خاصة بعد مصادرة عدد جديد من جريدة الوطن أشار لتهرّب المخابرات من دفع الضرائب هي وهيئات سيادية مثل رئاسة الجمهورية)، أم من المخابرات ضدّ جهة جديدة انتزع مرشحها مقعد الوزارة؟ هل هو لوبي فساد كان مرتاحًا بوجود الوزير العصفور، الذي أقال قبل أكثر من أسبوع رئيس هيئة قصور ثقافته، بعدما أوقف أحد مستخدميه بدعاوى الفساد (وهي، دعنا نكون واضحين: دعاوى وليست قولًا فصلًا)؟
تبقى أسئلة مماثلة، غامضة ومبهمة، ولا يستطيع أحد تأكيد أي شيء أو نفيه. ولكن، من جهة أخرى، صرح الوزير فور تنصيبه أن أولوية السينما لا بدّ وأن تكون "الأفلام الوطنية"، مما أثار سخرية واسعة في أوساط المثقفين والمهمومين بالشأن العام، سواء على صفحات الفيسبوك أو في المقاهي. وبدا لي الموضوع مقلقًا، لأن الوزير صرح للمرة الأولى تصريحًا ينقلنا لأجواء الستينيات من القرن المنصرم وأيام مؤسسة السينما، التي تتحكّم في مجمل الانتاج السينمائي المصري، خاصًة مع توجّه ثابت للدولة بطرد مؤسسات المجتمع المدني، الثقافية منها على وجه الخصوص، خارج البلاد عن طريق التضييق المتعمّد، وخبر مغادرة مؤسسة المورد الثقافي الشهيرة إلى بيروت ليس بعيدًا عن ذلك.
ثم قال الرجل في متن تصريحه نفسه عن الأزهر أن مهمّته هي "الحفاظ على الهوية المصرية"، وهي القضية التي استغلّتها الدولة القديمة في وجه قناعها المدني المؤقت الذي هو الإخوان، ثم تعود لاستخدامه مرة أخرى بتطمين المتدينين، وربما غلاة المتدينين الذين يعتلون منابر المساجد بتصريح من السلطات الآن، إلى حفاظ "الدولة" على "الهوية" الإسلامية لمصر. إنها اللعبة العقيمة والسلطوية نفسها، في الإبقاء على وزارة ثقافة بدأت باسم "الإرشاد القومي".
ثم أنه، ودعونا نكون موضوعيين، هناك إدارج الأزهر في الدستور المصري الأوّل بعد ثورة يناير، ثم إعادة ذكره في تعديله هذا الدستور بعد يونيو، وهو ما يحوّل الأزهر إلى سلطة شرعية. وبما أن إدارجه جاء بالطبع في شؤون الإسلام وليس في شؤون الطبخ، فإن قول الوزير يبدو في محله ولا شك، ولا عزاء لغلاة العلمانيين الذين أيدوا الدولة القديمة في تولي الحكم كاملا من أجل "العلمانية".
السؤال الأخطر، الذي لا يملك أحدنا بلورة سحرية لإجابته؛ هل تتحوّل مصر إلى دولة دينية؟ هل يكون تعيين أوّل وزير ثقافة من خلفية أكاديمية أزهرية، واعترافه بحقّ الأزهر في إبداء الرأي بالأعمال الفنية بوادر هذا التوجه؟ هل مجرد إيراد علمانية عصفور كسبب للإقالة، لافت جدًا بصرف النظر عن كون المجادلة صحيحة أم لا؟ هل يكرّر التاريخ نفسه، وتنفجر استراتيجية التعامل مع المسألة الدينية علي الطريقة "اليولياوية" في وجه النظام مرة أخرى، عبر التضخم اللافت للإسلام السياسي في عقود السادات ومبارك في مقابل خفوت التيار العلماني والمدني ممثلًا في حزب الوفد، وهو أغلبية ما قبل يوليو؟
أم هي مناورات تشبه ما قام به كمال أتاتورك في تركيا قبل فرضه لعلمانية متطرفة؟ هل سيكون السلفيين فوق المساجد مطوّرين لـ "لوثرية جديدة" تحت توجيه عبد الفتاح السيسي؟
لا أحد يعلم، ولكن ما نعلمه هو أن المد اليميني بلغ في مصر حدًا مقلقًا وملحوظًا بشدّة منذ تولي الجيش مقاليد البلاد.
أما عن المستقبل، فلا أحد يعلم. التاريخ وحده يعلم، أو بالأحرى منتصروه.

المساهمون