التحقيق بقتل المتظاهرين العراقيين: لجان تدفن الحقيقة

12 مايو 2020
الصورة
شهدت مدن عراقية مجازر بحق المتظاهرين (أحمد الربيعي/فرانس برس)
يُعد ملف التحقيق بقتل المتظاهرين منذ انطلاق الاحتجاجات العراقية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الأكثر حساسية في البلاد حتى اليوم، مع تسريبات تؤكد تورط ضباط وقادة في الأجهزة الأمنية، وكذلك قيادات وعناصر في بعض المليشيات المسلحة المدعومة من طهران، في قمع التظاهرات وقتل المحتجين. وبعد مرور سبعة أشهر على أول إعلان رسمي عراقي صادر عن حكومة عادل عبد المهدي، في 12 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بتشكيل لجنة تحقيق عليا بجرائم قمع التظاهرات، إلا أن أي نتائج لم تظهر. كما أن عمل اللجان توقف، من دون أن تكشف عن حصاد تحقيقاتها. بينما صدر أمر قضائي يتيم باعتقال قائد الجيش في ذي قار الفريق جميل الشمري، بعد ثبوت إصداره أوامر إطلاق النار على المتظاهرين، لكنه لم يُنفذ، وما زال الشمري يعمل بعد إعادته إلى مقر وزارة الدفاع في بغداد.

لكن رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي أصدر، السبت الماضي، قراراً بإطلاق سراح جميع المتظاهرين المعتقلين، وتشكيل لجنة قانونية عليا لتقصي الحقائق في كل الأحداث التي حصلت منذ الأول من أكتوبر/ تشرين الأول وحتى اليوم، و"بما يحقق العدل والإنصاف ومحاسبة المقصرين تجاه الدم العراقي وتعويض عوائل الضحايا ورعاية المصابين"، بحسب بيان صدر عن مكتب رئيس الحكومة. وعلى الرغم من أنه لا يزال مبكراً الحُكم على اللجنة التي شكّلها الكاظمي، لكن مصيرها لا يبدو أنه سيكون مختلفاً عن تلك التي سبقتها، وهو ما يلمح إليه مصدر مقرب من الكاظمي، قال لـ"العربي الجديد"، إن "هناك جهات سياسية وأخرى مسلحة مقربة من طهران، أوصلت إشارات للكاظمي تحذره من أن عبد المهدي وأعضاء مكتبه ومساعديه خارج نطاق التحقيقات التي أمر بها".

مئات القتلى

ووفقاً لمعلومات خاصة حصلت عليها "العربي الجديد"، فإن آخر حصيلة متوفرة لدى وزارة الصحة الاتحادية في بغداد، تشير إلى أن مجمل ضحايا التظاهرات العراقية، منذ انطلاقتها في الأول من أكتوبر الماضي، بلغت قرابة الـ700 ضحية، بينهم نحو 40 ناشطاً بارزاً قضوا اغتيالاً. وتتصدر العاصمة بغداد أعداد الضحايا، تليها الناصرية العاصمة المحلية لمحافظة ذي قار جنوبي العراق، ثم مدينة كربلاء، والنجف، تليها البصرة وميسان جنوبي البلاد أيضاً. وارتفعت هذه الحصيلة في الأسبوع الأخير من المواجهات قبل تفشي جائحة كورونا في العراق، والتي تسببت بانحسار التظاهرات، لتصل إلى ما لا يقل عن 27 ألف مصاب، بقنابل الغاز والرصاص الحي، وبنادق الصيد.

وعلى مدى التظاهرات، وما رافقها من عمليات قمع مفرط، شهدت مدن عراقية مجازر بحق المتظاهرين، راح في كل واحدة منها عشرات القتلى والجرحى، من أبرزها مجزرة ساحة الفلاح في مدينة الصدر ببغداد، وقنص المتظاهرين قرب مستشفى الجملة العصبية ومول النخيل شرقي بغداد، ومجازر ساحة الحبوبي في الناصرية، والسنك والخلاني في بغداد، وساحة التربية في كربلاء، و"مجسر ثورة العشرين" في النجف، وهي جرائم تعهدت السلطات العراقية حينها بفتح تحقيقات فيها، بعد موجة غضب عارمة وتنديد من قبل مراجع دينية في النجف، تقدمهم المرجع الأعلى علي السيستاني.



وتراجعت أعداد المحتجين في بغداد ومدن وسط وجنوب العراق، بعد جائحة كورونا. وقررت لجان التظاهرات الإبقاء على المعتصمين فقط في الساحات والميادين التي يتواجدون بها، لمنع استعادة القوات العراقية السيطرة عليها. كما أطلق ناشطون ومتظاهرون، في بغداد ومدن جنوب ووسط العراق، حملة واسعة، كانت بدايتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سرعان ما انتقلت إلى ساحات وميادين التظاهرات، عبر لافتات وصور كتب عليها "راجعين بعد الحظر"، و"مليونية بعد كورونا"، في إشارة إلى معاودة التظاهرات فاعليتها مجدداً بعد انتهاء الأزمة الصحية والوبائية.

وقال عضو في لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، إن "مصير لجان التحقيق في قتل المتظاهرين، أصبح مشابهاً للجان التحقيق بقضايا سقوط الموصل وصفقة السلاح الأوكراني الفاسد ومجزرة سبايكر وغيرها من الجرائم. فهذه اللجان تشكلت أساساً من أجل إسكات الشارع وغضب المرجعية". ولفت إلى أن "لجان التحقيق في قتل المتظاهرين، كانت على ثلاثة مستويات، حكومية وقضائية عبر الادعاء العام، وأخرى فرعية في المحافظات التي حدثت فيها جرائم قتل وقمع المتظاهرين. كما تطوع البرلمان لتشكيل لجان للتقصي كونه جهة غير تنفيذية". وأضاف "بعض هذه اللجان وصلت إلى حقائق وبالأدلة عن تورط ضباط وجنرالات ومسؤولين في مكتب عبد المهدي، وجهات سياسية أيضاً، وفصائل مسلحة ضمن الحشد (الشعبي)، من الولائية تحديداً، بقتل المتظاهرين وخطف واغتيال الناشطين. لكن حسابات سياسية، وضغوطاً أعلى من قدرة القضاء، أخمدت تلك التحقيقات وأغلقت العمل بها. بل وحتى على مستوى الإعلام المحلي بات غير مرغوب من الصحافي البحث بها أو إثارتها".

من جهته، قال عضو مجلس مفوضية حقوق الإنسان في العراق علي البياتي، لـ"العربي الجديد"، إن "اللجنة العليا للتحقيق بعمليات قتل وقمع المتظاهرين، من قبل الحكومة العراقية، أكدت واعترفت بأن هناك جهات حكومية قتلت واستهدفت المتظاهرين، بطرق مختلفة، بقنابل الغاز المسيل للدموع، والرصاص الحي، وعمليات القنص، وغيرها. وهذا الاعتراف كافٍ ليتسلم القضاء التحقيقات لمحاسبة ومُعاقبة كل متورط بهذا الملف". ولفت البياتي إلى أن "القضاء العراقي شكّل لجان تحقيق في المحافظات، وعلى ضوء هذه التحقيقات صدرت مذكرة قبض بحق أحد القادة العسكريين بمحافظة ذي قار، لكنها لم ينفذ حتى الساعة. ولغاية اليوم لم نسمع أو نطلع على عمل هذه اللجان، والى أين وصلت وماذا كشفت؟ والغريب في الأمر، أن هناك بعض الضباط صدرت بحقهم عقوبة بسبب التقصير في حماية المتظاهرين، أعيدوا من جديد وتسلموا مناصب أمنية عليا".

ورأى أن "الإجراءات القضائية التحقيقية يجب أن تبدأ بالتحقيق مع القائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي، ثم إلى الأدنى مع قيادة العمليات في كل محافظة، ثم قادة القواطع الأمنية كل حسب مسؤوليته، فربما يكون هناك ضباط لديهم توجهات سياسية، ونفذوا بعض الأعمال وفق توجيهات سياسية لهم. هذا الأمر يجب أن يُكشف وفق تحقيقات جدية". وشدد على أن "القضاء مُطالب بكشف أين وصلت تحقيقاته بملف قتل المتظاهرين. فقد مرت أشهر على هذه التحقيقات من دون كشف مصيرها، على الرغم من أن التحقيقات القضائية، حسب اطلاعنا عليها، أثبتت تورط جهات حكومية بعمليات القتل والقمع". وأكد البياتي أن "مجلس مفوضية حقوق الإنسان في العراق، أحال أكثر من 200 قضية من عمليات القتل والقمع والخطف والاغتيال، إلى الادعاء العام والجهات القضائية، لكن حتى الساعة لم تصدر أي نتائج حول هذه التحقيقات من الجهات القضائية المختصة". وكشف أن "لجان التحقيق القضائية في المحافظات، أحالت ملف تعويض الشهداء إلى مؤسسة الشهداء، وهذا أمر غريب، فقانون هذه المؤسسة يتعامل مع ضحايا الإرهاب والعمليات والأخطاء العسكرية. فهل ضحايا التظاهرات من ضحايا الإرهاب؟ وإذا حُسبوا وفق الأخطاء العسكرية، فهذا يعني أن هناك أوامر بعمليات عسكرية ضد مناطق التظاهر، وهذه كارثة". ولفت إلى أن "مؤسسة الشهداء تسلمت ملفات تعويض شهداء التظاهرات من اللجان التحقيقية، وتم صرف تعويضات قليلة جداً لبعض العوائل، لا تتناسب مع الوضع. كما أن غالبية شهداء وجرحى التظاهرات من الطبقة الفقيرة، والذين خرجوا من أجل إيجاد فرصة عيش كريمة".

إخفاء الحقائق

أما النائب عن محافظة المثنى باسم خشان فقال، لـ"العربي الجديد"، إن "لجان التحقيق، التي شُكلت، جاءت بهدف عدم كشف الحقائق، وإخفاء هوية قتلة المتظاهرين الحقيقيين، خصوصاً أن هناك جهات أمنية وحكومية وسياسية متورطة بهذه العمليات، وهي متنفذة بشكل كبير. ولهذا لم يتم الكشف عن أي نتائج بشأن عمليات قتل المتظاهرين وقمعهم". ورأى أن "القضاء العراقي ليس بعيداً عن الضغوط والتهديدات السياسية، ولهذا لا نجد أي دور له في كشف نتائج قتلة المتظاهرين. لا يمكن للقتلة أن يسمحوا لأي جهة بفتح هذا الملف وكشف الحقائق أمام الرأي العام والدولي، على الرغم من أن هذه الحقائق واضحة للجميع".

من جهته، قال القيادي في "جبهة الإنقاذ والتنمية" أثيل النجيفي، في اتصال مع "العربي الجديد"، إن "كل الأزمات والقضايا التي حدثت، من سقوط الموصل ومجزرة سبايكر إلى قتل المتظاهرين وغيرها، سببها مجموعة سياسية، لا تزال مسيطرة وحاكمة في العراق". وأضاف "لن نرى أي تحقيق نزيه في كل القضايا والأزمات التي مرت على البلاد خلال السنوات الماضية، إلا إذا تغير الوضع السياسي، ووصلت إلى السلطة مجموعة غير الحالية، المتمثلة بالقوى المقربة والمدعومة من طهران". ورأى النجيفي أن "القوى التي تحكم هي التي تُحرك كل أجهزة الدولة، سواء كانت لجان التحقيق أو حتى الأجهزة القضائية. وقد يكون هناك بعض القضاة غير موالين لهذه القوى ولا يستمعون لهذه الكتل السياسية، لكن تبقى السيطرة العليا لهذه الكتل، التي تستطيع إبعاد أي قاضٍ غير مناسب لها". وتابع "عندما ندعي أن هناك لجنة تحقيق ستتشكل وستصل إلى نتيجة نضحك على الشعب العراقي. نحن في الحقيقة ندور في دوامة فارغة". وقال "الكل ينتظر تغييراً جذرياً في الطبقة الحاكمة، حتى يتم الوصول إلى الحقيقة في الجرائم التي ارتكبت بحق العراقيين طيلة السنوات الماضية".

في السياق، قال رئيس "مركز التفكير السياسي" إحسان الشمري، في حديث مع "العربي الجديد"، إنه "لا يمكن الوثوق بالتحقيقات التي أجرتها اللجان المشكلة من قبل عبد المهدي، خصوصاً أن الحكومة كانت هي الطرف المقابل للمتظاهرين"، مضيفاً "سبب من أسباب سقوط عبد المهدي أنه لم يتعاط مع دم المتظاهرين بشكل جدي، وهذا كشف عن تواطؤ أو عدم اهتمام كبير في كشف قتلة المتظاهرين". وتابع "حتى مرجعية النجف، المتمثلة بالسيستاني، لمحت إلى هذه القضية، عندما طالبت أكثر من مرة بضرورة الكشف عن هذه التحقيقات، وتقديم الجناة إلى المحاكم العراقية". وأكد أن هناك إرادة سياسية لعدم الكشف أو إدانة الفاعل الحقيقي لقتل المتظاهرين، والجهات المتورطة، خصوصاً أن ملف قتلة المتظاهرين تحول إلى سياسي أكثر مما هو قضائي، وحتى طبيعة الأوامر التي صدرت بنقل وإعفاء عدد من القادة الأمنيين والعسكريين لم تُلب الطموح، والكثير من هؤلاء أصلاً كانوا محالين على التقاعد، وبلغوا السن القانونية.

وشدد الشمري على أنه "يجب إعادة تشكيل لجان التحقيق من قبل الحكومة العراقية الجديدة. إن عدم الوصول لحقيقة القاتل من قبل الحكومة المستقيلة، يحتم على الحكومة الجديدة سرعة الكشف عن قتلة المتظاهرين"، مضيفاً "يجب على الادعاء العام أن يتحرك بهذا الملف المهم، خصوصاً أننا لاحظنا أنه تحرك في أكثر من قضية، على الرغم من أن الادعاء العام أكد في وقت سابق أنه ليس من صلاحيته ملاحقة بعض الجهات، أو الدفع بالشكوى بالحق العام في بعض القضايا من الجرائم". وتوقع أن يكون "ملف التحقيق في قتل المتظاهرين شائكاً، فهناك جهات سياسية تتخوف من إعادة تفعيله من قِبل الحكومة الجديدة، لكن في الوقت نفسه سيكون محفزاً لحركة احتجاجية أقوى".