الصحافة في المغرب: قلق من سيف القانون الجنائي

05 مايو 2020
الصورة
لوحقت الصحافية هاجر الريسوني وأفرج عنها بعفو (فرانس برس)
في الوقت الذي يتواصل فيه الجدل بشأن مشروع القانون المتعلق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، باعتباره مشروعاً لـ"تكميم الأفواه" وفق ما يرى كثيرون، حلّ "اليوم العالمي لحرية الصحافة" (3 مايو/أيار) في المغرب في ظل أجواء استثنائية فرضها انتشار فيروس كورونا الجديد، واستمرار ملاحقة الصحافيين بموجب القانون الجنائي. وقالت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أكبر تنظيم حقوقي غير حكومي، إن الوضع تميز باستمرار انتهاكات حرية الصحافة تشريعاً وممارسة، معتبرةً، في بيان، أن "الأمر سيزداد صعوبة مع دخول قوانين الطوارئ الصحية وفرض إجراءات الحجر الصحي لمحاربة جائحة كورونا من خلال اللجوء إلى القانون الجنائي لتجريم التعبير المشروع عن الرأي، بما في ذلك عبر الإنترنت ومواصلة حملات الاعتداءات والملاحقات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة ضد الصحافيين والمدونين".
وفيما قررت النقابة الوطنية للصحافة المغربية تأجيل موعد تقديم تقريرها السنوي بشأن حرية ممارسة الصحافة، لهذه السنة إلى موعد لاحق، "اعتباراً للظرفية التي تجتازها البلاد، ونظراً لانشغال أغلب الزملاء في معركة التصدي لجائحة كورونا، وكذا لأهمية رصد الوقائع والأحداث التي عاشها ويعيشها الصحافيون والصحافيات خلال هذه المرحلة"؛ أبدى المنتدى المغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان، في بيان له، "قلقه البالغ إزاء تزايد الانتهاكات المرتكبة ضد حرية الصحافة ومبادرات تشريعية تهدد حرية التعبير والإعلام بمحاولات تمرير مشروع القانون الخاص بمنصات التواصل الاجتماعي "في استغلال فج لجائحة كورونا لتكميم وسائط الاتصال الاجتماعي واضطهاد المواطنين والصحافيين، ومقاضاة الأشخاص بسبب تعليقاتهم وتدويناتهم على الإنترنت حول مسائل تهم الشأن العام، وترسيم عقوبات سالبة للحرية".
وكان التقرير السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود" حول حرية الصحافة في العالم لسنة 2020، الصادر في 21 إبريل/نيسان الماضي، قد أكد أن "موجة الضغوط القضائية ضد الصحافيين" تتواصل في المغرب، فبالإضافة إلى "المحاكمات التي استمرت لسنوات ضد العديد من الفاعلين الإعلاميين، انهالت المتابعات القضائية على الصحافيين من جديد، حيث أصدرت أحكاماً مشددة في بعض الحالات، علماً بأن العديد من الصحافيين والصحافيين-المواطنين ما زالوا يقبعون في السجن".

وبالنسبة لعادل تشيكيطو، الصحافي ورئيس "العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان"، أقدم تنظيم حقوقي غير حكومي بالمملكة، فإن الاحتفال باليوم العالمي للصحافة يأتي في وقت "نجد فيه أنفسنا، مع الأسف، نحصي المعتقلين ونكابد للتخلص من كمامات القمع"، مشيراً في حديث لـ"العربي الجديد" إلى أن "سنة 2019 وبداية 2020 كانت موصومة باعتقالات ومتابعات في حق الصحافيين والمعبرين عن رأيهم، ورغم أننا استبشرنا خيراً حينما تم سن مدونة الصحافة والنشر، التي لا تتضمن عقوبات سالبة للحرية تفعيلاً لمضمون الفصل 25 من الدستور، إلا أن الدولة ما زالت تصر على استعمال فصول القانون الجنائي من أجل تصفية حساباتها مع الأصوات المزعجة لها".
وأوضح المتحدث ذاته أن اليوم العالمي للصحافة هو أيضاً مناسبة لوضع حالة الصحافيين المغاربة تحت المجهر، فعدد من المقاولات (المؤسسات) الإعلامية لا تلتزم بمضمون الاتفاقية الجماعية وحالة الصحافيين في المغرب هي الأضعف على المستوى العربي بسبب تعنت تلك المقاولات، ناهيك عن حالات الطرد التعسفي التي يتعرض لها بعض الصحافيين بسبب آرائهم أو رفضهم الانصياع لرأي رأس المال. وأضاف: "لا بد أيضاً من أن نجمل واقع الصحافة اليوم، في طريقة تعامل الدولة معها خصوصاً خلال فترة الحظر الصحي، حيث تم منع الجرائد من الطبع وتقييد حركة تنقل الصحافيين خصوصاً خلال شهر رمضان، فالصحافي لا يمكنه أن يسعى للبحث عن الخبر إلا بإذن من المصالح الإقليمية خصوصاً بعد السابعة مساء".
من جهته، يرى سامي المودني، رئيس "المنتدى المغربي للصحافيين الشباب"، أن تقييم موضوع حساس مثل حرية الصحافة لا يجب أن يخضع للغة المعطيات الجاهزة، وإنما إلى مؤشرات مضبوطة تهم الإطار القانوني ومدى ملاءمته للمواثيق الدولية ذات الصلة بحرية الرأي والتعبير، ورصد دقيق وموثوق للتجاوزات والانتهاكات بأقصى درجات الحيادية، بالإضافة إلى مدى تدخل الفاعلين الاقتصاديين في الخطوط التحريرية لوسائل الإعلام، فضلاً عن سؤال أخلاقيات مهنة الصحافة، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من جدلية الحرية والمسؤولية في العمل الإعلامي.

وبحسب المودني، فإنه إذا كان المغرب قد حقق تقدماً في ما يتعلق بملاءمة قوانينه الوطنية مع المواثيق الدولية ذات الصلة بحرية الرأي والتعبير، من خلال مدونة الصحافة والنشر، كما قبلت الحكومة بعدد من التوصيات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان بجنيف، التي تتجه نحو تعزيز حرية الصحافة، إلا أن استمرار وجود قانون يؤدي بالصحافي إلى المثول أمام المحاكم بموجب القانون الجنائي بتهم لها علاقة بالنشر يفرغ هذه التشريعات من محتواها. ويضيف: "تابعنا خلال هذه السنة استمرار متابعة الصحافيين قضائياً بموجب القانون الجنائي في قضايا متعلقة بالنشر، وهو ما يتعارض مع المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه المغرب"، مشيراً في تصريح لـ"العربي الجديد" إلى أن هذا الوضع يفرض تعديل قانون الصحافة بشكل ينهي مع هذا النوع من المتابعات القضائية وإحداث آلية وطنية لحماية الصحافيين.
وشهدت الفترة من 3 مايو الماضي إلى 3 مايو الجاري، اعتقالات وملاحقات في حق مجموعة من الصحافيين كان من أبرزها الحكم على الصحافية هاجر الريسوني بالحبس مدة سنة، قبل أن يعيد العفو الملكي الأمور إلى نصابها. وفيما لم يطرأ أي تغيير على وضع الصحافي حميد المهداوي المتابع بثلاث سنوات حبساً نافذاً، صدر في حق الصحافي عمر الراضي في مارس/ آذار الماضي حكم بالحبس أربعة أشهر موقوفة التنفيذ. كما قضت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في أكتوبر/ تشرين الأول الفائت برفع العقوبة الحبسية إلى 15 سنة نافذة في حق الصحافي توفيق بوعشرين.