الخلاف الوطني حول إحياء منظمة التحرير

24 يونيو 2018
العلاقة بين عرفات وحبش أعادت الجبهة الشعبية للمنظمة(آلان منغام/Getty)
+ الخط -
لطالما جسدت منظمة التحرير الكيانية الفلسطينية الجامعة بمؤسساتها وهيئاتها المختلفة، وأسست لمنظومة كاملة تصهر طاقات الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة في بوتقة المشروع الوطني النقيض والمواجه للمشروع الصهيوني، وشكلت جسماً نضالياً موحداً استظلت بظله كافة الفصائل المقاومة، وهكذا كانت المنظمة منذ تأسيسها بموازاة تفجر الثورة الفلسطينية وحتى العقد الأول من تأسيسها، وحتى مع الانقلاب الأبيض عام 1968 على رئاسة المنظمة، وإجبار أحمد الشقيري على الاستقالة، وانتخاب الراحل ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية وسيطرة حركة فتح على مؤسسات المنظمة، إلا أن المنظمة ظلت متماسكة ومحتفظة بحيوتها واجتماعاتها الدورية، خاصة المجلس الوطني، وظل الميثاق الوطني الفلسطيني الركيزة الأساسية التي تجتمع حولها ليس فقط قوى المقاومة بل كل أطياف الشعب الفلسطيني.
مع بداية الحديث عن التسوية واستعداد رئيس اللجنة التنفيذية في المنظمة وقائد حركة فتح الراحل عرفات للدخول في مشروع التسوية بموازاة التحرك المصري بعد حرب عام 1973، قُدم برنامج النقاط العشر للمجلس الوطني في دورته الثانية عشرة عام 1974. البرنامج، حسب ما قرأته بعض القوى الفلسطينية، مثّل تراجعا عن برنامج التحرير الكامل وتساوقا مع الجهود الأميركية للتسوية، وهو ما أحدث خلافا بين مجموعة من الفصائل المنظوية في إطار منظمة التحرير وحركة فتح، وتمخض عنه تعليق مشاركة كل من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية القيادة العامة في اجتماعات المنظمة، وبادرت هذه المجموعة إلى تشكيل جبهة الرفض الفلسطينية والتي أطلق عليها "جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية"، وشملت كلا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجبهة التحرير العربية، والجبهة الشعبية - القيادة العامة، وجبهة النضال الشعبي، ومنظمة الصاعقة. وتزعمت الجبهة الشعبية جبهة الرفض بزعامة القيادي في الجبهة أبو ماهر اليماني.
ولكن الجبهة عادت إلى المنظمة مع توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978، وحافظت على تواجدها في مؤسسات المنظمة وعلى تزعمها للمعارضة فيها، خاصة عندما تعلق الأمر بمشروع التسوية، وذلك بفضل العلاقة النوعية التي كانت تجمع بين الراحل ياسر عرفات والأمين العام للجبهة الراحل جورج حبش، والموقف المبدئي للجبهة بضرورة الحفاظ على وحدة منظمة التحرير كمنجز وطني حافظ على الهوية الفلسطينية الجامعة.
حتى انتفاضة الحجارة عام 1987، لم تكن مطروحة أي مطالبات بإصلاح أو إعادة بناء منظمة التحرير، غير أن الخارطة السياسية والالتفاف الجماهيري داخل الأراضي المحتلة شهدا تحولاً سريعاً مع انطلاق حركة "حماس" وقبلها بأشهر حركة الجهاد الإسلامي بالتوازي مع اندلاع الانتفاضة، وتبلورت على الساحة الفلسطينية قوى وطنية بمرجعيات إسلامية شكلت نقيضاً فكرياً وسياسياً للقوى التقليدية، خاصة في ما يتعلق بمشاريع التسوية، وهو ما أظهر الحاجة لإعادة النظر في التمثيل الفلسطيني وفي خارطة القوى الممثلة في منظمة التحرير.
بادرت حركة حماس في إبريل/ نيسان 1990 بتقديم مذكرة للمجلس الوطني من عشر نقاط تطالب بتمثيلها في المنظمة، وطرحت تمثيلاً في المجلس الوطني بنسبة 40 - 50% بما يتناسب وحجمها في الشارع، ولكي لا تكون مجرد رقم في المجلس الوطني، ثم جاءت حوارات القاهرة للمصالحة في مارس/ آذار 2005 بين الفصائل الوطنية، بما فيها حركة حماس. وفي ما يخص منظمة التحرير، وافقت الفصائل على تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينيّة على أساس أن المنظمّة الممثّل الشرعيّ والوحيد للشعب الفلسطينيّ، وفق أسسٍ يتمّ التراضي عليها، بحيث تضمّ جميع القوى والفصائل الفلسطينيّة. وتمّ التوافق على تشكيل لجنة تتولّى تحديد هذه الأسس؛ وتتشكّل اللجنة من رئيس المجلس الوطنيّ، وأعضاء اللجنة التنفيذيّة للمنظمة، والأمناء العامّين لجميع الفصائل الفلسطينيّة، بالإضافة إلى عدد من الشخصيّات الوطنيّة المستقلّة.
لم يكن اتفاق القاهرة 2005 والذي تناول مسألة منظمة التحرير وإشكالية التمثيل هو الأخير، فقد أعقبت ذلك حوارات في القاهرة والدوحة بين الأعوام 2009 - 2012، ومن ثم في غزة (اتفاق الشاطئ) 2014، وكانت أبرزها حوارات القاهرة عام 2011 واتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني التي تم التوقيع عليها، وتناولت إصلاح المنظمة بشيء من التفصيل. فقد اتفق المجتمعون على "تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وفقاً لاتفاق القاهرة عام 2005، وكما ورد في وثيقة الوفاق الوطني عام 2006، لتمهيد الطريق لانضمام جميع الفصائل وفق أسس ديمقراطية، بما يتلاءم مع التغيرات على الساحة الفلسطينية"، وتشكيل مجلس وطني جديد بما يضمن تمثيل جميع الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية ومكونات الشعب الفلسطيني الفاعلة، من خلال الانتخابات حيثما أمكن، أو التوافق في حال تعذر الانتخابات.
وحتى انتخاب مجلس وطني جديد، تتحول اللجنة المكلفة بإعادة بناء المنظمة وفق اتفاق 2005، إلى إطار قيادي مؤقت مهمته معالجة القضايا المصيرية الوطنية والسياسية بالتوافق، ووضع الأسس والآليات للمجلس الوطني الفلسطيني، ومتابعة تطبيق مخرجات الحوار الوطني.
طبعا لم يجد ما ورد حول منظمة التحرير وإصلاحها في الاتفاقات أي رصيد من الواقع، فقد اجتمعت اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني في السفارة الفلسطينية في بيروت في يناير/ كانون الثاني 2017 برئاسة سليم الزعنون، واتفقت على تشكيل مجلس وطني توحيدي وفق اتفاقات المصالحة السابقة، غير أن توصيات اللجنة المركزية لفتح برئاسة الرئيس محمود عباس في أغسطس/ آب 2017 نسفت كل ذلك، عندما أوصت بعقد المجلس الوطني خلال أشهر في رام الله لانتخاب مجلس مركزي ولجنة تنفيذية.
عقدت الدورة الثالثة والعشرون في مدينة رام الله وسط مقاطعة كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومقاطعة أكثر من 150 عضواً من المجلس وبعض المؤسسات الوازنة. القوى المُقاطعة أعلنت رفضها لعقد الدورة احتجاجاً على عقدها تحت حراب الاحتلال، وغياب التوافق، وعدم التحضير لها بشكل مناسب بما يتناغم وحجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية. ساد الهزال كل اجتماعات الدورة، حيث تمخضت التعيينات والانتخابات الشكلية عن أعضاء في المجلس الوطني والمركزي واللجنة التنفيذية، مفصلين على مقاس فصيل معين، بل على هوى شخص أو على الأكثر عدة أشخاص، وهو ما أضاف معول هدم آخر في منظمة التحرير، أثار من الشكوك أكثر من الإيحاء بتكريس الشرعية، وتعزيز دور المنظمة النضالي، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة المصيرية التي تمر بها القضية الفلسطينية.
ومن الواضح خلال مسيرة المصالحة الطويلة واتفاقات إعادة وإصلاح منظمة التحرير أن هناك قراراً في حركة "فتح" مسنوداً من النظام العربي الرسمي، بإغلاق الأبواب أمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وإبقائهما بعيدتين عن المنظمة ومؤسساتها.
المساهمون