الجزائر... اقتصاد "أحفر أحفر"

الجزائر... اقتصاد "أحفر أحفر"

29 يناير 2020
تحولت عائدات النفط لحالة فساد لأخلاق المجتمع السياسي(ناصرالدين زيبار/Getty)
+ الخط -

أتى حين من الدهر صار الحليب مشكلة متجدّدة في حياة الجزائريين، وأزمة تعود في كل مرة لتحشر الحكومة في الزاوية، وتعري سوء التدبير، وتكشف عن خلل عميق في إدارة الشأن العام ومقدرات البلد. وبغضّ النظر عن سؤال حارق عن مدى تقبّل العقل لوجود أزمة حليب في الجزائر، ومدى توافق هذه الأزمة مع حجم البلد، كمقدرات وكمساحة زراعية ورعوية تكفي ليس لتوفير الحليب والقمح لـ43 مليون ساكن فحسب، وإنما ليكون البلد سلة غذاء لقارة بأكملها، فإنّ ثمّة علاقة كامنة بين أزمة الحليب والديمقراطية، في ما يتعلّق بغياب حكم رشيد ومشروع حكامة سياسية وتصور اقتصادي واضح.

ليس الحليب وحده ما يمثّل أزمة متجددة في حياة الجزائريين ومشكلاتهم اليومية، ثمّة أزمة سمك، وقد نسي الكثير من الجزائريين شكله وطعمه، وأزمة نقل وعلاج وبنى تحتية، وغياب للخدمات، وضعف لفضاءات السياحة والترفيه، مع أنّ نصف عقل يكفي في الجزائر لتحويل مقدرات البلد الزراعية والنفطية والسياحية إلى رفاهية للجزائريين، تستفيد منها حتى دول الجوار، أسوة بدول آسيوية وأفريقية حتى، انطلقت من تحت الصفر، ومن مستوى اقتصادي متدنٍ ونجحت في العبور إلى مصاف دول محترمة رمت خلفها مشكلات الغذاء والدواء.

ومشكلة الغذاء والدواء في الجزائر جزء أيضاً من مشكلة الديمقراطية والحكامة، وهي نتيجة لسبب مركزي يتعلّق ببناء اقتصاد نفطي قائم على تحويل عائدات النفط إلى حالة فساد وإفساد لأخلاق المجتمع السياسي، عبر توزيع الريع وشراء السلم الاجتماعي، وإهدار قيمة العمل والعلم والاستشراف والتخطيط العلمي. وهي نتيجة أيضاً لكبح الحريات من حيث تكميم الأفواه وتغييب الرأي الآخر وغلق الإعلام والتسيير السياسي للعدالة، فكل ذلك لا يتيح الفرصة للشفافية في إدارة المال والشأن العام، ولا يوفّر تكافؤ الفرص وأفضلية الابتكار أمام الجزائريين.

الأسبوع الماضي، شاهد الجزائريون واستمعوا إلى أوّل حوار تلفزيوني للرئيس عبد المجيد تبون، والذي لم يكن مطمئناً بالمرة، من حيث أنه – إضافة إلى أنه لم يحمل مشروعاً سياسياً – لم يطرح أيضاً تصوراً واضحاً لكيفية نقل البلد من اقتصاد الريع النفطي إلى اقتصاد بديل يقوم على المعرفة والابتكار وتطوير القطاعات المنتجة (السياحة، الزراعة، الصناعة، الخدمات، الطاقات البديلة، الجامعة وغيرها). ولعل أكثر ما يقلق في الموضوع إعلان تبون التوجّه نحو التنقيب عن الغاز الصخري واستغلاله، بحثاً عن موارد ريعية جديدة تدير بها السلطة المرحلة المقبلة بعد تآكل احتياطي الصرف وتراجع عائدات النفط.

بالنسبة للجزائريين، فإنّ ذلك يعني أنّ السلطة الجديدة تصرّ على اقتصاد "أحفر أحفر"، ولا تريد بذل جهد كافٍ لبناء اقتصاد معرفة، ولا تفكر في الطاقات البديلة، وأنّ تدبيرها ما زال داخل مربع الاقتصاد السهل القائم على التحوّل من آبار النفط إلى حقول الغاز الصخري ليس إلا. ومع استمرار مسودة الأخلاق السياسية نفسها للسلطة، فإنّ غد الجزائريين بالغاز الصخري لن يكون أفضل من حاضرهم بالنفط.

أنظار الشعوب المحترمة متجهة إلى السماء وبحوث الفضاء واستكشاف حيوات أخرى، إلا الجزائريين يراد لهم أن تبقى أنظارهم متجهة للأسفل ومستقبلهم مرهون في باطن الأرض.