السيسي يجهض محاولات تحسين صورته: لا تحلموا بالانفتاح

15 أكتوبر 2019
الصورة
ردود السيسي عكست تقوقعه على ذاته (سبنسر بلات/Getty)
+ الخط -
على النقيض من مساعي دائرته لإشعار النخب السياسية والإعلامية وعموم المواطنين بتغير نحو الأفضل وبانفتاح سياسي محدود وسماح بانتقاد الحكومة ونشر بعض المواد المعارضة لتوجهات السلطة بعد الحراك الشعبي الأخير في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، أهدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فرصة أخرى للبرهنة على حسن النوايا تجاه المجال العام، وأغلق باباً كان يرجو بعض المقربين منه فتحه للتعاطي بشكل إيجابي مع المطالب والمخاوف النخبوية والشعبية. وأتى ذلك عبر حديثه المنغلق على ذاته والرافض للنصائح والمناشدات وحتى الملاحظات البسيطة، خلال إجاباته على استفسارات بعض الحاضرين في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة التي عقدها الجيش أول من أمس الأحد في القاهرة بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

كان لافتاً أن يغلق السيسي الباب، بقسوة ملحوظة يشوبها الاضطراب، في وجه بعض المناشدات التي صدرت عن شخصيات لا يمكن وصفها إلا بأنها موالية للسلطة قلباً وقالباً، كالنائب والإعلامي مصطفى بكري، الذي طالبه بأسلوب مصطنع مبالغ في التهذّب والحيطة، بأن يعيد عقد جلسات حوارية مع الإعلاميين ليستمع إلى آرائهم في الأوضاع الحالية، مشيراً إلى أنّ "الإعلام هو عرض الرأي والرأي الآخر"، وزاعماً أنّ "السيسي يؤمن بحرية التعبير"، وذلك كله في رجاء لينهي الأخير فترة القطيعة المباشرة بينه وبين الإعلام والإعلاميين.

وبعدما كان السيسي معروفاً منذ توليه وزارة الدفاع في 2012 بتعدد اجتماعاته مع الإعلاميين، والتي زادت وتيرتها خلال فترة ترشحه للرئاسة مطلع 2014، ثمّ عقده جلسات متتالية مع رؤساء مجلس إدارة وتحرير الصحف ودعوتهم لحضور اجتماعات رفيعة المستوى مع رموز الحكم في أول عامين من حكمه، قاطع الرئيس المصري بشكل شبه كامل الإعلام، لا سيما عقب أزمة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير في إبريل/نيسان 2016، ثم توليه الرئاسة لفترة ثانية، عاكساً بذلك رؤيته لتوليه المنصب، باعتباره "مستجيباً لرغبة الشعب" لا "ساعياً لنيل ثقته من جديد". وجاء رد السيسي على مناشدة بكري مهيناً للإعلاميين، فتحدث عن "ضرورة أن يجلس مع أشخاص لديهم رؤية ومعرفة كاملة وإدراك بتفاصيل المشاكل التي يتحدثون بشأنها، لأنه لن يضيع وقته مع أشخاص لا يقدمون رؤية أو فكرة سليمة".

الرد لم يعبّر فقط عن الاستهانة بأهمية الاطلاع على الرأي الآخر، وعن مصادرته المسبقة للأفكار، بل أيضاً عكس تقوقع السيسي على ذاته وقلّة الأشخاص الذين يثق بهم ويمنحهم مساحة للتعبير عن رؤاهم، وهو ما يتضح بالضرورة في محدودية دائرته الشخصية واعتماده على عدد ضئيل من العقول التي تنتج بالتبعية كماً ضئيلاً من الأفكار والمقترحات، معظمها يكون في اتجاه واحد؛ قمعي وسلطوي.

وتكرر المشهد عندما ردّ السيسي بقسوة على نائب رئيس جامعة سيناء، صلاح سالم، الذي طالبه بالإعلان عن موعد لانتهاء الحملة العسكرية في سيناء، وإعادة مواطنيها المهجرين إلى منازلهم، وصرف التعويضات العادلة لهم، واعتبار ضحايا المدنيين شهداء يستحقون ما يتم صرفه من معاشات لأفراد وضباط الجيش. وعبر السيسي عن غضبه الشديد لاستخدام كلمة "التهجير"، مصمماً على أنّ النظام يبذل أكثر مما في وسعه من أجل أهل سيناء. وزعم أنه يتم تسكين من تخلى منازلهم في قرى جديدة "ذات مستوى أعلى"، ثمّ رفض بخشونة أيضاً فتح مجال للحوار مع الأكاديمي صاحب السؤال، مشدداً على أنّ الإرهاب الذي تواجهه الدولة في سيناء هو نفسه المسؤول عن تحريض الشعب على التظاهر ضدّ النظام.

وفضلاً عن إجاباته المنغلقة والمعبرة تماماً عن خواء وهزلية "الإجراءات الاستعراضية" التي تتخذ في البرلمان والإعلام لادعاء أنّ هناك حالة من الانفتاح السياسي، فإنّ السيسي مضى في إظهار عداوته لثورة 25 يناير 2011 وكراهيته لها وتحميلها مسؤولية ما لحق بمصر من خسائر استراتيجية، خصوصاً في ملف سد النهضة الإثيوبي، الذي أداره هو بشخصه لمدة 6 سنوات، وكان قد أعلن الشروع فيه قبل الثورة بأكثر من عام.

ويعبّر هذا الازدراء لثورة عظيمة في وجدان الشعب المصري وضميره، والتي يعتبرها الدستور حجر أساس لإنشاء دولة حديثة، إلى حدّ وصفها من قبل السيسي بأنها "كشفت ظهر مصر وعرّت كتفها"، عن أزمة الشرعية السياسية التي يفتقدها الأخير حالياً، والتي كانت الثورة منطلقاً لها بالنسبة للرئيس المعزول الراحل محمد مرسي. في المقابل، لا يكف السيسي عن ذكر "تظاهرات التفويض في 26 يوليو/تموز 2013" كأساس لشرعيته، ونهاية لشرعية يناير، وهي الشرعية المستندة إلى الحشد لا السياسة، والتي لوّح عقب عودته من نيويورك في 27 سبتمبر الماضي بإمكانية طلبها من جديد من المصريين بقوله: "إذا أردت تظاهرات تفويض جديدة فسوف ينزل الملايين مش أقل من كده".

وتؤكد هذه العبارات من السيسي أن الانفتاح السياسي الذي يبشر به البعض حالياً، في عداد المستحيل، لأنّ شرعية الحشد التي يستند إليها ويعتقد في قرارة نفسه أنها ألغت شرعية ثورة يناير، تلقي بظلالها على المشهد السياسي منذ صعوده للسلطة، بإقصاء جميع الفصائل المعارضة، خصوصاً الإسلامية، واعتقال رموز التيارات والأحزاب الجادة والعمل على تجفيف منابعها والتضييق على المجتمع المدني والإعلام.

في السياق، قالت مصادر حكومية، تابعت خطاب السيسي وما استجد من أحداث على المشهد المصري في الأيام الأخيرة كاستئناف حملة الاعتقالات، على الرغم من استمرار إخلاء سبيل معظم المعتقلين في قضية انتفاضة 20 سبتمبر الماضي، لـ"العربي الجديد" إنّ "السيسي يبدو مصمماً على رفض اتخاذ أي خطوة حقيقية للمبادرة تبدو وكأنها تراجع أو مغازلة للمعارضة، أو استجابة لضغوط خارجية". وأضافت أنه "يبدو في هذا الموقف أكثر ميلاً للتشدد الذي يوصي به نجله ضابط المخابرات محمود السيسي، مقابل حالة التنفيس المحدودة" التي كانت قد أوصت بها مستشارته للأمن القومي فايزة أبو النجا، واتبعتها دائرته مع البرلمان والإعلام أخيراً.

وذكرت المصادر أنّ "بعض الإعلاميين والوزراء الذين حضروا الندوة التثقيفية كانوا يتكهنون قبل إلقاء الخطاب بأنّ السيسي سوف يلقي بمجموعة من المفاجآت التي قد تحرك المياه الراكدة، بناء على معلومات من مصادر أمنية واستخباراتية، تحدثت قبل الندوة عن احتمالية حديث السيسي عن المعتقلين وقرارات العفو التي يُروَّج لها حالياً على نطاق واسع، وكذلك انتخابات البرلمان والمحليات المقبلة. لكنه آثر الحديث فقط في موضوعاته المفضلة وبلهجة قاسية وصادمة، مما أثار استغراب بعض الحاضرين، الذين علق بعضهم على توتره أيضاً".

وكانت مصادر حكومية وبرلمانية قد كشفت الأسبوع الماضي لـ"العربي الجديد"، أن السيسي الابن يعارض خطاب انتقاد الحكومة والسماح بنشر بعض المواد في الصحف مما كان يتم تعطيله سابقاً والحديث عن المعتقلين، بناء على تعليمات واضحة من مدير المخابرات عباس كامل وفريقه المسؤول عن الرقابة على الصحف بشكل أساسي، وتسيير الأغلبية البرلمانية والنواب المشاهير الذين يستخدمون للتأثير على الرأي العام كمصطفى بكري ومرتضى منصور.

وذكرت المصادر أنّ محمود السيسي عقد اجتماعاً خلال الشهر الماضي مع عدد من المسؤولين الإعلاميين، وطالبهم ببذل مزيد من الجهد في الترويج لسلامة وكفاءة النظام "من دون إظهار أي إشارة إلى التراجع". وعلى النقيض، أصدر عباس كامل تعليماته لمساعديه المتحكمين في تسيير البرلمان والإعلام بضرورة أخذ زمام المبادرة في توجيه سهام النقد (المدار) إلى النظام ممثلاً في الحكومة، متبعاً بذلك، وللمرة الأولى، الاستراتيجية القديمة التي كان يتبعها نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك مع الأزمات الشعبية المتوالية، خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة من عهده، بحيث يبدو رئيس الجمهورية وكأنه الملاذ الأخير للمواطنين، وأنه يعمل على تخفيف وطأة قرارات الحكومة.