الحرية ليست بـ"فكرة الدولة"

01 سبتمبر 2015
الصورة
طارق الغصين، من سلسلة "بورتريه ذاتي" 2002-2004
+ الخط -

يمكن الآن القول بالفم المليان إن اتفاقية أوسلو منافية ومثبطة لأي فكر تحرري، وطاعنة لحركة التحرّر الوطني الفلسطيني، ومُجحِفة بحق قضية أمميّة عادلة. فهذه الاتفاقية أوجدت الأدوات والمؤسسات والإطار العام للقضاء على روح الثورة الفلسطينية ومسيرة التحرّر والتحرير، واستبدلتها بفكرة الدولة كنتيجة لعملية تفاوضية.

وعلى ما يبدو لم يكن الاستبدال المستعجل والسابق لأوانه مجرّد استبدال أوتوماتيكي أو خطّي كما اعتقد كثيرون بل استبدال مقترن بتغيير جوهري في جملة من النُظُم والقيم والافتراضات والممارسات والوظائف.

كان خطاب "الثورة والتحرر الوطني" -على الأقل لغاية 2004- السلاح المخفي للقيادات الفلسطينية والذي يتم استخدامه متى توسعت فجوة الشرعية. فالثورة أصبحت ورقة في أيدي "رجال الدولة" أو الحزب الحاكم. ولكن في الوقت نفسه فإن أكثر ما أصابنا بمقتل هو تغني القيادات -بيسارها ويمينها- بشعارات الثورة والتي هي أبعد ما يمكن عنها ممارسةً في يومنا الحالي، وزاد الطين بلة حنيننا للماضي ورومانسيته والذي أنسانا في كثير من الأحيان كيفية التفكير في المستقبل.

صحيح أن الواجب يقتضي التذكير بقيم الحركة التحررية -طالما أن الواقع يستدعيها- عسى أن نسترجع بعضاً مما عندنا، ولكنّ الاتكاء والارتكاز على شعاراتها لا يحتم العيش في "شيزوفرينيا وطنية" فحسب، وإنما يساهم في تجذر حالة التوهان والتشرذم. وبرأيي، فإن هذا الخوف من المجابهة الصريحة لتبعات التخلّي عن القيم الثورية التحررية لصالح وهمٍ بفكرة الدولة يشكّل الآن أحد أسس الضعف الفلسطيني.

يؤشر الخطاب والفعل السياسي الفلسطيني الراهن وخاصة منذ العام 2007 بوضوح بالغ لاختيار ومفاضلة فكرة الدولة على درب التحرّر والتحرير لدرجة أن "الحوكمة الرشيدة" لمؤسسات الدولة أصبحت هدفاً وطنياً أسمى برأي مهندسي فكرة بناء الدولة.

وبناء مؤسّسات الدولة هذه ترافق مع عملية إعادة هندسة مجتمعية هدفت لتجريم المقاومة: المقاومة بمعناها الشامل كنهج حياة تحت الاحتلال والاستعمار. وهذان العنصران (مؤسّسات الدولة وتجريم المقاومة) لم يظهرا اعتباطاً وصدفة، وإنما هما خطّان مُنسجمان ومتّسقان مع ما تُمليه الليبرالية الجديدة على بلدان العالم النامي أجمع.

فتجارب حركات تحرّر وطني أخرى تشير إلى أن الهجمة النيوليبرالية حاولت ضرب نفس الأسس المجتمعية والاقتصادية والوطنية، ولكن الرد عليها كان بمقدار الجهوزية الوطنية للاستماتة في الدفاع عن القضية بدل الاستسلام.

ولا شك في أن تجذّر فكرة ووهم الدولة في الأرض المحتلة سهّل عملية الخنوع، والتي صاحبها ازدراء خطابي وفعلي لكل ما يمُتّ للثورة والتحرر الوطني بصلة، وأضحت الثورة من أجل الحقوق مساحة للفوضى والفلتان والعنف والتهديد لاستقرار المحتل والجاثم تحت الاحتلال بموجب خطاب "السلطات".

وبالتالي، فقد طغت مفاهيم الليبرالية الجديدة على الساحة السياسية وفعلها لدرجة أن من ينادي بالتحرّر الوطني والثورة أصبح غريباً أو مجرماً. فملهاة الدولة -كملهاة العملية السلمية- دفعت البوصلة لانحراف مستمر عن درب تقرير المصير.

إلاّ أن مؤدلجي هذا النهج يرفضون الاعتراف بالفشل ويقاومون أية محاولة لاستعادة الماضي بفعله وليس بشعاراته فحسب، فريع وعوائد فكرة الدولة أكبر بكثير من ريع التحرّر الوطني في هذه المرحلة.

أمام هذه المفاضلة لفكرة الدولة، يقف الفلسطينيّون حائرين ومُراجعين لتجارب أممية أخرى في التحرّر والانعتاق. ويظهر أن قضايا مثل وحدة الصف وتعديل ميزان القوى وتعزيز القيادة المستجيبة لتطلّعات الجماهير والاشتباك المستمر مع القوى القمعية والاستعمارية والأدلجة الثورية التغييرية هي أهم الاستنتاجات والدروس المستفادة من حركات التحرّر الأخرى.

هذه الاستنتاجات تُجابهها حقيقة مرّة مفادها أنه في الوقت الحالي ربما لا يستطيع الفلسطينيون إشعال وقود ثورة تغييرية جديدة أو إعادة بناء حركة تحرّر وطني شاملة لعدة أسباب ذاتية وموضوعية، وكنتيجة طبيعية لعملية الهندسة المجتمعية مستمرة الحدوث.

مع ذلك، فإن المطلوب اليوم -أكثر من أي وقت مضى- هو "وعي وثقافة الثورة والتحرّر" والذي سيقود بالضرورة إلى التغيير.

هذا الوعي الثوري لحركة تحرّر وانعتاق يجب أن يمتد لكافة مناحي الحياة ليُعنوِن التشوّهات البنيوية في المجتمع والاقتصاد والنظام السياسي، والتي تراكمت على مر السنين وليشكل أساساً لنهضة مفاهيمية معرفية تغيّر الخطاب، فالرؤى فالفعل.

إن وعي الثورة والتحرّر كان دوماً السلاح الأقوى عبر التاريخ والمحرّك للشعوب والحامل لقضاياها والمُغذي لنهضة مجتمعاتها. ولئن كان الماضي الثوري التحرّري لفلسطين ماضٍ برسم الاستعادة، فالحرية تكمن بمسافة الثورة وليست بفكرة الدولة.


(باحث وأكاديمي فلسطيني، مدير البرامج في الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية)