الحرب التجارية بين أميركا وأوروبا تصل إلى السماوات... إيرباص وبوينغ في المواجهة

30 سبتمبر 2019
الصورة
ضربة البداية لصناعة الطائرات ستكون لأميركا (فرانس برس)
+ الخط -

تتسع رقعة الحرب التجارية، التي بدأت الولايات المتحدة العام الماضي في شنها على كثير من الاقتصادات العالمية، على رأسها الصين وأوروبا، لتتطور إلى حد المواجهة المباشرة مع أضخم الشركات، بعد أن تركزت في الفترة الماضية على فرض قيود على أصناف واسعة من المنتجات.

ويمتد الصراع هذه المرة إلى عنان السماء، إذ أضحى عملاقا صناعة الطائرات إيرباص الأوروبية وبوينغ الأميركية في المواجهة ما ينذر بتأجج الحرب التجارية، التي لم تعد الصين وحدها في بؤرتها.

وتواجه العلاقات التجارية عبر الأطلسي أزمة جديدة هذا الأسبوع، إذ من المتوقع أن يمنح محكمون دوليون الولايات المتحدة تعويضاً قياسياً يسمح لها بفرض رسوم على واردات من الاتحاد الأوروبي بمليارات الدولارات، في إطار النزاع الدائر منذ فترة طويلة بشأن دعم صناعة الطائرات.

فقد خلصت منظمة التجارة العالمية، وفق رويترز، أمس الأحد، إلى أن كلاً من شركة صناعة الطائرات الأوروبية إيرباص ومنافستها الأميركية بوينغ حصل على دعم بمليارات الدولارات لا تجيزه القواعد، وذلك في قضيتين تنظرهما منذ 15 عاماً.

وهدد الطرفان بفرض رسوم بعدما خلصت المنظمة التي مقرها جنيف إلى أن كلا الطرفين لم يلتزم بالكامل بالنتائج التي توصلت إليها. لكن ضربة البداية ستكون من حق الولايات المتحدة، في حين يتعيّن على الاتحاد الأوروبي الانتظار حتى مطلع 2020 ليعرف حجم العقوبات التي من حقه فرضها بسبب بوينغ.


ومن المتوقع أن تكشف المنظمة هذا الأسبوع عن حجم السلع التي يحق للولايات المتحدة استهدافها. وقال أشخاص مطلعون على القضية إن من المتوقع أن تمنح هيئة التحكيم المكونة من ثلاثة قضاة الولايات المتحدة 7.5 مليارات دولار، وهو رقم قياسي بالنسبة للمنظمة التي تأسست قبل 24 عاماً.

ونادراً ما تمنح المنظمة مثل هذه الحق لفرض رسوم انتقامية، إذ إن معظم الأطراف تتوصل إلى تسويات، وفي كثير من الحالات لا يمارس مقدم الشكوى هذا الحق. لكن الولايات المتحدة أشارت إلى أنها ستستهدف سلعاً أوروبية بكامل المبلغ الذي سيمنح لها.

ونشرت الولايات المتحدة بالفعل قائمة بقيمة 25 مليار دولار ستختار منها السلع، التي ستستهدفها من الطائرات ومكونات الطائرات إلى النبيذ والجبن والمنتجات الفاخرة. وقال دبلوماسيون إن قرار المنظمة في أكبر خلاف على مستوى الشركات العالمية قد يؤجج التوترات التجارية القائمة بالفعل.

وتواجه شركات صناعية في الاتحاد الأوروبي رسوماً أميركية بالفعل على الصلب والألومنيوم، فضلاً عن تهديدات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض عقوبات على السيارات ومكوناتها. ورد الاتحاد الأوروبي بدوره على ذلك.

ولم تسر محادثات التجارة بين الطرفين، الرامية إلى تخفيف التوترات وتفادي تهديد حرب رسوم، بشكل جيد. وأحرز الجانبان بعض التقدم فيما يخص التعاون بشأن الإجراءات التنظيمية، لكن الاتفاق المقترح لخفض الرسوم تعثر، إذ تطالب واشنطن بضم المنتجات الزراعية، بينما يصر الاتحاد الأوروبي على رفض ذلك.


ويبدو أن المرحلة المقبلة ستكون فيها أوروبا "في قلب الحدث"، إذ قال وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير في تصريح لإذاعة دويتشلاند فونك الألمانية، في السابع والعشرين من أغسطس/ آب الماضي، إن مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة وأوروبا ستكون صعبة، لكن تباطؤ الاقتصاد العالمي يعزّز فرص توصل الطرفين إلى اتفاق.

ويتصاعد القلق من اتساع تداعيات الحرب التجارية على مختلف الاقتصادات العالمية الكبرى، ما ينعكس على النمو العالمي وينذر بأزمة اقتصادية كبرى.

ويوم الجمعة الماضي، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، في كلمة أمام الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، إن الرسوم الجمركية ونزاعات التجارة قد تدفع بالعالم إلى الركود، وإن بكين ملتزمة بحلها "بطريقة هادئة وعقلانية وتعاونية".

وأضاف الوزير "بناء الجدران لن يحل التحديات العالمية، ولوم الآخرين على مشاكلك الخاصة لن ينجح. دروس الكساد العظيم ينبغي ألا تُنسى"، منتقداً سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بدأ حرب التجارة مع الصين قبل نحو 15 شهراً.

وفي جولات متتالية، تراشقت الولايات المتحدة والصين بفرض الرسوم على سلع بمئات المليارات من الدولارات على نحو أدى إلى اضطراب أسواق المال وتهديد النمو العالمي. ومن المتوقع عقد جولة جديدة من المحادثات رفيعة المستوى بين الجانبين في واشنطن خلال النصف الأول من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.


ورغم استهدف ترامب خفض العجز التجاري لبلاده مع الصين وشركاء تجاريين آخرين، من خلال الرسوم الجمركية التي يتوسع في فرضها على السلع، إلا أن البيانات الرسمية تظهر نتائج عكسية. فقد ارتفع العجز التجاري للولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له في عشرة أعوام، وبلغ 621 مليار دولار في عام 2018.

كذلك نما الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في الربع الثاني من العام الجاري 2019 بنسبة 2.1 في المائة، أبطأ من 3.1 في المائة حققها في الأشهر الثلاثة الأولى من العام. وفي استطلاع لوكالة بلومبيرغ الأميركية مؤخراً، توقع المحللون تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.8 في المائة في الربع الثالث، إذ إن السياسات التجارية لترامب وتباطؤ النمو العالمي يجعلان الشركات أكثر تردداً في الإنفاق والتوظيف.

وبجانب تزايد العجز التجاري، فقد المزارعون الأميركيون أسواقاً كبرى ودخلاً مهماً، لأن الصين وشركاء تجاريين آخرين رفعوا الرسوم الجمركية رداً على إجراءات ترامب.

وتشير بيانات وزارة الزراعة الأميركية إلى أن الصين كانت واحدة من أهم مستوردي منتجات المزارع الأميركية، خلال الفترة بين 2009 و2017، مع كندا والمكسيك، بإجمالي قيمة مشتريات تجاوزت 19 مليار دولار في 2017 وحدها. وبعد فرض الرسوم الجمركية اعتباراً من العام الماضي، انخفضت قيمة تلك المشتريات في 2018 إلى أقل من النصف.

وخلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي، انخفضت مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأميركية بنسبة 20 في المائة، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وسجلت مبيعات فول الصويا، أهم المنتجات الزراعية الأميركية، للصين، التي تستهلك ما يقرب من ثلث إنتاجه العالمي، أقل مستوى لها منذ عام 2002.


ويبدو أن ترامب ماضٍ في خططه لتوسيع نطاق الصراع التجاري مع الصين. فقد نقلت وكالة بلومبيرغ الأميركية عن مصدر مطلع قوله، يوم الجمعة الماضي، إن الرئيس الأميركي يدرس إمكانية إلغاء إدراج شركات صينية بالبورصات الأميركية، مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستأتي في إطار جهد أوسع نطاقاً للحد من الاستثمارات الأميركية في الصين.

وكانت مجموعة مشرعين أميركيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي قدمت في يونيو/ حزيران الماضي مشروع قانون لإلزام الشركات الصينية المدرجة في البورصات الأميركية بالخضوع للإشراف التنظيمي، بما في ذلك السماح بالاطلاع على تدقيق حساباتها أو مواجهة إلغاء الإدراج. وتبدي السلطات الصينية تردداً في السماح لجهات تنظيمية خارجية بالتفتيش على شركات المحاسبة المحلية.

وفي فبراير/ شباط الماضي، بلغ عدد الشركات الصينية المدرجة على ناسداك وبورصة نيويورك 156 شركة، وفقاً لبيانات حكومية، منها 11 شركة على الأقل مملوكة للدولة.

المساهمون