الجميع ضد "النهضة"... وقفة للتأمل

الجميع ضد "النهضة"... وقفة للتأمل

04 ابريل 2017
الصورة
+ الخط -
على الرغم من كل التنازلات التي قدمتها حركة النهضة في تونس، فهي تجد نفسها اليوم في مناخ سياسي مناهض لها، حيث يكاد يكون جميع الفاعلين السياسيين غير مطمئنين لها، بعضهم يرى فيها العدو، وبعضهم يعمل على إخراجها من الحكم ومن أجهزة الدولة، وحتى الذين يشتركون معها في إدارة حكومة الوحدة الوطنية لم يفعلوا ذلك من باب التحالف المبدئي معها، وإنما بدافع الضرورة التي فرضتها نتائج الانتخابات البرلمانية. ويكفي استعراض مواقف الأحزاب، للتأكد من حجم التحدّي الذي ينتظر حركة النهضة والبلاد على أبواب خوض الانتخابات البلدية والجهوية التي ستشكل المدخل السياسي لخوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلتين.
تم الإعلان، في نهاية الأسبوع الماضي، رسمياً عن تأسيس "جبهة الإنقاذ والتقدم" التي تجمع أحزاباً متفاوتة الوزن ومتنوعة الاتجاهات. هذه الجبهة وضعها آخر استطلاع رأي في طليعة الأطراف السياسية التي قد تحظى بثقة الناخبين. وأكد المؤسسون على أن الهدف من الجبهة بناء ميزان قوى بديل عن التحالف الماسك حالياً بالسلطة، والقائم على تقاطع مصالح بين "نداء تونس" (جناح نجل رئيس الدولة، حافظ السبسي) و"النهضة". واتفق المؤسسون، بما في ذلك رئيس الاتحاد الوطني الحر الذي كان قريباً من زعيم حركة النهضة، الشيخ راشد الغنوشي، اتفقوا على عدم التنسيق مع الحركة سواء في أثناء الانتخابات المقبلة أو عند تشكيل حكومة جديدة. بل ذهب رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر، سليم الرياحي، إلى اتهام الغنوشي بازدواجية الخطاب، بعد أن مدحه كثيراً في مناسبات سابقة. كما دعا أمين عام مشروع حركة مشروع تونس، محسن مرزوق، إلى إنهاء التوافق السياسي الحالي، والانتقال إلى مرحلةٍ يتحمل فيها من يفوز في الانتخابات مسؤوليته في إدارة الحكم وحده.
إذا انتقلنا إلى ما يجري داخل الشق الحاكم من حزب نداء تونس، نلاحظ أن هذا الطرف يسعى حاليا نحو ترميم صفوفه وتوسيعها، من خلال الانفتاح على وجوه سياسية "جديدة"، أو سبق لها أن كانت من ضمن المؤسسين، بهدف قطع الطريق أمام خصومهم الذين استقلوا بمجموعتهم، والتحقوا بجبهة الإنقاذ من دون الانفصال عن الحزب. وهنا، نلاحظ أن كلاما كثيرا يقال تلميحا أو تصريحا مفاده بأن هؤلاء الماسكين بمفاصل أساسية من السلطة يتعاملون مع "النهضة" بحسابات تكتيكية كثيرة. وفي إحدى التسريبات أخيرا، كان حافظ السبسي صريحا في حديثه مع مساعديه داخل قيادة الحزب، حول العلاقة بحركة النهضة، ودعوته إلى تعديل نظام الحكم، حتى يصبح رئاسيا. وبذلك تصبح السيطرة مؤكدةً على أهم أجهزة الدولة، وضمنيا يصبح بالإمكان الاستغناء عن حركة النهضة حليفاً فرضته موازين القوى.
أما عن حلفاء "النهضة" السابقين، فإن وضعهم، في العموم، ساء كثيرا بعد سقوط "الترويكا"، فحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات لم يتمكّن من أن يقف على ساقيه من جديد، بعد أن تذرّرت كوادره بسبب الخلافات الداخلية، وعجزه عن تجميع ما سميت الأحزاب الوسطية. وبالنسبة للرئيس السابق، المنصف المرزوقي، فإنه يراهن حاليا على العودة إلى قصر قرطاج، من خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، محملا حركة النهضة مسؤولية تعطل المسار الديمقراطي واحتمال عودة الاستبداد، حسب اعتقاده.
حتى رئيس الحكومة السابق، مهدي جمعة، الذي أسّس، أخيرا، حزب البديل التونسي، أكد حرصه على تجنب حركة النهضة، ولم يعتبرها من الأحزاب التي يمكن التعاون معها أو الاقتراب من دوائرها.
هكذا تجد "النهضة" نفسها اليوم في مواجهة خصم أيديولوجي عنيد، مثل الجبهة الشعبية، أو من يتعامل معها اضطراراً وليس اختياراً، أو من يتجنّب مد يده إليها، أو من يأمل في ألا يجد نفسه غير قادر على الامتناع من مشاركتها في حكومةٍ واحدة، أو من ندم على تحالفه معها.
تستمد "النهضة" وزنها ودورها من حجمها الانتخابي الذي جعل منها رقماً صعباً، لا يمكن القفز عليه أو شطبه. لكنها، في المقابل، مدعوّة مستقبلا إلى مراجعة ذاتها وتحالفاتها، حتى لا تخسر قواعدها، ولا تنقلب على مصالح التونسيين الذين أرهقتهم كثيراً لعبة الأحزاب، على الرغم من أن هذه اللعبة لا تزال في بداياتها.