الديكتاتورية وكأس العالم(4): 6000 قتيل ثمن تأهل السلفادور للمونديال

الديكتاتورية وكأس العالم(4): 6000 قتيل ثمن تأهل السلفادور للمونديال

06 يونيو 2014
الصورة
صورة من إحدى الصحف اللاتينية بعد المباراة (تويتر)
+ الخط -
في العقد الثاني من الألفية الماضية سيطرت فئة قليلة من الإقطاعيين على معظم أراضي السلفادور، ما أجبر عددا كبيرا من الفلاحين على الهجرة وعبور الحدود إلى البلد المجاور هندوراس، حيث توافرت هناك ظروف معيشة أفضل، فمساحتها ستة أضعاف مساحة بلادهم تقريبا.


لكن في عام 1969 قررت السلطات الهندوراسية فرض إجراءات للإصلاح الزراعي، وتمت مصادرة الكثير من الأراضي التي استقر بها مئات الآلاف من المهاجرين السلفادوريين طيلة نصف قرن، ما ألزمهم عبور الحدود مجددا، لكن هذه المرة للعودة لديارهم، وشهدت عملية الترحيل القسري مقتل عدد من السلفادوريين، ومن هنا بدأت حالة الحنق بين الجارتين، وانطلقت شرارة "حرب كرة القدم".


بلغ التوتر ذروته بين البلدين في صيف 1969 حين اصطدما في مواجهة مصيرية لتحديد المتأهل لبطولة كأس العالم 1970 في المكسيك، بالتحديد في نصف نهائي التصفيات الإقصائية بالكونكاكاف.

لم يتم سماع النشيد الوطني لأي من البلدين بفعل دوي صافرات الاستهجان في المباراتين.


في لقاء الذهاب بمدينة تيجوثيجالبا عاصمة هندوراس يوم 8 يونيو/حزيران نجح أصحاب الضيافة في الفوز بنتيجة 1-0 ، وفي الإياب في سان سلفادور يوم 15 يونيو انتقم أصحاب الأرض بالانتصار بنتيجة 3-0 ، ليتم الاحتكام إلى مباراة فاصلة على أرض محايدة من دون الاعتبار لفارق الإهداف.


انتقل التوتر خارج حدود المستطيل الأخضر، فلم تحتمل فتاة سلفادورية في الـ18 من عمرها تدعى أميليا بولانيوس عار الهزيمة الأولى فانتحرت بإطلاق رصاصة في جسدها، ومواجهات الجماهير بعد المباراة الثانية انتهت بمقتل مشجعين اثنين من هندوراس وإصابة العشرات، مع تهجير بعض المواطنين الهندوراسيين المقيمين في السلفادور.


لجأ مواطنو السلفادور إلى العنف في خضم فرحتهم المفرطة بالفوز، فقاموا بالاعتداء على حافلة لاعبي هندوراس، وظلت المطاردات مستمرة حتى عبرت الحافلة الحدود، مشحونين بالحملات الصحافية التي صاحبت المباراتين.


وكرد فعل على هذا الأمر، قرر سكان هندوراس شن حملة مضادة دعت إلى الاعتداء على كل مواطن سلفادوري يعيش في هذا البلد، وبدأ عداد الدماء في التصاعد.


حدد الفيفا مكان المباراة الفاصلة في المكسيك، وفيها نجحت السلفادور في الانتصار بنتيجة 3-2 يوم 27 يونيو، وبعد المباراة مباشرة قررت السلفادور قطع علاقاتها الدبلوماسية مع هندوراس.

احتاجت السلفادور للفوز في مواجهة أخرى مع هايتي لتحقق حلم التأهل لمونديال المكسيك.


لكن على صعيد التوتر السياسي قام ديكتاتور هندوراس أوسفالدو لوبيز أريانو بطرد 300 ألف مواطن سلفادوري من بلاده، ورد عليه نظيره السلفادوري فيديل سانشيز هرنانديز بإرسال قوات على الحدود، لتندلع شرارة حرب الـ"100 ساعة" كما أطلق عليها.


اندلعت حرب فعلية بين البلدين بدءا من يوم 14 يوليو/تموز، وتبادل الجانبان إطلاق النار، وحال الغموض دون معرفة البادئ بالاعتداء، فقد ألقى كل طرف اللوم على الآخر، لكن الحقيقة الثابتة أن المعارك تسببت في مصرع ما بين 4000 و6000 مدني خلال أربعة أيام فقط، وإصابة نحو 15 ألف آخرين.


لم تخمد الحرب إلا بتدخل منظمة الدول الأميركية وإعلان قرار وقف اطلاق النار يوم 18 يوليو، لتنطلق صافرة النهاية لتلك المباراة القبيحة.


ولكن بعد كل تلك الدماء والتضحيات، خسرت السلفادور في المونديال كل مبارياتها، أولاً أمام بلجيكا 0-3 ، ثم أمام المكسيك 0-4 ، والاتحاد السوفييتي 0-2 لتودع البطولة بخفي حنين.


رغم الهدنة استمرت القطيعة لمدة عقد كامل بين البلدين حتى تم توقيع اتفاقية سلام في ليما عاصمة بيرو عام 1980 ، واستئنفت العلاقات الثنائية مجددا، حيث أقيمت مباراة ودية بينهما لكن في أجواء تصالحية، وحلت المشكلة الحدودية في محكمة العدل بلاهاي عام 1992.


بالطبع لم تكن نتائج المباريات الثلاث السبب في إزهاق تلك الأرواح من الجانبين، فأسباب الخلاف قديمة ومتأصلة، لكن من دون شك كان للمنافسة على بطاقة المونديال ذنب في تأجيج النيران بين الجارتين.

المساهمون