الجشع ودمار المجتمعات

18 يوليو 2020
الصورة

عادة، لا يمكن لإنسان التخلّي عن جشعه سوى في حال وُجد من هو أقوى منه لإخضاعه. دائماً ما تنمو الغريزة في حال غابت القوانين المتفق عليها مسبقاً. هذا لا يعني أن "الأقوى" محقّ في إخضاع هذا الإنسان، لأن لحظة التوازن الذي تفرضه قوانين الطبيعة هي التي سمحت للأقوى بالتحرّك، لكنها ستسمح لغيره في إطاحته لاحقاً، إذا كرّر مسألة الجشع. لذلك، تبدو الانقلابات العسكرية في أميركا الجنوبية وفي أفريقيا، في حقباتٍ محددة، كأنها دائرة متناسلة من الجشع، على الرغم من اتخاذها عناوين إصلاحية واقتصادية واجتماعية برّاقة، معطوفة على تدخلات دولية، معظمها من دول استعمار سابقة، لأن النيّة الحقيقية لكل صانع انقلاب تكمن فقط في الوصول إلى السلطة، إشباعاً للذّة ذاتية، لا مجتمعية. ولا يُمكن الخروج من دوّامة الجشع هذه، سوى بإرساء ديمقراطية صحيحة، تسمح بتداول السلطة في إطار عقدٍ اجتماعي يحفظ كل التباينات بين المجموعات المكّونة لكل بلد. 

وللدلالة على قوة الجشع في تدمير العلاقة الإنسانية، فإن الحب، المفترض أن يكون غير محدود، يبدأ بعقد زواج، كي لا يُهدر حقّ أيٍّ من الطرفين. المجتمعات كذلك، لا يمكن تركها تعمل عشوائياً ضمن مبدأ "البقاء للأصلح"، لأن صبر هذه المجتمعات ليس كصبر خلايا تطورت لملايين السنين. لا أحد يملك "ملايين السنين" ليعيشها. و"الشعوب" المحكومة بالعيش في بلدٍ واحد، غير قابل للعزل أو التقسيم في المدى القريب، تبحث، في سياقاتها الواعية، عما يُمكن أن يلبّي التوازن بين تطلعاتها وانتمائها للبلد المشترك. أما في حال اتخذت هذه "الشعوب" منحىً تصادمياً، فذلك سيؤدي إلى سقوطها بالقوة نفسها التي تدّعي امتلاكها إياها. في لبنان مثلاً، دائماً ما يكون الفريق الأقوى هو الخاسر، وفقاً لشروط النظام اللبناني، حتى لو امتلك قوة الكوكب كله. ليس لأن لبنان "عصيّ على الجميع"، ولا "لأنه متميز وفريد من نوعه"، بل لأن مسألة "الفرض بالقوة على الآخر" فيه، غير مرتبطة بما هو صحيح وخاطئ بشكل عام، بل مرتبط أكثر بتراكمات طائفية، اتخذت طابعاً ذا بعدٍ ثقافي ـ اجتماعي. لا يُعالج هذا الأمر، بالإيحاء بأن فريقا ما محقّ أو يملك الحقيقة والآخر غير محقّ أو يجهلها.

الجشع نفسه يحضر هنا بصورة متبادلة، ولا إمكانية لكسرها بحسب الشروط القديمة، بل انطلاقاً من مفهوم واحد: قراءة التاريخ الحديث، خصوصاً بعد استقلال 1943، والتأكّد أن لكل طائفة "إيغو" خاصاً بها، مستمدّاً من شعورها بجنون العظمة وبازدراء الآخر. هذا الجنون أسقط كل الطوائف تباعاً، لأن من هُمّشوا ثاروا لاحقاً، قبل أن يتحوّلوا إلى حكام بدورهم ويسقطون. هذا الأمر يكرّس ثابتة واحدة: سيسقط كل من يظنّ نفسه لا يُمسّ، أو أنه الأقوى، في حال واظب على ممارسة أفعال أسلافه. الأمر غير متعلقٍ بعقيدةٍ دينية أو سياسية، بل بمسارٍ تفرضه متغيرات اجتماعية، لا قومية ـ وطنية. لاحظوا الفرق بين اعتداء عناصر شرطة من البشرة البيضاء على الأميركيين من أصول أفريقية، رودني كينغ في 1991 وجورج فلويد في 2020. في قضية الأول، كان التضامن العالمي محدودا لغياب وسائل إعلام منتشرة، أما في قضية الثاني، فإن كثيرين "اكتشفوا" ذواتهم، لا أميركا فحسب، بل أدركوا أن العنصرية لم تعد وجهة نظر، بل فصلاً ستنتهي منه البشرية في يومٍ من الأيام. في المقابل، تكفي خطوات الولايات المتحدة لتصحيح النظام الأمني، ولو كانت ناقصة، للإشارة إلى اقتناعها بأن الإهمال سيضعها في ورطة مشابهة لحربها الأهلية (1861 ـ 1865).

يقول الفيلسوف والعالم الألماني، إريك فروم، إن "الجشع هو حفرة من دون نهاية، تستنفد جهد الإنسان الأبدي لإرضاء حاجته، من دون أن يبلغها". وقد لا ينتهي مفهوم "الجشع"، إلا أن الانسان أو المجتمع "الجشع" سينتهي.