الرعاية الصحية في الخليج [1/3]... خصخصة في السعودية

27 مارس 2017
الصورة
مخاوف من تطبيق خصخصة القطاع الصحي السعودي (Getty)
+ الخط -

فشل السعودي ماجد الحربي في تدبير مبلغ العشرين ألف ريال التي طلبها منه المشفى الخاص الأقرب لمدينته حائل (شمال السعودية) من أجل علاج طفلته التي لم تتجاوز عامها العاشر، وهي تعاني ضموراً في الأعصاب والعضلات. ولم يستطع الحربي انتظار دورها المحدد للعلاج بعد ستة أشهر في المشفى الحكومي الكبير، خوفاً على حياتها، ما دفعه إلى مناشدة أهل الخير عبر موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، طلباً للمساعدة في توفير تكاليف دخولها أي مشفى متخصص في أمراض الأعصاب، إذ لا يملك الحربي وعائلته تأمينا طبيا، يمكنه من الولوج إلى المشافي الخاصة، كونه من موظفي القطاع الحكومي.

وكانت دراسة، أجراها مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قد كشفت أن أغلبية المجتمع السعودي، خصوصاً الموظفين الحكوميين وعائلاتهم، لا يملكون تأمينًا صحياً. وأشارت الدراسة إلى معاناة شريحة كبيرة من المجتمع من تكاليف ‏العلاج، كذلك بيّنت أن نسبة (52.5%) من أفراد المجتمع أيّدت تطبيق التأمين الصحي الإلزامي على المجتمع السعودي مقابل رسوم شهرية يدفعها ‏المواطن، في حين أكد (65.2 %) من أفراد العينة أن من فوائد التغطية التأمينية الصحية تخفيف الضغط ‏الحاصل على المستشفيات الحكومية.

قد يكون لمشكلة الحربي وغيره من السعوديين حل، كما يرى استشاري أمراض القلب الدكتور حسام الفالح، والذي يعد واحداً من المشرفين على تنفيذ برامج وخطط جديدة لوزارة الصحة تعمل على خصخصة القطاع الصحي الضخم في البلاد، عن طريق، منح المواطنين بطاقات تأمين، تسمح لهم بالعلاج في كل المشافي العاملة في البلاد، بما فيها المشافي الخاصة الكبيرة، وهو ما يعد خطوة نحو تحرير القطاع الصحي من البيروقراطية عبر السماح للمواطنين بتلقي العلاج في مشافٍ لا يستطيعون دخولها حالياً، إذ إن التأمين الطبي ما زال إلزامياً في القطاع الخاص فقط، وهو ما يعني أن 1.5 مليون سعودي يحصلون عليه من بين 20 مليوناً و64 ألفاً و970 سعودياً وسعودية وفقا لإحصاء عام 2016 الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء (حكومية)، في مقابل 11 مليون وافد، يشترط القانون حصولهم على التأمين الطبي، بحسب بيانات وزارة العمل.


خطة الخصخصة

تستغرق الخطة التي تسير عليها وزارة الصحة السعودية من أجل خصخصة القطاع الصحي أربع سنوات من أجل تطبيقها، وستكون البداية في المشافي الكبيرة، خاصة المركزية والتخصصية، والمدن الطبية، بحسب ما نقلته مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد". وتؤكد المصادر، والتي طلبت عدم الكشف عن هويتها لكونها غير مخولة بالحديث للإعلام، أنه لم يتم تحديد آلية الخصخصة، وهل ستكون بالبيع المباشر، أو عبر إنشاء شركة مساهمة تكون ملكيتها في الغالب للدولة، وبيع جزء من الأسهم، تماماً كما حدث مع شركة الاتصالات السعودية، والبريد السعودي. وتضيف "الأرجح أنه سيتم تشغيل هذه المشافي عن طريق شركات محلية وعالمية في مراحل التشغيل والتخصيص، فيما ستقوم الوزارة بالدور الإشرافي والرقابي، تماماً كما يقوم مشفى جون هوبكنز الأميركي بتشغيل مشفى أرامكو في الظهران".

ويطابق حديث المصادر مع ما قاله الطبيب المشارك في وضع خطط وزارة الصحة حسام الفالح، من أنه لا توجد صورة محددة لطريقة خصخصة المستشفيات حتى اللحظة، مضيفاً "على سبيل المثال تعتبر سابك شركة خاصة، ولكنها على الرغم من ذلك هي مُلك للدولة، وهناك شركات خاصة بالكامل مثل مستشفيات الحبيب ودلة وغيرها، فكرة التخصيص لا تعني بالضرورة تسليمها لمستثمرين، قد تكون تلك إحدى الأفكار، ولكن في الغالب، هذه المستشفيات سيكون لها مجالس إدارة وستتم إدارتها كما تُدار المستشفيات، ربما يكون هناك مستثمرون، ولكن في الغالب ستكون مملوكة للدولة، وهذا ما سيضمن التشغيل الحرفي للمشافي".

يتابع الفالح أن خصخصة الصحة لا تقوم على مجرد برنامج واحد، بل عدة برامج متزامنة مع بعضها البعض، الهدف منها في نهاية المطاف رفع مستوى جودة الخدمة الطبية المقدمة، وتقليص النفقات غير الضرورية والهدر المبالغ فيه، من خلال تحويل المشافي لشركات تديرها مجالس إدارات. ويشدد على أن هذه الخطوة ستكون بالتزامن مع تغيّر نظام التمويل الصحي، معتبراً أن من المهم أن يحدث هذا كله في وقت واحد. ويضيف "هناك عدة مسارات لتغيير حوكمة وزارة الصحة لتلعب دور المراقب، إضافة إلى تغيير نظام الرعاية الطبية، والذي أشارك في إعداده".

ويؤكد الفالح أن الهدف الأساسي من كل هذه التغييرات هو إدارة المشافي كما تدار الشركات، وأن تكون الأولوية لتقديم الرعاية بتكلفة واضحة، وألا تكون مثل الوضع الحالي الذي لا تتم فيه المحاسبة بشكل دقيق. ويضيف "عندما لا تكون هناك محاسبة، فإن تكلفة الرعاية الصحية ستخرج عن إطار السيطرة، وبالتالي يصعب توفيرها، وسيكون هناك قصور على المدى البعيد، لا بد من ضبط الحسابات والمصروفات، وأن تكون هناك قدرة على تحقيق ربح، بهامش بسيط لا يتجاوز 5 في المائة، لضمان استمرار تقديم الخدمة، والتوسع في ذلك، فالهدف في نهاية المطاف ليس تحقيق الربح بل رفع مستوى الجودة".


مخاوف من تطبيق الخصخصة

غير أن هذه الخطوة الطموحة لها مخاوفها أيضاً، والتي تتركز في من لا يستطيعون الحصول على بطاقة تأمين صحي، بسبب البطالة التي تطاول 12.1% من السعوديين، حسب بيانات صادرة في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 عن الهيئة العامة للإحصاء، وهو ما يؤكد عليه استشاري طب الطوارئ الدكتور ماجد الهليل، والذي يتخوف من ألا يجد بعض السعوديين العلاج. ويقول الهليل لـ"العربي الجديد" "تخصيص المشافي أمر جيد، ولكن ما مصير من لا يملك بطاقة تأمين؟ هل سيُحرم من العلاج؟ أعتقد أن الحل الأمثل هو بقاء المشافي المركزية بوضعها الحالي، وأن تكون مخصصة لغير القادرين على تحمل نفقات التأمين الصحي، أو من لا يملكون هذه البطاقة، كما أن التأمين بوضعه الحالي ذاته لا يغطي كل الأمراض والإصابات، وهو ما يجعل الرعاية الصحية قاصرة".

كذلك هناك مخاوف على وضع الأطباء أنفسهم، إذ لا يعلمون كيف سيكون حالهم بعد أن يتم تحويل مستشفياتهم إلى شركات. ويتساءل الهليل "هل سيبقون تحت مظلة وزارة الصحة وسلم رواتب الخدمة المدنية، أم يتم تحويلهم للقطاع الخاص؟". ويضيف "قد يستفيد كبار الأطباء من تلك الخطوة لأنهم سيتجاوزون نظام الخدمة المدنية الذي يحدد رواتبهم بشكل كبير، ما جعلهم الأقل أجراً في دول الخليج، ولكن سيتضرر من ذلك الأطباء الجدد، لأن المشفى سيقلص من رواتبهم لتوفير ما يمكن دفعه لكبار الاستشاريين، كما أن بقية العاملين سيحصلون على مزايا أقل، خاصة أنه من المتوقع أن تعمد المشافي لتوظيف الوافدين، لتحقيق المزيد من الأرباح".

في الإطار ذاته، يتخوف استشاري طب الطوارئ الدكتور محمد العنقري من أن يتم تجاهل الكثير من المرضى بسبب نظام التأمين، مطالباً بتغييره قبل أي خطوة جدية، قائلاً لـ"العربي الجديد": "نظام التأمين الطبي الحالي يعاني من قصور كبير، إذ لا يُعالج الكثير من الأمراض، معتمداً أن المستشفيات الحكومية تقوم بذلك، وفي حال خصخصة الجميع، فما هو مصير المرضى النفسيين، أو حتى مرضى نقص المناعة، وفيروسات الكبد، والحوادث المرورية، والزهايمر، ونقص النمو"، ويضيف: "هذه الأمراض لا تخضع للتأمين الطبي، ولهذا لا بد أن تتم إعادة هيكلة التأمين الطبي، قبل البدء في الخصخصة، لكي لا نحرم بعض المرضى من العلاج".


خلل صحي في المناطق النائية

كشفت وزارة الصحة السعودية، على لسان متحدثها الرسمي السابق الدكتور خال مرغلاني، عن تشغيل 15 مشفى، أضافت 3450 سريرًا في كافة المناطق، كما تنوي الوزارة افتتاح مجموعة من المشافي والأبراج الطبية تضيف 8160 سريراً، بالإضافة إلى حزمة من المراكز المتخصصة والمرافق الصحية، تشمل ثلاثة مراكز لجراحة وأمراض القلب، وثلاثة مراكز لعلاج الأورام، بالإضافة إلى تنفيذ المدينتين الطبيتين في المنطقتين الشمالية والجنوبية، وقريبًا ستتم ترسية المدينتين في مكة المكرمة والشرقية، وأكدت وزارة الصحة في تقرير نشرته على موقعها الرسمي، على أن أعداد الأسرّة في وزارة الصحة ستشهد ارتفاعا كبيرا خلال السنوات الخمس المقبلة، وسيقفز العدد من نحو 32 ألف سرير حالياً في 224 مشفى، إلى نحو 39 ألف سرير بعد عامين، عقب إضافة 7658 سريرا جديدا في 48 مشفى و2537 سريرا إضافيا في 24 مشفى. كما ستتم حتى عام 2020 إضافة كبيرة في عدد الأسرة ليصبح إجمالي العدد 73687 سريرا في 358 مشفى بعد استكمال هذه المشاريع وتشغيلها.

غير أنه على الرغم من تزايد أعداد المشافي، ما تزال الصحة في السعودية تعاني من خلل، إذ تتمركز المستشفيات الكبيرة والتخصصية في المدن الكبيرة، ما يصعّب على سكان المناطق الصغيرة والذين يمثلون ثلثي سكان البلاد، الحصول على العلاج، كما يقول استشاري طب الطوارئ الدكتور ماجد الحمود. ويتابع: "الوضع الصحي ما زال متأخرا، خاصة في المناطق غير الرئيسية، فمن غير المعقول أن يضطر المريض في كل موعد إلى السفر مسافة 3400 كلم ويتكلف مصاريف سفر وسكن لكي يحصل فقط على العلاج".

وأضاف "نظام التأمين الطبي في حال تم إقراره سيرفع من مستويات الخدمات الطبية، لأنه سيمكّن المرضى من الاتجاه للمشافي الخاصة، كما سيشجع المستثمرين على الدخول في هذا المجال"، موضحا أن "خصخصة الصحة وفرض التأمين الطبي هو الحل لعلاج خلل المنظومة الصحية، إذ لا يمكن أن تتحمل وزارة الصحة كل هذه المسؤوليات، لأنها ستعجز عن مراقبة أكثر من ثلاثة آلاف منشأة، بعضها بالغ الضخامة لدرجة باتت معها مدينة متكاملة".