الدراما المصرية: الإنتقام والدم

17 مايو 2018
الصورة
عمرو يوسف في مسلسل "طايع" (المكتب الاعلامي للانتاج)
منذ سنوات طويلة، ارتبط شهر رمضان بكونه موسم الدراما التلفزيونية في مصر. وهو أمر لم يتغير منذ أن كان عدد المسلسلات المعروضة اثنين أو ثلاثة، في الثمانينيات كلها، من إنتاج الدولة، إلى أن وصل العدد إلى 40 أو 50 عملاً لعشرات المنتجين والنجوم. 

عام 2018 لا يختلف عن السنوات السابقة، إذ وصل عدد الأعمال المنتجة إلى ما يزيد عن 30 مسلسلاً. وعلى الرغم من كل المشاكل الاقتصادية التي مرت بها الأعمال بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، وبالتالي مضاعفة ميزانية كل مسلسل بناءً على مضاعفة الأجور وأسعار المعدات، وعلى الرغم أيضاً من غياب بعض النجوم والمخرجين المهمين عن الصورة هذا العام، إلا أن رمضان احتفظ لنفسه بأنه "الموسم" الأول تلفزيونياً، والساحة التي يتنافس فيها الجميع لنيل رضا الجمهور، وبرقم أعلى من حصة المشاهدات. في هذا التقرير، نحاول وضع خريطة للأعمال وأهم المسلسلات المتنافسة في الفئات المختلفة. وإن كان مصير عدد كبير من المسلسلات غير واضح، قبل ساعات قليلة من انطلاق الشهر الفضيل، وذلك بسبب الرقابة وموقفها من السماح بالعرض من عدمه، إلى جانب تراجع بعض القنوات في اللحظة الأخيرة عن شراء بعض المسلسلات، مقابل بحث المنتجين عن قنوات عربية غير مصرية، تشكّل بديلاً للعرض.

مسلسلات "الأكشن": حبكة الانتقام تسيطر
ظاهرة لافتة جداً يشهدها الموسم الحالي في مسلسلات رمضان؛ وهي أن أغلب مسلسلات "دراما الحركة"، والتي من المتوقع أن تتصدر نسب المشاهدة، تدور حبكتها الرئيسية حول الانتقام. قد يكون هذا الأمر بسبب النجاح الاستثنائي لمسلسل "الأسطورة" لمحمد رمضان، قبل عامين. إلى جانب أن حبكات الانتقام تسمح بالانتقال- وبتطرف- بين أكثر أنواع المشاعر تأثيراً، حسب بعض نظريات علم السيناريو، وهما "الألم" (الناتج عن فقد شخص عزيز) و"التفاخر أو الرضا" (الذي يلي قتل المسؤول عن ذلك). كما أن حبكات الانتقام مليئة بالقتل والدموية، وهو أمر يتماشى مع انتشار ذلك في المسلسلات العالمية أيضاً، والتي حققت نجاحاً موازياً في مصر، مثل "لعبة العروش" أو "فارغو" أو "ناركوس"، فالدموية والحدة جزء أساسي منها.

أياً كانت الأسباب، فإن "الانتقام" هو أكثر كلمة مكررة في دراما هذا العام؛ بداية من محمد رمضان مرة أخرى، الذي انتقل من كونه شخصا خارجا عن القانون ورجل عصابة في "الأسطورة" إلى أن يصبح ضابط شرطة في مسلسله الجديد "نسر الصعيد". لكن وقوع الشخصيتين على طرفي نقيض لم يغير من طبيعة الحبكة النهائية التي يسعى فيها هنا أيضاً إلى الانتقام من "هتلر"، رجل العصابة الصعيدي الذي استخدم أساليب غير قانونية للضغط عليه والإيقاع به وإيذائه. المسلسل من تأليف محمد عبد المعطي وإخراج ياسر سامي. وبالنظر إلى النجاح السابق لـ"رمضان"، والمشاهدات الاستثنائية التي نالتها أغنيتا المسلسل على موقع يوتيوب (من غناء أحمد شيبة ومحمود الليثي - وهما اثنان من أكثر المطربين الشعبيين شهرة في مصر) والتي تجاوزت كل منهما الـ10 ملايين مشاهدة، فإن "نسر الصعيد" على الأغلب سيكون العمل الأنجح في رمضان المقبل.

ضابط شرطة آخر سيسعى إلى الانتقام في مسلسل "كلبش 2"، الجزء الثاني من العمل الذي حمل نفس الاسم في رمضان الماضي، وحقق نجاحاً ضخماً (كان الثاني في نسب المشاهدة بعد "كفر دلهاب" ليوسف الشريف) وجعل بطله أمير كرارة ضمن نجوم الصف الأول في الدراما التلفزيونية. وفي هذا الجزء، يحاول الضابط سليم الأنصاري مرة أخرى السيطرة على الوضع الأمني بعد توليه مسؤولية الإشراف على سجن العقرب، ولكن الأمور تأخذ منحنى غير متوقع بعد قتل أهله.

أما ثالث المسلسلات التي تدور حول "الانتقام" فهو "أبو عمر المصري"، من بطولة أحمد عز، وعن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب عز الدين شكري فشير. وتبعاً للنص الأدبي، فإن موقع ضابط الأمن هنا هو العدو الذي يسعى البطل "فخر الدين" للانتقام منه، بعد أن قُتِلَ ابن خالته على يد عقيد أمن دولة في إطار سعي المؤسسة الأمنية لفك رابطة المحاماة التي تبحث عن حقوق الأشخاص الأقل شأناً في المجتمع. ومن المتوقع أن يثير المسلسل جدلاً واسعاً نظراً لتقاطعه مع التنظيمات الإرهابية المسلحة قُبيل أحداث 11 سبتمبر، ومساءلته عن علاقة الدولة بنمو العنف.

ثلاثة مسلسلات أخرى تدور حول حبكة الانتقام، بل إن الثلاثة تملك قصصاً شبه متطابقة، حيث رجل يتم الزج به في السجن وحين يخرج يسعى لأن ينال حقه ممن خانوه؛ الفارق فقط أن المسلسل الأول "رحيم" يجسد فيه ياسر جلال شخصية رجل أعمال فاسد. والمسلسل الثاني "أيوب" يقوم فيه مصطفى شعبان بشخصية شاب مكافح ينال وظيفة في بنك. أما الثالث "قانون عمر" فإن بطله حمادة هلال هو مهندس ميكانيكي يقع في حب صاحب مركز الصيانة الذي يعمل فيه. ولكن باستثناء طبيعة الشخصيات وطبقاتهم الاجتماعية، فإن الحكايات ذاتها متشابهة.


ألغاز وإثارة وجرائم قتل

مسلسلات الإثارة تحتل المركز الثاني من حيث الكثافة هذا العام؛ وبالطبع فإن أبرز الحبكات التي يتم الاعتماد عليها هي جرائم القتل غير المحلولة، والتي يسعى البطل إلى إيجاد الجاني فيها، سواء لإثبات براءته بشكل شخصي، أو لأنه مرتبط عاطفياً بالشخص المقتول. أبرز مسلسلات تلك الفئة "لدينا أقول أخرى" من بطولة يسرا، التي تجسد دور محامية يتم اتهامها بقتل ابنها، فيصبح البحث عن حقيقة الجريمة يملك الدافعين. وقد طرحت علامات استفهام عدة حول مصير العمل، إلى أن أكدت الشركة المنتجة "العدل غروب" في الساعات الأخيرة أن المسلسل سيعرض.

غادة عبد الرازق أيضاً تجسد في مسلسلها "ضد مجهول" شخصية أم تسعى إلى إيجاد قاتل ابنتها ومغتصبها، وتدخل من أجل ذلك في صدامات وأجواء لا تتخيلها. أشكال أخرى من "الإثارة" ومحاولة إبهار المتفرج بأفكار جديدة تأتي في مسلسلات أخرى؛ على رأسها "اختفاء"، من بطولة نيللي كريم وبسمة ومحمد ممدوح، ويدور حول زوجة يختفي زوجها من دون مقدمات أثناء تواجدهم في روسيا، فتقرر العودة إلى مصر لتبدأ مجموعة من الأحداث الغرائبية غير المبررة. كذلك مسلسل "رسايل" من بطولة مي عز الدين عن فتاة تحلم بأشياء وتستيقظ لتجدها وقد حدثت فعلاً في الواقع ويصبح عليها اتخاذ خطوات أحياناً لإيقافها.


والمسلسل الأخير في تلك الفئة هو "الرحلة"، من بطولة باسل خياط وإخراج حسام علي؛ نفس طاقم "30 يوم" في العام الماضي، والذي نجح اعتماداً على تقديمه شكلا غير معتاد من الأفكار في الدراما التلفزيونية. الرهان ذاته يتكرر هنا، حول مجموعة من الأشخاص يلتقون على متن رحلة طائرة، قبل أن يكتشفوا أن وجودهم معاً ليس صدفة. مشكلة هذا المسلسل الأساسية هي التطابق بين حبكته الرئيسية وبين الحكاية الأولى في الفيلم الأرجنتيني Wild Tales، والذي رشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2014. ولكن لعل "الرحلة" يملك ما هو مختلف عن ذلك.


مسلسلات الكوميديا في غياب الكبار

خلال السنوات العشر الماضية، كان أبرز نجوم الكوميديا في مسلسلات رمضان هم أحمد مكي (بأجزاء مسلسل "الكبير")، دنيا سمير غانم (تحديداً في "نيللي وشريهان")، وحتى في العام الماضي كان أحمد فهمي ومسلسل "ريح المدام" في صدارة القائمة، ويليه شركاؤه القدامى هشام ماجد وشيكو في مسلسلهما "خلصانة بشياكة"، الذي تشاركا بطولته مع مكي.

2018 يشهد غياب هؤلاء النجوم الأكثر نجاحاً، لتكون الساحة الكوميدية فارغة إلى حد ما. أبرز أعمال الفئة مسلسل "الوصية"، من بطولة أكرم حسني وأحمد أمين، كلاهما كان مقدم برامج ناجحا ويقدم شكلاً مختلفاً من الشخصيات والكوميديا وله شعبية وجماهيرية ضخمة، لذلك فإن اجتماعهما في المسلسل يبدو مبشراً، خصوصاً وهو من إخراج خالد الحلفاوي الذي أثبت نجاحه في السينما الكوميدية بأكثر من فيلم. كذلك مسلسل "عزمي وأشجان"، من بطولة حسن الرداد وإيمي سمير غانم، فبعد فيلمين ناجحين بينهما؛ "زنقة الستات" (2015) و"عشان خارجين" (2016)، يأتي هذا المسلسل ليؤكد على شراكتهما الفنية إلى جانب الحياتية.

وبخلاف المسلسلين السابقين، فهناك أكثر من عمل لنجوم الصفين الثاني والثالث في الكوميديا السينمائية والتلفزيونية؛ "ربع رومي" من بطولة مصطفى خاطر، و"سك على أخواتك" من بطولة علي ربيع، و"خفة إيد" من بطولة بيومي فؤاد ومحمد ثروت ومحمد سلام.

من ناحية أخرى، فإن هناك عددا من مسلسلات الكوميديا الاجتماعية، أبرزها "بالحجم العائلي" للنجم الكبير يحيى الفخراني وميرفت أمين، عن دبلوماسي سابق يفتتح مطعما في إحدى القرى السياحية وسط اعتراض زوجته. ومسلسل "عوالم خفية" للنجم عادل إمام، عن محام يجد مستندات تدين شخصيات نافذة في الدولة، ووسط أجواء كوميدية يدخل في صدام معهم. وأخيراً مسلسل "أرض النفاق" لمحمد هنيدي، عن الرواية الشهيرة ليوسف السباعي، والتي قدمت في فيلم يحمل نفس الاسم في الستينيات من بطولة فؤاد المهندس.


غياب الدراما وعودة بالزمن

الملاحظ في كل ما سبق، هو غياب "الدراما الاجتماعية" بشكلها التقليدي عن مسلسلات رمضان، ربما لبحث كل الكتاب والمخرجين والنجوم عن الأفكار القادرة على جذب المشاهد منذ الحلقة الأولى.
أما المسلسلات التي لا تعتمد على الكوميديا أو الحركة أو الإثارة فهي قليلة للغاية، وحتى تلك الأعمال تتجه إلى زمن أسبق لتحتوي على شكل من أشكال الإبهار والجذب البصري. وأبرزها هذا العام "ليالي أوجيني" من بطولة ظافر عابدين وأمينة خليل وإخراج هاني خليفة، والذي يدور خلال الأربعينيات من القرن الماضي. وكذلك "أهو ده اللي صار" من تأليف عبد الرحيم كمال وإخراج حاتم علي وبطولة روبي ومحمد فراج وأحمد داود وأروى جودة، ويتناول 100 عام من تاريخ مصر بدايةً من 1918، عبر قصص وحكايات مختلفة يجمع بينها الوضع الاجتماعي للمرأة.
لتمثل كل تلك الأعمال السابقة الخريطة العامة لمسلسلات رمضان. وأيام قليلة متبقية يظهر بعدها من الذي يحتمل صدارة كعكة المشاهدات واهتمام الجمهور.


دلالات