الدائنون يلاحقون السودان... المستحقات المتأخرة تجمد 95% من النفط وتزيد تعثّر الاقتصاد

07 أكتوبر 2019
الصورة
مستحقات شركات النفط تقلّص الإنتاج (فرانس برس)

 

تلقي تركة ثقيلة من الديون المتراكمة على مدار عدة عقود بأعباء كبيرة على الاقتصاد السوداني الضعيف، بينما لا تلوح في الأفق بعدُ أي بوادر للخروج من هذا المأزق، رغم الوعود المتكررة للدائنين والمانحين بمساعدة الدولة في الخروج من عثراتها، التي دفعت شركات عالمية، في الأسابيع الأخيرة، إلى تجميد نشاطها والتوجه إلى ساحات القضاء الدولي للمطالبة بتعويضات عن مستحقاتها المتراكمة.

وقبل أسابيع قليلة، قررت ثلاث شركات نفط عالمية الخروج من السودان، بسبب مستحقاتها المتراكمة لدى الدولة، التي عجزت منذ أكثر من خمسة عقود عن الالتزام بتسديد ديونها التي وصلت إلى نحو 58 مليار دولار وفق البيانات الرسمية، ما تسبب في تردّي القطاعات الاقتصادية وتدنّي الخدمات المقدمة للمواطنين.

فقد عزمت الشركة الصينية الوطنية للبترول "سي أن بي سي"، وشركة النفط الهندية "أو أن جي سي"، وبتروناس الماليزية، على مغادرة قطاع النفط، بينما تستحوذ الشركات الثلاث على 95 في المائة من القطاع، منها 40 في المائة لصالح الشركة الصينية و30 بالمائة للشركة الماليزية و25 بالمائة للمؤسسة الهندية.

ولم تقتصر خطوات الشركاء الأجانب على تجميد نشاطهم، بل لجأ البعض إلى التحكيم الدولي. ووفق موقع "أويل برايس" الأميركي المتخصص في الشأن النفطي مؤخراً، فإن الشركة الهندية لجات إلى التحكيم الدولي لاسترداد مستحقاتها المالية، مشيرا إلى أن الشركة أبلغت الخرطوم، في 10 مايو/أيار الماضي، بنيّتها مغادرة البلاد.

ورفعت "أو أن جي سي" الهندية دعوى تحكيم ضد السودان أمام محكمة لندن، لاسترداد مستحقات متراكمة خاصة ببناء خط أنابيب ومبيعات الخام لعامي 2016 و2017 تبلغ قيمتها 98.9 مليون دولار.

ويعاني السودان، وهو منتج صغير للنفط، من المصاعب الاقتصادية منذ انفصال جنوب السودان في عام 2011، حيث كان لجنوبه 75 في المائة من جملة النفط المستخرج في البلاد.

وقال وزير النفط والغاز السابق، إسحاق بشير، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن مستحقات الشركات الأجنبية ناجمة عن شراء الحكومة نصيب الشركات من الخام المستخرج بغرض تكريره وسد العجز في الاستهلاك المحلي من المشتقات النفطية.

وأضاف بشير أن الحكومة عاجزة منذ عام 2015 عن سداد مستحقات الشركاء الأجانب التي بلغت نحو 1.5 مليار دولار، مما دفع اثنين من هؤلاء الشركاء، وهما بتروناس الماليزية و"سي ان بي سي" الصينية، إلى إبداء رغبتهما في عدم تجديد عقد الامتياز مع شركة النيل الكبرى الحكومية، الذي ينتهي عام 2021، لافتا إلى تدني إنتاجية المربع النفطي الذي تعمل فيه الشركة بسبب هذه المشكلة من 50 ألف برميل يومياً إلى 17 ألف برميل.

بدوره، اعتبر الوزير السابق بوزارة النفط، سعد الدين البشري، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن تدني أسعار النفط عالميا زاد من تعقد الموقف في السودان، ما عظم من مبررات الخروج من الدولة. ولا تزال أسعار الخام متراجعة كثيراً عن مستويات 2014. وسجلت العقود الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت في تعاملات يوم الجمعة الماضي، تسليم ديسمبر/كانون الأول المقبل، نحو 57.6 دولارا للبرميل.

وقال مسؤول في قطاع النفط، لـ"العربي الجديد"، إن مشكلة مستحقات الشركات أدت إلى تناقص الإنتاج وعدم تطوير الحقول، مشيرا إلى أن أعمال التطوير وزيادة الإنتاج تتطلب ضخ أموال ضخمة، لافتا إلى أن الوضع الحالي سيؤدي إلى تعقّد أزمة الوقود، لا سيما أن الاحتياج اليومي للمصافي وحدها يصل إلى 110 آلاف برميل.

وأضاف أن وزارة المالية وبنك السودان المركزي يتحملان مسؤولية تأخر دفع مستحقات الشركات الأجنبية، باعتبار أن التعاملات المالية تجري من خلالهما، بينما تتولى وزارة النفط المسؤولية الفنية، داعيا الحكومة الجديدة إلى الإسراع في إنهاء ملف مستحقات شركات النفط للخروج من المأزق الحالي.

وكانت بيانات رسمية قد أظهرت أن إجمالي الدين الخارجي للسودان يبلغ نحو 58 مليار دولار، النسبة الأكبر منه فوائد وغرامات تأخير، موضحة أن أصل الدين الخارجي يتراوح بين 17 و18 مليار دولار، والمتبقي من إجمالي الدين بنسبة 85 في المائة عبارة عن فوائد وجزاءات، بدأت في التراكم منذ عام 1958.

وأشارت البيانات الواردة في تقرير مشترك بين البنك الدولي ووزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، إلى أن قائمة دائني السودان تضم مؤسسات متعددة الأطراف بنسبة 15 في المائة ونادي باريس 37 بالمائة، و36 في المائة لأطراف أخرى، بجانب 14 بالمائة للقطاع الخاص.

وكشف التقرير، الذي أوردته وكالة الأنباء السودانية "سونا"، في مايو/أيار الماضي، أن المتأخرات المستحقة للمؤسسة الدولية للتنمية بلغت 700 مليون دولار، ولصندوق النقد الدولي ملياري دولار، لافتا إلى أن نسب الديون الخارجية أعلى من الحدود الاسترشادية، بما أنها بلغت 166 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

ولا تلوح في الأفق بوادر لإنهاء أزمة الديون، بينما يواجه البلد أزمة مالية خانقة، في ظل إحجام المؤسسات الدولية عن إقراضه مبالغ جديدة، بسبب تخلّفه عن سداد ديونه المتأخرة.

وكان مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد، جهاد أزعور، قد قال في تصريحات صحافية قبل نحو أربعة أشهر، إنه ليس بإمكان صندوق النقد تزويد السودان بالتمويل، بسبب المتأخرات المستحقة عليه.

وفي تصريحات سابقة لـ"العربي الجديد"، نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، قال المدير السابق لإدارة التعاون المالي الدولي في وزارة المالية السودانية، الفاتح محمد خالد، إن مؤسسات التمويل الدولية، بما فيها البنك الدولي، فرضت حظرا ماليا على السودان منذ عام 1995 لعجزه عن سداد متأخراته المالية لهذه الجهات.

وأشار خالد إلى أن هذه المؤسسات ليس في قانونها ما يسمى بإعفاء الديون، ولا بد من الالتزام أولا بسداد أصل الدين وأرباحه وعقوبات التأخر في السداد ليتسنى لها تقديم قروض جديدة للسودان.

وكان رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك قد قال، بعد وقت قصير من تعيينه رئيساً للوزراء في أغسطس/آب الماضي، إن السودان بحاجة إلى مساعدات خارجية بقيمة ثمانية مليارات دولار على مدار العامين المقبلين.

وقد أثر تفاقم أزمة الديون على النمو والتنمية الاقتصادية في السودان، حيث نتج عنه تراجع العديد من القطاعات الاقتصادية، وتدهور البنى التحتية، ما انعكس سلبا على موارد الدولة وأدى إلى عجز موازنتها.

وكانت أزمات السيولة والخبز والوقود والدواء إلى جانب زيادات حادة في الأسعار وراء احتجاجات ساخطة أدت إلى الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير في إبريل/نيسان، بينما تراهن حكومة حمدوك على تحقيق تحسّن اقتصادي لإعادة الاستقرار إلى البلاد.