التفاهمات الروسية التركية في سورية تترنح: النظام يُسقط الهدنة

التفاهمات الروسية التركية في سورية تترنح: النظام يُسقط الهدنة

21 يناير 2020
أكثر من مليون نسمة تركوا منازلهم بإدلب (إبراهيم درفيس/الأناضول)
+ الخط -
بعدما خرق النظام السوري عملياً الهدنة التي أعلن عنها الطرفان الروسي والتركي في الشمال الغربي من سورية في العاشر من يناير/ كانون الثاني الحالي، عبر قصف عنيف ومحاولات تقدّم في المنطقة لم تتوقّف طيلة الأيام الأخيرة، روّجت وسائل إعلام تابعة له أنه بات في "حلّ" من اتفاق الهدنة، وأنه مقبل على عمل عسكري واسع النطاق في ريفي حلب الجنوبي والغربي. عمل قد يطيح في حال حصوله، بكل التفاهمات الروسية التركية، ويُدخل محافظة إدلب ومحيطها في أتون صراع يريد النظام له أن يكون حاسماً لإخضاع هذه المحافظة التي تشكل معقل المعارضة، فيما تسعى الأخيرة لفرض معركة استنزاف كبرى لقوات النظام التي تضع عينها على الطريق الدولي "أم 5" الذي يربط شمال البلاد بوسطها.

وواصل الطيران الروسي، أمس الإثنين، قتل المدنيين في الشمال الغربي من سورية، عقب انهيار الهدنة التي بدأت هشة في الأساس. وقال مصدر من الدفاع المدني السوري لـ"العربي الجديد"، إنّ الطيران الحربي الروسي قصف منازل المدنيين في قرية كفرتعال، قرب طريق حلب إدلب في ريف حلب الغربي، ما أدى إلى مقتل ثلاثة مدنيين، بينهم طفل، وإصابة سبعة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. وأوضح المصدر أنّ الطيران شنّ ثلاث غارات على القرية عند الساعة السادسة من صباح أمس، الإثنين، مستخدماً صواريخ شديدة الانفجار، ومتسبباً بدمار كبير في منازل المدنيين. وأشار إلى أنّ فريق الإنقاذ عمل مدة ثلاث ساعات من أجل انتشال الجرحى العالقين من تحت الأنقاض، ونقلهم إلى المستشفى.

كذلك، تحدّث المصدر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة ثلاثة آخرين جراء قصف جوي روسي طاول قرية الجينة في ريف حلب الغربي. كما طاول القصف قرية الكماري ومزارع البوابية ومنطقة الشاميكو، محدثاً أضراراً مادية في ممتلكات المدنيين.

وفي السياق ذاته، قالت مصادر محلية إنّ شابة وفتاة قتلتا وجرح ثلاثة مدنيين بقصف لطائرات النظام الحربية على قرية كفرجلوم ليس بعيداً عن قرية كفرتعال في ريف حلب الغربي، مشيرةً إلى أنّ القصف تسبب بأضرار بالمنازل، ونفوق عدد من رؤوس الماشية. وأشارت المصادر إلى أنّ قريتي كفرتعال وكفرجوم تقعان على مقربة من الطرق الرئيسية في المنطقة؛ فالأولى تقع على طريق حلب إدلب، بينما الثانية تقع على طريق حلب دمشق، بالقرب من بلدة أورم الكبرى الواقعة على طريق حلب باب الهوى.

وفي الأثناء، قصفت الطائرات الروسية بالصواريخ الفراغية محيط بلدة أورم الصغرى ومنطقة الفوج 46 في ريف حلب الغربي، في تمهيد ناري يبدو مقدمة لقيام قوات النظام بعمل عسكري واسع النطاق في ريفي حلب الغربي والجنوبي دأبت وسائل إعلام النظام على الترويج له منذ أيام عدة. ومن الواضح أنّ المقاتلات الروسية تمهّد طريق قوات النظام إلى ريف حلب بقتل المدنيين، كما فعلت في ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي.

من جهتها، زعمت صحيفة "الوطن" التابعة للنظام، أنّ قوات الأخير أحبطت هجمات من قبل فصائل المعارضة على نقاط ارتكاز هذه القوات في أكثر من محور على طول جبهات القتال بريف إدلب الجنوبي الشرقي. وأشارت إلى أنّ الترقّب والهدوء الحذر يسودان جبهات غرب حلب، في انتظار انقشاع غيوم المنخفض الجوي. ونقلت الصحيفة عن مصدر في قوات النظام زعمه بقاء خريطة السيطرة على حالها قبل الهجمات على مناطق سيطرة هذه القوات قبل أيام، مشيراً إلى أنّ فصائل المعارضة تعتمد على غزارة النيران والانغماسيين والعربات المفخخة في الهجمات المضادة التي تشنها تباعاً في ريف إدلب الشرقي.

وقالت الصحيفة إنّ قوات النظام "باتت في حلّ من تعهداتها حيال الهدنة الأخيرة المعلنة"، مشيرةً إلى أنها "مقبلة على استكمال عملياتها العسكرية باتجاه معرة النعمان وسراقب وغيرها في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي، على طريق عام حماة حلب". كما أشارت مجدداً إلى أنّ قوات النظام "تستعدّ للبدء في معركة فاصلة في ريف حلب الغربي"، لافتةً إلى أنّ القصف الجوي والمدفعي "مقدمة لعملية برية الهدف منها مدّ نفوذ الجيش السوري إلى ريف حلب الغربي، لتأمين المدينة، وإلى الطريق الدولي من حلب إلى سراقب، وصولاً إلى معرة النعمان"، وفق الصحيفة.

وتسيطر فصائل المعارضة على العديد من البلدات والقرى في ريفي حلب الجنوبي والجنوبي الغربي، أبرزها: الزربة وخان طومان والعيس التي يقيم الجيش التركي نقطة مراقبة فيها. كما تسيطر الفصائل على مباني "الإيكاردا"، وهو مجمع بحوث زراعية كان يتبع للأمم المتحدة قبل أن تغلقه مع اتساع دائرة الصراع في سورية. وفي ريف حلب الغربي، تسيطر فصائل المعارضة و"هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً)، على حي جمعية الزهراء التابع للمدينة، وضاحية الراشدين، وبلدات: خان العسل، دارة عزة، الأتارب والمنصورة. أما في الشمال الغربي من حلب، فتسيطر الفصائل و"الهيئة" على حي الليرمون وعلى مدن وبلدات: كفر حمرة، حريتان، عندان، بيانون، حيان، معارة الأرتيق.

في غضون ذلك، تحدّثت وزارة الدفاع الروسية عن تعرّض قاعدة "حميميم" التي تتمركز فيها قواتها في محافظة اللاذقية على الساحل السوري، غربي البلاد، ليل الأحد - الإثنين، لمحاولة هجوم بالطائرات المسيّرة. وقالت الوزارة في بيان لها، إنها دمرت ثلاث طائرات بأنظمة الدفاع الجوي الروسية، حاولت شنّ هجوم من الجهة الشمالية الشرقية للقاعدة، موضحةً أنه لا توجد خسائر بشرية أو مادية فيها. ولم يعلن أي فصيل مقاتل في المعارضة السورية أو "هيئة تحرير الشام" المسؤولية عن تسيير الطائرات باتجاه قاعدة "حميميم" التي لطالما تعرّضت لهجمات بطائرات مسيّرة خلال العامين الأخيرين.

من جانبها، زعمت وكالة "سانا" التابعة للنظام، أنّ المضادات الأرضية أسقطت، مساء الأحد، طائرات مسيّرة باتجاه مطار "حميميم" بريف اللاذقية، مدعيةً أنّ هذه الطائرات أُطلقت من مناطق في ريف إدلب باتجاه المطار. وأشارت إلى أنّ المضادات الجوية أحبطت على مدى الأشهر الأخيرة عشرات الاعتداءات بطائرات مسيرة على مطار حميميم.

في موازاة ذلك، تحاول فصائل المعارضة السورية تكبيد قوات النظام خسائر جمة في أرواح مسلحيها وفي المعدات، في سياق حرب استنزاف من أجل منع هذه القوات من التقدّم أكثر في عمق محافظة إدلب، معقل المعارضة السورية البارز. وأعلنت "الجبهة الوطنية للتحرير"، أكبر تجمع لفصائل المعارضة في محافظة إدلب، عن مقتل وجرح 44 عنصراً لقوات النظام بهجوم شرق إدلب، شمالي سورية.

وقالت الجبهة في بيان، إنّ 19 عنصراً، بينهم ضابط، من قوات النظام قتلوا، الأحد، في حين جرح 25 آخرون، كما جرى تدمير دبابة وعربة "بي أم بي" ومدفع رشاش بهجوم شنه مقاتلوها على قرية أبو دفنة، من دون ذكر تفاصيل إضافية.

على الصعيد الإنساني، حذّر مدير الدفاع المدني السوري المعروف بـ"الخوذ البيضاء"، رائد الصالح، من كارثة إنسانية كبيرة تهدد إدلب، بسبب استمرار هجمات قوات النظام وحلفائه، بهدف تفريغ المنطقة من سكانها للسيطرة عليها. وأشار الصالح، في مقابلة مع وكالة "الأناضول"، إلى أنّ "هناك سياسة واضحة من قبل النظام وروسيا تقوم على إخلاء المنطقة من سكانها للسيطرة عليها"، مضيفاً: "كل حملة قصف تبدأ بالمنشآت الحيوية والمستشفيات ومحطات المياه والكهرباء، ثمّ الأسواق والأحياء السكنية، لإخلاء المنطقة من سكانها".

وأوضح الصالح أنّ هناك أكثر من مليون نسمة تركوا منازلهم منذ إبريل/ نيسان الماضي، عندما بدأ التصعيد العسكري على الشمال الغربي من سورية. وأكد أنّ هناك كارثة تنتظر هذه المنطقة في حال استمرت قوات النظام في التقدّم في محافظة إدلب، مشيراً إلى أنّ النازحين بحاجة لدعم بملايين الدولارات لمواجهة أعباء النزوح، ومحذراً من موجات هجرة جديدة باتجاه أوروبا في حال استمرار التصعيد العسكري.