الخبراء الروس والثورة السورية

17 مارس 2017

يلينا سوبونينا وبوريس دولغوف

+ الخط -
يروي الذين عاصروا انشقاق الحزب الشيوعي السوري عام 1972 أن آخر محاولة للتوفيق بين قائدي الجناحين المتنازعين، خالد بكداش ورياض الترك، جرت في موسكو. وعلى الرغم من أن القيادة الشيوعية السوفياتية وضعت ثقلها من أجل تطويق الأزمة، إلا أن الطرفين ازدادا خلافا، وكان موقف السوفيات، في حينه، إلى جانب الأمين العام بكداش الذي قال جملته الشهيرة "الرفاق السوفيات أدرى منا بتحليل الواقع العربي"، وذلك ردا على مطالعة الترك حول انفصام الحركة الشيوعية العربية عن الواقع العربي والقضايا القومية.
كان بكداش، مثل قادة الأحزاب الشيوعية التي تدور في فلك موسكو، على قناعةٍ تامة بأن الخبراء السوفيات والبلغار يفهمون الواقع العربي أفضل من أهل البلاد. ولهذا، كان هؤلاء الخبراء يُملون على الأحزاب الشيوعية العربية الخطوط التفصيلية والتوجيهات السياسية الخاصة ببرامج عملها، ويتدخلون في حياتها الداخلية، كي يظلوا ممسكين بها لخدمة مصالح دولة البروليتارية، الاتحاد السوفياتي الذي كان يوصف بأنه "صديق الشعوب المحبة للسلام".
منذ بداية الثورة السورية، صرنا نتعرف أكثر على الخبراء الروس الذين صاروا يظهرون على شاشات الفضائيات، كي يدلوا بآرائهم وتحليلاتهم حول الوضع السوري. وطوال ست سنوات، لم يظهر من بين هؤلاء من يتحدّث بلسان مختلف عن زملائه الذين يشكلون صدى لرأي المؤسسة الرسمية التي يعبر عن وجهة نظرها وزير الخارجية، سيرغي لافروف. وليس مبالغة القول إن هؤلاء الخبراء يبدون وكأنهم تخرّجوا من مدرسة واحدة، على الرغم من اختلاف تكوينهم بين دبلوماسيين وعسكريين سابقين وباحثين في مراكز الأبحاث وصحافيين على قدر كبير من المتابعة، وهذا ينسحب على الشيوخ والشباب منهم، الرجال والنساء.
قد يكون من بين هؤلاء من ينتمي إلى الأجهزة الرسمية، وهو مضطرٌ للسير وفق الخط العام. ولكن، بالتأكيد هناك من بين هذه القافلة الكبيرة من هو مستقل، الأمر الذي لا يمكن من خلاله فهم هذا التماهي، إلا إذا افترضنا أن هؤلاء جميعا لا يزالون يعيشون وراء الجدار الحديدي، وينتمون إلى المدرسة السوفياتية السابقة التي لا تزال تحكم التفكير الروسي، على الرغم من أنها سقطت رسميا مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. وهي مدرسةٌ تبدو أمامها المدرسة البعثية ليبرالية، وأقلّ ضررا فيما يتعلق بحرية تشغيل الذهن.
صار ثابتا أن أزمة الحركة اليسارية في العالم العربي هي، في العمق، متأتية من علاقة الأحزاب الشيوعية العربية بموسكو منذ بدايات تأسيسها. وعلى الرغم من أن تاريخ هذه الحركة يحفل بصفحاتٍ مجيدة ومشرقة في النضال من أجل العدالة الاجتماعية، ومع أن شخصياتٍ لامعة وذات ثقل فكري وسياسي كبير، برزت من بين صفوفها، إلا أن ضررها على تطور الحياة السياسية كان أكبر، وامتد حتى أصاب مستقبل بعض البلدان العربية التي كانت قريبة من موسكو، مثل اليمن الجنوبي وليبيا وسورية والجزائر. وقد جرت نقاشات طويلة، بعد انشقاق الحزب الشيوعي السوري، وأصابت الهزة حتى الأحزاب القومية، إلى حد أنها أفرزت جناحين، أحدهما يساري قومي. ويسجل للمفكر السوري، إلياس مرقص، أنه خصص لهذه المسألة عدة مؤلفات، منها "الماركسية السوفياتية والقضايا العربية" و"الماركسية والشرق"، وذلك ضمن المقاربة اليسارية الجديدة للمسألة القومية في التحرّر القومي والاجتماعي.
وتجلّت هذه الأزمة أكثر في الحزبين الشيوعيين، السوري واللبناني، ففي حين أن جناح خالد بكداش ظل، بعد الانشقاق الكبير، يتدحرج من انشقاق إلى آخر، حتى صار مؤسسةً عائلية، قدم الثاني نموذجا فريدا من خلال التحالف مع الثورة الفلسطينية في السبعينيات، ولعب الراحل جورج حاوي دورا بارزا على هذا الصعيد، ولكن الحزب تعرض لانتكاسةٍ في السنوات الأخيرة هي أقل وقعا مما أصاب شقيقه السوري، ولكنه سقط في امتحان الثورة السورية التي شكلت كشّافا للجميع.