الحكام العرب... "رجل العالم المريض"

31 يوليو 2020
الصورة
الأفكار السياسية الديمقراطية فتحت أمام الشعوب أفق التقدم (لويزا غولياماكي/فرانس برس)

من يقرأ الانحدارات العربية المتوالية هذه الأيام فكأنه يعود إلى 160 سنة من تاريخ اسكندينافيا. على سبيل المثال خسر التاج الدنماركي، نتيجة نظام قمعي وهزائم عسكرية، النرويج وجنوبه الممتد في شمالي ألمانيا (1863). هدم بعض الأنظمة العربية منذ 10 سنوات، بعد الربيع العربي، لمجتمعاتها ومجتمعات الجيران، مارسه ملوك الدنمارك، وغيرهم. فقد تحوّلت كوبنهاغن خلال فترة حكم الملك فريدريك السادس (حتى العام 1839) إلى مدينة رعب وتكميم أفواه؛ بزنازين انفرادية وتعذيب بأدوات قروسطية مميتة، وأحكام بالجلد وقطع الرؤوس في الشوارع بحجة "الردع". إضافة لفرض الضرائب ونهب الفلاحين وجلدهم وحبسهم عند مداخل المدينة، التي أُحرقت من الأسطول البريطاني. لكن ذلك لم يجعل الناس تتراجع عن حقوقها، فأُجبر الملك فريدريك السابع على تبنّي دستور في 1849، تطور خلال 6 عقود حتى منحت النساء عام 1915 الحق بالمشاركة في الانتخابات، وبانتخاب برلمان حقيقي، لا يستثني فقيراً وثرياً.

لكن قبل ذلك عاشت كوبنهاغن ظلمة سياسية قاتلة. فُرضت فيها ثقافة "الترفيه" والسطحية، فناً وأدباً وديناً وعلماً، ومحاربة "الدين" للعلم، بدعم وتأييد القصر، لإلهاء الناس ومنعهم الخوض في السياسة. منابر الكنائس صارت للتملق وفرض خنوع باسم الخالق، لمصلحة ديكتاتورية الملوك. وعلى الرغم من الهزائم، ظلّ التعصب القومي يُستدعى. ولسنوات شاعت السخرية والاستهزاء من مفكري ومثقفي وعلماء البلد، بمن فيهم سورين كيركغارد وهانس كريستيان أندرسن، ما دفع بنخبه للهجرة نحو باريس وروما، والعودة بأفكار جديدة بعد الانتقال إلى ملكية دستورية في 1866.

وحدها "الواقعية السياسية" في اسكندينافيا، تزامناً مع تمدد الثورة الصناعية والأفكار السياسية الديمقراطية، أنقذت الشعوب من أميتها وجهلها واندثارها تحت حكم قوى أخرى، وفتحت أمامها أفق تقدم الحاضر.

عربياً، يقوم بعض الحكّام بتجيير أدوات اسكندينافيا قبل 200 سنة. تُصرف الثروات لنشر الجهالة والعصبوية-الشعبوية باسم "الوطنية"، المختزلة في بقاء كرسي الحاكم، ولو بطبقة متملقي التصهين والأمركة، وبدونية مرت بها بعض ملكيات أوروبية مع العثمانيين وعرب الأندلس. جيش مستشاري المستبدين العرب همّه إلهاء الشعوب بقوت يومها، وكأنه منّة من الحاكم وليس حقاً، أو إرعابها بوسائل قمع القرن التاسع عشر.

لكن وسط هذه الانشغالات لتثبيت الاستبداد، ينسى المستشارون أنهم بذلك يفككون دولهم، المتحولة إلى ما يشبه "رجل العالم المريض"، تتجاذبه قوى خارجية للهيمنة والتفكيك، ولو بأيدٍ محلية، فالمستبد غير آبه بدروس التاريخ، ويقبل ببقعة كيلومترات مربعة، يُصدر منها أوامره باعتبار الشعب المطالب بحقوقه في معسكر "الخيانة".