السيسي يستهل ولايته الثانية بهجمة شرسة على الإعلام

السيسي يستهل ولايته الثانية بهجمة شرسة على الإعلام

06 ابريل 2018
الصورة
نشرت المصري اليوم اعتذاراً بعد تلقي مالكها تهديدات(كيم بدوي/Getty)
+ الخط -
في ما يبدو أنّه عقاب على فضحها انتهاكات الانتخابات الرئاسية المنقضية، وتوثيقها وقائع "الرشى الانتخابية"، والتزوير في أعداد المشاركين، صعّدت السلطات المصرية من حملتها على وسائل الإعلام المحلية، والصحافيين العاملين بها، بالتزامن مع إعلان فوز الرئيس عبدالفتاح السيسي بولايته الثانية، وسط صمت تام من مجلس نقابة الصحافيين يصل إلى حد التواطؤ. 

وألقت أجهزة الأمن القبض على رئيس تحرير موقع "مصر العربية" الإخباري، الصحافي عادل صبري، الثلاثاء الماضي، في إطار حملة استهداف وسائل الإعلام الخاصة، وقامت باحتجازه في قسم شرطة الدقي في محافظة الجيزة مع الجنائيين، لثلاثة أيام، إيذاناً لإخضاعه لاستجواب بواسطة النيابة العامة، بدعوى إدارته للموقع من دون استكمال التصاريح القانونية المطلوبة.

وقررت 
نيابة الدقي الجزئية في مصر، مساء أمس الخميس، حبس صبري خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق، بعد توجيه اتهامات إليه بـ"نشر أخبار كاذبة، وتكدير السلم العام، وتهديد السلام الاجتماعي".

ويواجه صبري اتهامات بإدارة إصدار إلكتروني، في صورة صحيفة تصدر بشكل دوري، تحت مسمى "مصر العربية"، من دون الحصول على ترخيص، بالمخالفة للأحكام المقررة لإصدار الصحف، فيما أغلقت قوات الشرطة مكتب الموقع الإلكتروني الكائن في منطقة الدقي، ويعمل فيه العشرات من الصحافيين المصريين، مع وضع أفراد أمن على بواباته لمنع أي أحد من الدخول.

ويعد "مصر العربية" ضمن قائمة تشمل أكثر من خمسمائة موقع إلكتروني، أقدمت السلطات المصرية على حجبها، في الأشهر الأخيرة، بحجة معارضة النظام، من دون سند قانوني، في حين تدّعي وزارة الاتصالات أنها ليست الجهة المسؤولة عن الحجب، ما دفع عددا من المواقع الأخرى إلى إقامة دعوى قضائية أمام مجلس الدولة ضد الإجراء السلبي للحجب.

وأقر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، برئاسة الصحافي الموالي للنظام، مكرم محمد أحمد، غرامة مالية على "مصر العربية"، بقيمة 50 ألف جنيه (نحو 2850 دولاراً أميركياً)، بسبب تقرير ترجمه عن صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وتناول ظاهرة شراء الأصوات من قبل أنصار السيسي مقابل نحو 3 دولارات للناخب الواحد.

وحسب صحافيين يعملون في الموقع، فإنّ قوات الأمن المقتحمة للمقر زعمت أنها تابعة لشرطة المصنفات، وأن قراراً صدر من حي الدقي بغلقه، لعمله من دون تصريح، غير أنها بقيت لساعات داخل الموقع في انتظار التعليمات الآتية من جهات أعلى، بعدما فشلت في تحرير محضر بأية مخالفة، ولو إدارية، بعد تفتيش المقر، والاطلاع على محتوى أجهزة الحاسب الآلي.


واستنكر مدير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، كينيث روث، مداهمة القوات الأمنية للموقع بحجة "عدم وجود ترخيص من الحي"، قائلاً، عبر حسابه الشخصي على موقع "تويتر": "مصر تداهم مقر موقع إخباري، لإعادة نشر تقرير لنيويورك تايمز حول مخالفات انتخابات الرئاسة.. في عالم السيسي، ينبغي أن تتحول الأخبار السيئة إلى العدم".

بدورها، دانت المتحدثة باسم "نيويورك تايمز"، دانييل رودز، إلقاء القبض على صبري، قائلة: "متمسكون بدقة تقريرنا، وندين بقوة أي عمليات قبض تستهدف ترويع الصحافيين، وخنق حرية الصحافة". بينما كتب مراسل نيويورك تايمز في القاهرة، ديكلان وولش، عبر حسابه في موقع "تويتر": "قمع الإعلام في مصر مستمر".

وادعت وزارة الداخلية، في إفادة لها، بأن "صبري يدير الموقع بالمخالفة للقانون الخاص بتنظيم الاتصالات، ورفع المحتوى على شبكة المعلومات الدولية من خلال إحدى الشركات، من دون ترخيص، علاوة على مخالفته القانون الخاص بتراخيص المحال العامة والمنشآت التجارية، لإدارة المنشأة محل الفحص من دون الحصول على الترخيص اللازم".
ودان "المرصد العربي لحرية الإعلام" واقعة الاقتحام، على خلفية تغطية الموقع المستقلة للانتخابات، وكشفه بعض العوار الذي يطعن على مصداقيتها، ونزاهة مناخها، معرباً عن قلقه العميق إزاء تصعيد السلطات هجمتها الشرسة ضد الصحافيين، واستمرار ملاحقة الأصوات المستقلة في مصر، في أعقاب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية.

كذلك، دان المرصد استمرار نيابة أمن الدولة المصرية في تجديد حبس الصحافيين بسبب عملهم المهني، واستمرار حبس الصحافيين أحمد أبو زيد، وأحمد عبد العزيز، وحسام السويفي، خمسة عشر يوماً على ذمة القضية 977 لسنة 2017، والصحافيين المعتز شمس الدين ودنان، ومصطفى الأعصر، وحسن البنا، خمسة عشر يوماً على ذمة القضية رقم 441 لسنة 2018.

وطالبت "لجنة حماية الصحافيين"، ومقرها في الولايات المتحدة، السلطات المصرية بإطلاق سراح صبري، مدينة ما وصفته بـ "الإجراءات الانتقامية" التي تتخذها القاهرة في أعقاب انتخابات الرئاسة، وتنافس العديد من الأجهزة الموالية للسيسي حول من يستطيع فرض رقابة أكثر صرامة، في أعقاب إعادة انتخابه لأربع سنوات قادمة.

من جهتها، قالت "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان"، إنه يتوجّب على السلطات المصرية التوقف عن ممارساتها المعادية لحرية الصحافة، مطالبة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالاضطلاع بدوره المنوط به في التصدي للاعتداءات المتتالية التي يتعرض لها الصحافيون، واحتجازهم لفترات طويلة داخل السجون بمزاعم واهية.



كان المجلس الأعلى للإعلام قد فرض غرامة قدرها 150 ألف جنيه على صحيفة "المصري اليوم" اليومية، لنشرها تقريراً في صدر صفحتها الأولى، من عددها الصادر في 29 مارس/آذار الماضي، عن حشد أجهزة الدولة للناخبين في آخر أيام الانتخابات، تحت عنوان "الهيئة الوطنية للانتخابات تلوّح بالغرامة.. ومسؤولون يعِدون بمكافآت مالية.. وهدايا أمام اللجان".

غير أن الصحيفة نشرت اعتذاراً لاحقاً، عقب تلقي مالكها، رجل الأعمال صلاح دياب، تهديدات من "جهات سيادية" بالتضييق على أنشطته التجارية، بعد أن تقدمت هيئة الانتخابات، التي يتهمها مراقبون بتزوير الرئاسيات، بمذكرة إلى مجلس تنظيم الإعلام، تزعم نشر الأخيرة "تقارير إخبارية غير صحيحة، بهدف الإساءة إلى الانتخابات الرئاسية، والهيئة المشرفة على إدارتها، والتشكيك في نزاهة العملية الانتخابية".

كما أحال النائب العام، المستشار نبيل صادق، بلاغَ المحامي المدفوع من النظام، سمير صبري، ضد "المصري اليوم"، للتحقيق العاجل أمام نيابة أمن الدولة العليا، والذي قال فيه عن تقريرها إنه "مسموم ومغرض، وأهان المصريين جميعاً، بعدما وجّه عبارات قذرة أساءت لكل مصري شارك وأدلى بصوته، واتهامات حقيرة لكل أجهزة الدولة ومؤسساتها"، بحسب نصه.


لم تسلم "المصري اليوم" بعد من تداعيات أزمة تغطيتها لـ"مسرحية الرئاسيات"، إذ تعرّض موقعها الإلكتروني للحجب على مدار اليومين الماضيين، وسبقه في الحجب أيضاً موقع "المنصة" الإلكتروني، في حين حذفت وكالة "رويترز" الأميركية، تقريراً نشرته عن بعض الانتهاكات التي رصدها مراسلوها أثناء تغطيتهم للانتخابات الرئاسية، بعد تهديدات بإغلاق مكتبها في القاهرة. 

وفي فبراير/شباط الماضي، أجبرت السلطات المصرية مراسلة صحيفة "ذا تايمز" البريطانية، بيل ترو، على مغادرة الأراضي المصرية بغير إرادتها، بعد خمس سنوات من تغطيتها الشؤون المصرية للصحيفة، بعد تهديدها بمحاكمتها عسكرياً، بعد إلقاء القبض عليها أثناء مهمة عمل لها في حي "شبرا" شمال العاصمة القاهرة. 

واعتقلت السلطات المصرية ترو عقب مقابلة أجرتها مع قريب مهاجر توفي على متن قارب باتجاه أوروبا، واستجوبتها لسبع ساعات كاملة في أحد أقسام الشرطة، قبل أن تجبرها على مغادرة البلاد قسراً، في أول رحلة متجهة إلى بلادها بالملابس التي ترتديها، دون تمكينها من العودة إلى منزلها لأخذ أغراضها.

ووثقت "لجنة حماية الصحافيين" اعتقال السلطات المصرية لـ 20 صحافياً مصرياً منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، بينما صنفت منظمة "مراسلون بلا حدود" مصر على أنها "أحد أكبر السجون في العالم للصحافيين"، بعدما احتلت المرتبة 161 من بين 180 دولة، في تقريرها الصادر العام الماضي، عن مؤشر حرية الصحافة.


وفي سياق متصل، يتأهب مجلس النواب المصري لإصدار تشريع جديد عن تنظيم الصحافة والإعلام نهاية أبريل/ نيسان الجاري، والذي تجرى مناقشاته على نحو سري داخل لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان على مدار الأسابيع الأخيرة، وهو القانون المعد من حكومة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بغرض التوسع في فرض القيود على العاملين في وسائل الإعلام.

وأقر القانون بجواز الحبس الاحتياطي للصحافي أو الإعلامي، في حالات التحريض على العنف، أو التمييز بين المواطنين، أو الطعن في أعراض الأفراد، أو في الجرائم المتعلقة بالمساس بالأمن القومي، على الرغم من نص المادة (71) من الدستور المصري على "عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية".
وكانت اللجنة النيابية قد انتهت من مراجعة مشروع قانون مقدم من أكثر من 60 نائباً، بشأن تنظيم الإعلام الإلكتروني، وتوافقت على أخذ 5 مواد منه، ودمجها بقانون الحكومة، والمتعلقة بمسؤولية مدير الموقع الإلكتروني أو الوسيلة الإعلامية عما يتضمنه المحتوى الصحافي من مخالفات لأحكام القانون، وتوقيع المحكمة المختصة غرامة مالية، وقراراً بحجب الموقع نهائياً، في حالة عدم الحصول على التراخيص.

وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول عام 2016، صدّق السيسي على قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، بعد إقراره من البرلمان، وقد وضع قيوداً مشددة على منح تراخيص الصحف الخاصة، والمواقع الإلكترونية، بالمخالفة للمادة (70) من الدستور، التي نصت على إصدار الصحف بمجرد الإخطار، وحق ملكيتها، وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووسائط الإعلام الرقمي.

المساهمون