الذكرى الخامسة لسقوط الموصل: عجز قضائي عن محاكمة المتورطين

الموصل
زيد سالم
بغداد
علي الحسيني
10 يونيو 2019
يحيي سكان مدينة الموصل العراقية، اليوم الإثنين، الذكرى الخامسة لسقوط مدينتهم عام 2014 على يد بضع مئات من مسلحي تنظيم "داعش"، قدموا من الأراضي السورية خلال فورة الاحتجاجات العشائرية ضدّ سياسة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي المطالبة بإقالته. الحدث الذي تهاوت على إثره المدينة وباقي مدن شمال وغرب العراق لتصبح بيد التنظيم خلال ساعات معدودة، مع ما رافقه من ارتكاب مجازر مروعة وتهجير ملايين العراقيين وتشييد عشرات المقابر وبروز عشرات المليشيات، يعتبره أهل الموصل "نكبة" كان من الممكن تلافيها، لولا انسحاب الجيش العراقي من المدينة وتركه أسلحته وآلياته لـ"داعش".

ومن المقرّر أن تشهد ساحات الموصل اليوم وقفات استذكارية لما اصطلح عليه بـ"اليوم الأسود"، وسط مطالبات واسعة للحكومة العراقية بالكشف عن سبب تجميد ملف التحقيق في سقوط المدينة، وعدم استدعاء المالكي للمحاكمة مع مساعديه، على الرغم من إدانتهم في التحقيق الرسمي الذي تبناه البرلمان العراقي عام 2015 وصادق عليه وأرسله للقضاء بمذكرة رسمية.

ويتزامن موعد الذكرى الخامسة مع بدء فريق تطوعي عمليات انتشال جثث أو ما تبقى من جثث المدنيين الموجودين في شوارع الأغوات وباب حلب والأفندي، حيث الدمار هناك ما زال شاخصاً للعيان منذ عامين، ويعتقد أنّ عوائل كاملة ما زالت جثثها تحت أسقف منازلها في تلك المناطق.

من جهته، كشف مسؤول في الحكومة العراقية، لـ"العربي الجديد"، أنّ الأخيرة سمحت بإقامة فعاليات داخل الموصل وخارجها لعرض بشاعة تنظيم "داعش" وزيف شعاراته، وما خلّفه من مآسٍ، لكنّها حذّرت من تحويل المناسبة إلى فرصة للاستغلال السياسي، في ظلّ الوضع غير المستقر داخل المدينة، خصوصاً بما يتعلّق بملف المتورطين بما آلت إليه الأمور، أو التعرّض لملفات حالية من قبيل انتخاب المحافظ الجديد منصور المرعيد، أو التطرق لمسألة فصائل "الحشد الشعبي" الموجودة داخل المدينة.

وأكّد المسؤول أنّ "كلفة سقوط الموصل كانت باهظة جداً، حيث تكبّد العراقيون بعدها فاتورة كبيرة، تمثّلت بمقتل وإصابة أكثر من 300 ألف عراقي، بينهم ما لا يقل عن 200 ألف مدني، وفقدان نحو 30 ألف آخرين، عدا عن تهجير قرابة 6 ملايين مواطن، وتدمير أكثر من 48 مدينة، إلى جانب خسائر تقارب المائة مليار دولار وتغييرات سلبية في الخارطة الاجتماعية والأمنية والسياسية والاقتصادية في عموم العراق".

في غضون ذلك، تزداد حالة الاستياء بين أهالي محافظة نينوى التي يكاد لا ينجو بيت واحد فيها من فقدان أحد أفراد عائلته جراء اجتياح "داعش"، وذلك بسبب عدم محاسبة المتورطين في الملف، على الرغم من مرور خمسة أعوام على هذا الحدث الذي وقع في 10 يونيو/حزيران 2014. حتى أنّ الجهات السياسية التي لطالما دفعت من أجل فتح الملف ومحاسبة "المتخاذلين والخونة"، كما ورد من عبارات في ملف سقوط الموصل، لم تُنفّذ شيئاً من وعودها. ومن ضمن هؤلاء تحالف "سائرون"، الذي توعّد المالكي بالقصاص في حال فوزه بالانتخابات الأخيرة. وعلى الرغم من فوز التحالف لكن حتى الآن لم يصدر أي تحرك من قبله حيال الملف، على الرغم من أنّ تقرير اللجنة التحقيقية البرلمانية الرسمي، حمّل المالكي و35 مسؤولاً كبيراً، مسؤولية تسليم الموصل للتنظيم من دون قتال.

في غضون ذلك، قال أثيل النجيفي، محافظ نينوى الأسبق، وأبرز من ورد اسمهم ضمن قائمة المتورطين في سقوط المدينة، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الحديث عن سقوط الموصل، لا يمكن أن يبدأ من دون شرح ما جرى بعد سقوط المدينة، وخلال عملية تحريرها من سيطرة تنظيم داعش، لأنّ تفسير ما حدث بعد إعلان (زعيم التنظيم) أبو بكر البغدادي خلافته المزعومة، فيه الإجابة الكاملة على كيفية وأسباب سقوط الموصل". وأوضح النجيفي الذي يستقرّ حالياً في تركيا، أنّ "المشروع الإيراني في العراق هو السبب الرئيس بسقوط المدينة بيد المتطرفين والمجرمين من داعش، وهو مسلسل مستمر بمراحل مختلفة من أجل السيطرة على الموصل"، مضيفاً "طالما أنّ هذا المشروع لم يسيطر بشكلٍ كامل عليها، فملف التحقيق ومحاسبة المتورطين سيبقى مجمداً من دون حركة".

ولفت النجيفي إلى أنّ "ملف سقوط الموصل، الذي رُوّج له في البرلمان العراقي، عمدت أطراف كثيرة إلى خلط الأوراق فيه، كي لا يستمرّ بصورة صحيحة، ويبقى المشروع الإيراني وتغلغل حَمَلة هذا المشروع من السياسيين والعسكريين مستمراً". وأشار إلى أنّ "هؤلاء هم المعروفون حالياً برجال الدولة العميقة، التي تشكَّلت داخل العراق وسيطرت على العديد من الأجهزة الاستخباراتية ومفاصل الدولة، وهي التي سيَّرت الأمور خلال عملية تحرير الموصل، بعدم استخدام الأساليب التي تضمن سلامة المواطنين، بل استخدموا أساليب شرسة، ومع ذلك لم يتم القضاء على الإرهاب نهائياً، وتركت المدينة بيد الفاسدين الموالين لإيران". ورأى أنّ "هذه كلها جزء من خطة تهدف إلى سحق المجتمع في نينوى".

وبشأن اتهامه ووضعه في مقدمة المتورطين بسقوط المدينة، قال النجيفي إنّ "اتهامي وشخصيات أخرى من داخل الموصل، هو أمر أكثر من سخيف، ولا يمرّ إلا على السذج، إذ لا يمكن لمعركة عسكرية أن يتحمّل نتائجها موظف مدني، وفي الوقت نفسه لا يُتهم العسكري بنتائج هذه المعركة"، مؤكداً أنّ "الجهات التي تسيطر على الموصل الآن هي التي سلمت المدينة سابقاً على طبقٍ من ذهب إلى داعش".



في المقابل، قال طالب الدراجي، عضو حزب "الدعوة" بزعامة المالكي، الذي كان أكّد في مناسبات سابقة عدة، عدم وجود قيمة لتقرير اللجنة التحقيقية الذي خلص إلى إدانته بسقوط الموصل عام 2014، إنّ "دعوات محاكمة المالكي تقف وراءها جهات خارجية أبرزها التحالف الأميركي الصهيوني، ضمن مخطط لتفتيت محور المقاومة في العراق"، بحسب تعبيره.

وأوضح الدراجي في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "المطالبين باستدعاء المالكي ومحاكمته عليهم إن كانوا صادقين، أن يطالبوا باستدعاء (رئيس الوزراء السابق حيدر) العبادي في سقوط الرمادي عام 2015"، مضيفاً "اللجنة التحقيقية لعام 2015 كانت مسيسة ودانت المالكي لأسباب معروفة، أبرزها أنّ أعضاء اللجنة لديهم خلافات شخصية معه". وتابع الدراجي بالقول إنه لم يثبت أن رئيس الوزراء آنذاك "أعطى أمراً بانسحاب الجيش من وسط الموصل إلى داخل معسكر الغزالي، بغية الانسحاب وترك المدينة، كما هو مثبت في التقرير على لسان شهود وضباط بالجيش في الموصل".

وأكّد الدراجي أنّ "المالكي سيكون حاضراً بالمحكمة لو تمّ استدعاؤه، لكن إلى الآن حتى مذكرة استقدام لم تصدر بحقه، والتحقيق الموجود لدى القضاء هو خاص بالبرلمان، وغير ملزم، ويجب أن يكون هناك تحقيق آخر جديد، قد يستغرق سنوات عدة، إذا ما أريد له أن يكون مهنياً".

من جانبه، قال عضو مجلس محافظة نينوى (الحكومة المحلية) حسام العبّار، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "خمس سنوات مضت على سقوط المدينة بيد تنظيم داعش، وما تزال هناك أضرار كبيرة، وحجم الدمار الهائل شاهد عيان على المجازر التي ارتكبها التنظيم في الموصل بحق المدنيين والمعالم الحضارية والجوامع والجسور والمجمعات الصحية". وأضاف "لا يمكن إنكار عودة الحياة إلى المدينة، لكن هناك قلّة بالتخصيصات المالية لها من قبل الحكومة الاتحادية"، موضحاً أنّ "هناك آلاف المساكن المهدمة إلى جانب آلاف الضحايا والمفقودين، عدا عن النازحين الذين لم يرجعوا إلى ديارهم في مناطق متفرقة، مثل سنجار وقرى غرب الموصل وقضاء الحضر والمنطقة القديمة والميدان". وتابع أنّ هناك "جثثاً ما تزال على الطرقات في المدينة القديمة، وتظهر كلما رفعت جهود الدفاع المدني الأنقاض".

أمّا بما يتعلّق بمحاسبة المسؤولين عن سقوط الموصل، فقال العبّار إنّ "الجانب السياسي هو الذي يسيطر على هذا الملف، إذ تحوّل من قضائي إلى سياسي، لذلك أخذ بالاضمحلال وانتهى بشكل تدريجي، ولم تتم محاسبة كبار المتورطين، فيما المحاسبة استهدفت ضباطاً عسكريين".

قضائياً، قال مصدر من المجلس القضائي الأعلى في العراق، لـ"العربي الجديد"، إنّ "القضاء لا يمكنه التحرّك باتجاه اعتقال نوري المالكي، ولو أصدر أمراً بذلك لما نفّذه أحد"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أنّ "ساسة العراق حوّلوا الملف من أمني وأخلاقي وإنساني يجب أن يبتّ به القضاء، إلى سياسي يخضع لمساومات ومجاملات بين الكتل، وحتى الابتزاز فيما بينهم". واستبعد المصدر أن يرى أهالي الموصل "نوري المالكي تحديداً، أو أياً من المتورطين بسقوط مدينتهم وذبح أبنائهم في المحاكم".

ذات صلة

الصورة
هجوم على سجن في أفغانستان-نورالله شيرزادا

أخبار

أعلنت السلطات الأفغانية، اليوم الاثنين، انتهاء الهجوم على سجن مدينة جلال أباد، مركز إقليم ننجرهار شرقي أفغانستان، بعد أكثر من 20 ساعة من المواجهات بين قوات الأمن والمهاجمين. وقد تبنّى تنظيم "داعش" المسؤولية.
الصورة

أخبار

اشتبك مقاتلون من تنظيم "داعش" مع قوات الأمن الأفغانية في مدينة جلال أباد بشرق أفغانستان، صباح اليوم الاثنين، بعد شنّ هجوم ليل الأحد على سجن، ما أدى إلى هروب جماعي للمساجين. 
الصورة
دير الزور (دليل سليمان/فرانس برس)

سياسة

يحاول المكون العربي في دير الزور السورية وقف تهميشه من قبل جميع الأطراف، عبر تشكيله "الهيئة السياسية لمحافظة دير الزور"، وذلك في خضم حراك سياسي وتنافس بين عدة أطراف على المحافظة، الغنية بالثروات، والتي كانت مهمشة من قبل نظام الأسد.
الصورة
العراق/ كركوك/ الكاظمي (الأناضول)

سياسة

وصل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، صباح اليوم الأربعاء، إلى مدينة الموصل، شمالي العراق، على رأس وفد حكومي رفيع، وذلك بالتزامن مع الذكرى السادسة لسقوط المدينة بيد تنظيم "داعش".