السودان والشراكة الخليجية

السودان والشراكة الخليجية

24 ابريل 2017
+ الخط -
تنفّست حكومة الرئيس السوداني، عمر البشير، الصعداء، بعد أن عانت من احتقانٍ سياسي واقتصادي شديد، لا تزال آثاره موجودة، على الرغم من صدور قرار تنفيذي بتخفيف العقوبات الأميركية المفروضة على السودان.
حتى وقتٍ قريب، كانت الخرطوم تشهد دعواتٍ متصلة إلى العصيان المدني، احتجاجاً على زيادة أسعار الوقود والدواء، وقبله انتظم أطباء في إضرابٍ عن العمل، لجهة تحسين أوضاعهم الاقتصادية، لكنَّ قرار الرئيس الأميركي، باراك أوباما، مطلع العام 2017، الذي قضى بتخفيف العقوبات، أعاد الروح إلى النظام الحاكم، بعد أن كان يترنّح جرّاء الأوضاع السياسية والاقتصادية بالغة السوء، حيث وصلت إلى مرحلةٍ دعت معها أحزاب المعارضة الرئيسية الرئيس عمر البشير إلى التنحي وتسليم السلطة.
ما عزَّز موقف حكومة البشير الانفتاح الذي شهدته علاقات الخرطوم مع دول الخليج، إذ شهدت الفترة الماضية زيادة في الاستثمارات الخليجية في السودان، فضلاً عن مناورات عسكرية مع السعودية، بالإضافة إلى جولات الرئيس عمر البشير إلى دول مجلس التعاون الخليجي أخيراً، وقد وجد فيها حفاوةً واضحة واستقبالاً على مستوى عالٍ، عكس ما حدث له في زياراتٍ سابقة.
ربط مراقبون بين خطوات الانفتاح نحو دول الخليج ومشاركة السودان بفعالية في التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن منذ مارس/ آذار 2015 ضد الحوثيين وقوات علي عبد الله صالح، كما أنّ خطوة تخفيف العقوبات الأميركية على السودان، والوعود برفعها نهائياً تُنسب إلى وساطةٍ قادتها دول الخليج السعودية والإمارات، خصوصاً بحسب وزارة الخارجية السودانية.
وجد تحسين العلاقات مع دول الخليج ارتياحاً لدى غالبية السودانيين الذين لم تكن تعجبهم سياسات النظام الحاكم المتمثلة في التقرّب من إيران، ومعاداة دول ترتبط مع السودان بعلاقاتٍ تاريخية واحترامٍ متبادل على المستويين الشعبي والرسمي، إذ أسهمت الكفاءات السودانية المهاجِرة في نهضة دول الخليج العربي وتطورها، وكانت المنتجات الغذائية السودانية تصدر إلى الخليج بأسعار تفضيلية وامتيازات خاصة، وبالقدر نفسه لم تبخل الدول الخليجية على السودان، فكانت الخرطوم ملاذاً آمناً للاستثمارات ورؤوس الأموال الخليجية، إلى جانب تقديم تلك الدول مساعدات اقتصادية ودعم سياسي للحكومات المتعاقبة منذ استقلال السودان عن بريطانيا عام 1956.
عقب جولة الرئيس السوداني التي شملت، أخيرا، الكويت والبحرين، راجت أنباء عن مشاوراتٍ لضم السودان إلى مجلس التعاون الخليجي، وهي فكرة جيدة من حيث المبدأ، لكنها تتعارض مع الواقع، حيث إنّ المنظومة الخليجية يحكمها الموقع الجغرافي أولاً، فكل دول مجلس التعاون مطلّة على الخليج العربي، ذلك بخلاف الفروق الهائلة بين السودان وتلك الدول فيما يتعلّق بالهوية والثقافة والحالة الاقتصادية المزدهرة في الخليج، وهذه الأخيرة يقابلها بؤس وتدهور في السودان.
تعبير "الشراكة الاستراتيجية" ربما يكون التوصيف الأمثل للعلاقات المتطورة بين الخرطوم ودول الخليج، إذ ذكر وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، أن التوقيع على تلك الشراكة سيتم خلال أول اجتماع وزاري قادم، وأوضح أن مذكرة التفاهم تؤسس للتعاون مع دول المجلس في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والزراعية والثقافية، كما حدث مع الأردن والمغرب.
المشكلة الأكبر التي قد تكون حجر عثرة في شراكة السودان المتوقعة مع دول الخليج، هي الفساد وسوء الإدارة، تلك الأزمة المستفحلة التي أقعدت البلاد، ودمَّرت بنيتها التحتية، حيث شهد عهد البشير الذي يمتد إلى 28 عاماً، تدمير مشروع الجزيرة الذي كان أكبر مشروع ري تحت إدارة واحدة في العالم، ودُمِّرت كذلك شركة الخطوط الجوية السودانية (سودانير) وسكك حديد السودان، كما أُهدرت مليارات الدولارات في مشروعات وهمية، مثل سد مروي الذي اتضح أنه لم يكن سوى أكذوبة كبيرة بدليل لجوء الحكومة إلى استيراد الكهرباء حالياً من إثيوبيا وانتظار سد النهضة للحصول على حصة أكبر من الكهرباء!
تحتاج الحكومة السودانية إلى مواكبة الشراكة الخليجية بإصلاحات كبيرة، تبدأ من التشكيل الوزاري المنتظر، فيجب على الرئيس عمر البشير ورئيس وزرائه، بكري حسن صالح، تقليل حجم الجهاز التنفيذي المترهل وحصر المناصب على الكفاءات والتكنوقراط فقط من دون مجاملة ولا محاباة لأي أحد، مهما كان وزنه السياسي، وينبغي على الرئاسة أيضاً، محاسبة المفسدين والمقصرين، مع توحيد قوانين الاستثمار وتبسيط الإجراءات للمستثمرين وعدم إغفال حقوق ملاك الأراضي الزراعية وأصحاب الحيازات. بجانب ذلك، على حكومات الولايات الاجتهاد في تهيئة البيئة المحلية، لتكون جاذبة للمستثمرين والسياح، وأن لا يكون همها قاصراً على الإيرادات المالية السهلة من جبايات وضرائب وإتاوات.
71F29908-DD1C-4C71-A77C-041E103F4213
محمد مصطفى جامع (السودان)