استهداف صحافيين واعتقال مراسلين خلال تغطية الاحتجاجات الأميركية

01 يونيو 2020
الصورة
استهدف عناصر الشرطة الصحافيين مباشرةً (ماريو تاما/Getty)
انعكست حملات التحريض على الصحافة ومعاداتها في الولايات المتحدة الأميركية، التي تكرّست نهجاً محافظاً خلال السنوات الأربع الماضية نتيجة الهجمات المتكرّرة للرئيس دونالد ترامب، على سلامة الصحافيين الجسدية خلال تغطية الاحتجاجات الأخيرة. وانطلقت احتجاجات الأسبوع الماضي في مينيابوليس في ولاية مينيسوتا الأميركية، احتجاجاً على قتل شرطي لمواطن أسود يُدعى جورج فلويد، كانت آخر عباراته "لا أستطيع التنفّس"، وأشعلت غضباً واسعاً، لتتسع رقعة الاحتجاجات لولايات عدّة، حدثت فيها صدامات مع الشرطة، التي بدورها أظهرت وحشيةً عالية.
وبينما كان ترامب يشنّ هجماته على موقع "تويتر"، ويدعو إلى قتل المحتجّين ويحثّ على العنف ضدّهم عبر المنصّة نفسها، كان الصحافيون الأميركيّون يواجهون الضرب والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، والاعتقال أيضاً، خلال تغطياتهم.

اعتقالات خلال التغطية
خلال يومي الجمعة والسبت، أحصى صحافيون أميركيون ومنظمات حقوقية العشرات من حالات الاعتداء تلك، التي أبدى جميعهم استغرابها في بيانات الإدانة، مشيرين إلى أنّها تنتهك التعديل الأول للدستوري الأميركي. إلا أنّ تلك الممارسات كانت هي نفسها في عدد من الولايات، ومن دون أي مبرّر لها، وخصوصاً أنّ المراسلين الأميركيين يتعمّدون التصريح للشرطة بأنّهم يمتثلون لأوامرها خلال التغطية. رغم ذلك، اعتُقل عدد من المراسلين. فيوم الجمعة الماضي، اعتقل مراسل "سي أن أن" في مينيابوليس، عمر خيمينيز، على الهواء مباشرةً، خلال تغطيته الاحتجاجات، من دون إبلاغه السبب، رغم سؤاله، ثمّ اعتُقل الفريق المكوّن من 3 أشخاص بأكمله، قبل إطلاق سراحهم.



تلك السابقة وجدت أوسع الإدانات، لكنّها لم تتوقف. إذ اعتقل مصوّر قناة WCCO، وهي محطة تابعة لشبكة CBS، توم أفيليس في جنوب مينيابوليس، بعدما استهدفه شرطي برصاصة مطاطية، وبقي قيد الاحتجاز لساعتين، ليل السبت. وبدا من خلال عملية الاعتقال التي عرضتها القناة، أنّ الشرطة تنزعج من تصوير عناصرها خلال قمعهم للتظاهرات، إذ إنّها أنزلت المصوّر أرضاً واعتقلته، رغم تعريفه عن نفسه وسؤاله أين يجب أن يتوجّه. وقالت مراسلة القناة جوان غيلبيرتسون إنّ شرطياً هددها بإجراء مماثل، وقال لها: "سيحصل لك ما حصل له، أو أنتِ التالية".
في لاس فيغاس، احتُجزَت مصورتان خلال تغطيتهما الاحتجاجات مساء الجمعة. وقالت المصورة بريجيت بينيت لـ"سي أن أن" إنها احتُجزت مع مصور صحافي آخر في مكان الاحتجاج. وقالت بينيت: "أنا مصورة صحافية مستقلة، وأعمل في مهمة لوكالة فرانس برس. أطلق سراحي صباح السبت". كذلك أُلقي القبض على إيلين شميت، وهي مصورة لصحيفة "لاس فيغاس ريفيو جورنال".
والسبت أيضاً، احتُجز مراسل "هاف بوست"، كريس ماتياس، في أثناء تغطيته للاحتجاجات المناهضة للعنصرية في نيويورك. وماتياس الذي يغطّي شؤون اليمين المتطرف والتضليل والكراهية، كان في منطقة فلاتبوش في بروكلين، حيث دارت اشتباكات حين اعتقلته الشرطة بعنف واضح، مع آخرين، رغم أنّه كان يرتدي تعريفاً بأنه صحافي.


استهداف بالغاز والمطاطي
أظهرت اللقطات والشهادات إصابة العشرات من الصحافيين بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، في عدد من الولايات أيضاً. وفي لويزفيل بولاية كنتاكي، حيث كان المتظاهرون يطالبون بالعدالة بعدما أصيبت امرأة سوداء برصاصة قاتلة من الشرطة في مارس/ آذار الماضي، أطلق ضابط رذاذ الفلفل على الصحافية كايتلين روست من محطة WAVE 3 News، على الهواء مباشرةً. وكانت الصحافية تتقدم مع المصور لشرح ما يحصل حين أطلق الشرطي الرذاذ مباشرةً عليهما، فصرخت على الهواء. ولاحقاً، أصدر المستشار الخاص للشرطة اعتذاراً عن الحادثة بعد مراجعة الفيديو.

وقالت الصحافية في "لوس أنجليس تايمز" مولي هينيسي فيسك، إنّها كانت تقف مع مجموعة من نحو عشرة صحافيين عندما أطلقت دورية ولاية مينيسوتا قنابل الغاز المسيل للدموع عليهم من مسافة قريبة. وأشارت إلى أنّ المجموعة حدّدت نفسها بوضوح كإعلامية، وسألت الضباط أين يجب أن يتنقلوا، لكنّهم لم يجيبوا.

وقال مراسل "أم أس أن بي سي"، ألي فيلشي، إنّه أصيب برصاصة مطاطية في ساقه خلال تغطيته لمسيرة سلمية في مينيابوليس. وفي الليلة نفسها، أصيب اثنان من فريق التصوير التلفزيوني التابع لوكالة رويترز بالرصاص المطاطي عندما دخلت الشرطة منطقة كان فيها نحو 500 محتج في جنوب غرب المدينة عقب بدء حظر التجول في الثامنة مساء. وأظهرت لقطات سجلها المصور خوليو سيزار شافيز، ضابط شرطة وهو يصوب سلاحه إليه في الوقت الذي كانت الشرطة تطلق فيه الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين. وبعد دقائق أصيب شافيز ورودني سيوارد، المستشار الأمني في رويترز، بالرصاص المطاطي وهما يحتميان في محطة وقود قريبة. وظهر الاثنان في لقطات وهما يهرعان للاحتماء ثم ترددت أصداء عدة طلقات، وصرخ سيوارد: "أُصبت في وجهي برصاصة مطاطية". وشوهد سيوارد في وقت لاحق، في أثناء علاجه بالقرب من موقع الحادث من جرح عميق تحت عينه اليسرى. وأصيب الاثنان في الذراع، كذلك أصيب شافيز في عنقه من الخلف. وأكّدت "رويترز" في خبرها أنّه كان جليّاً أن الاثنين من العاملين في وسائل الإعلام، فقد كان شافيز يحمل كاميرا ويضع شارة الصحافة حول عنقه. أما سيوارد، فكان يرتدي سترة واقية من الرصاص، وعليها شارة الصحافة.
ووثّقت صور ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي إصابة الصحافيين وتحطيم معداتهم واختناقهم وهروبهم خلال التغطية.








المتظاهرون أيضاً
كان المتظاهرون بين مستهدفي وسائل الإعلام. إذ وقع الاعتداء على فريق WLKY في لويزفيل ليل الجمعة، وحُطِّمَت سيارة النقل المباشر، بالإضافة إلى تعرّض المراسل لضرب مبرح، بالرغم من وجود حرّاس شخصيين مع المراسلين. إذ ترسل العديد من شبكات التلفزيون حراس أمن خاصين لدعم الصحافيين الذين يغطّون الاحتجاجات. وفي واشنطن، تدخّل الحراس لحماية فريق "فوكس نيوز" الذي كان يغطّي التظاهرات قرب البيت الأبيض يوم الجمعة. وغادر المراسل ليلاند فيترت والمصور كريستيان غالدابيني بعد تزايد الحشود. وقالت فوكس: "ضُرب فيترت والطاقم في أثناء فرارهم، وكُسرَت كاميرا فوكس نيوز عندما حاول أحد أفراد العصابة الإمساك بها".

ويوم السبت، قال المصوّر الصحافي لتلفزيون KDKA في دنفر، إيان سميث، إنه "تعرض لهجوم" من قبل المتظاهرين في وسط المدينة. وكتب في تغريدة على ظهر سيارة إسعاف: "لقد داسوني وركلوني. أنا مصاب بكدمات، لكنني على قيد الحياة. حُطِّمَت كاميرتي. أخرجتني مجموعة أخرى من المتظاهرين وأنقذت حياتي. شكراً لكم!".

ووقع الاعتداء أيضاً على مقارّ إعلامية، كمقرّ "سي أن أن" في أتلانتا ومقر "وود تي في 8" في ميشيغان، ومبنى دينفر بوست، بالإضافة إلى اعتراض عمل الصحافيين.





محاولة ترهيب
سبّبت تلك الاعتداءات على الصحافيين حملاتٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، تُندّد بالتنكيل بحريّة التعبير، كما بحملات إدانة واسعة من المنظمات الحقوقية ومنظمات حماية الصحافيين. وقال مدير برنامج لجنة حماية الصحافيين في أميركا، كارلوس مارتينيز دي لا سيرنا، إن "الهجمات على الصحافيين وأطقم وسائل الإعلام والمنظمات الإخبارية التي تغطي المظاهرات تُظهر تجاهلاً تاماً لدورهم الحاسم في توثيق القضايا ذات الاهتمام العام، وهي محاولة غير مقبولة لترهيبهم".
ودعت المنظمة السلطات في جميع أنحاء البلاد "إلى توجيه الشرطة بعدم استهداف الصحافيين وضمان أنهم يمكنهم الإبلاغ بأمان عن الاحتجاجات دون خوف من الإصابة أو الانتقام".
ونقلت "سي أن أن" عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، رسالةً تدافع عن حقوق الصحافة. وقال، السبت: "عندما يتعرض الصحافيون للهجوم، تتعرض المجتمعات للهجوم. لا يمكن أيَّ ديمقراطية أن تعمل دون حرية الصحافة، ولا يمكن أيَّ مجتمع أن يكون عادلاً من دون الصحافيين الذين يحققون في المخالفات ويتحدثون عن الحقيقة للسلطة".
من جانبه، قال باركر هيغينز من "فريدوم أوف ذا برس"، في بيان: "للصحافيين الحق الواضح في تغطية الأحداث العامة في التعديل الأول".
وطالبت جمعية الصحافيين المحترفين المتظاهرين والشرطة بعدم مهاجمة الصحافيين أو مضايقتهم. وكتبت في خطاب، السبت: "قبل اتخاذ أي إجراء عدواني تجاهنا، خذ لحظة، وخذ نفساً، وقرر فعل الشيء الصحيح، ودعنا نقوم بعملنا".


تعليق: