التأمين الصحي في فلسطين.. نقص الدواء وضعف الفعالية

24 يونيو 2016
الصورة
التأمين الصحي الفلسطيني أكثر فائدة للمصابين بأمراض خطرة (الأناضول)
تدفع الخمسينية أمية عبد القادر، 200 شيكل شهريا (52 دولارا)، ثمنا لأدوية وفحوصات دورية غير متوفرة في وزارة الصحة الفلسطينية، إذ أصيبت باعتلال كلوي، ما ضاعف من معاناتها الصحية المتفاقمة بسبب إصابتها بالسكري والضغط.

"رغم أن لدي تأمينا صحيا مجانيا من الشؤون الاجتماعية، فإنني أعاني من جراء عدم توفر الأدوية لدى وزارة الصحة، وبالذات الأنواع مرتفعة السعر" تقول الحاجة أمية التي تعيش في بلدة ترقوميا غرب محافظة الخليل، والأمر ذاته تكرر مع المسن الخليلي محمد الجعبري (70 عاما)، والذي يعاني هو الآخر من مرض كلوي، وعلى الرغم من أن لديه تأمينا صحيا حكوميا، إلا أنه يدفع شهريا 120 شيكلا (31 دولارا) لشراء الأدوية غير المتوفرة في وزارة الصحة.


تضاعف نسبة الإنفاق الذاتي على الصحة

وثق معد التحقيق، 10 شهادات عن معاناة المرضى والمراجعين، الذين تثقل كاهلهم أسعار الأدوية التي يضطرون لابتياعها خارج التأمين الصحي، أو من يضطرون إلى دفع مبالغ مالية من جراء إجراء فحوصات أو أشعة، على نفقتهم الخاصة لعدم توفرها في المشافي الحكومية، على الرغم من اشتراكهم في التأمين الصحي الفلسطيني. ومن بين هؤلاء أبو أنور الشريف، والذي يحمل بطاقة تأمين اتحاد نقابات عمال فلسطين، ويدفع 600 شيكل (156 دولارا) سنويا كرسوم اشتراك.

يقول الشريف لـ"العربي الجديد": "احتجت لإجراء فحص تدفق الهواء في الرئة (Spirometry)، اضطررت لإجرائه على حسابي الخاص خارج المشفى الحكومي الذي ذهبت إليه، لعدم توفر الأجهزة اللازمة به، دفعت 150 شيكلا (39 دولارا)، ناهيك عما أدفعه لشراء الأدوية الشهرية الخاصة بي من خارج وزارة الصحة لعدم توفرها أيضا".

الشريف وأمية والجعبري ليسوا بمفردهم، إذ تنشر الصحف الفلسطينية بشكل دوري، مناشدات من مرضى يطلبون مساعدات مالية لعلاجهم على الرغم من امتلاكهم بطاقات التأمين الصحي، التي تغطي تأمينيا 50% من المواطنين في الضفة الغربية و100% في قطاع غزة، كما تغطي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين 30% من احتياجات المواطنين في الضفة، وتوفر 70% ضمن خدمات الرعاية الصحية الأولية بشكل أساسي، في حين تبلغ نسبة مساهمة القطاع الخاص في التأمين الصحي 20% تقريبا، وفقا لدراسة صندوق الأمم المتحدة للسكان.

وعلى الرغم من تغطية شريحة كبيرة جدا من المجتمع الفلسطيني بمظلة التأمين الصحي، كما يقول الدكتور علي الشعار، مسؤول البرنامج الوطني لصندوق الأمم المتحدة للسكان، "إلا أن الدراسات تشير إلى أن نسبة الإنفاق الذاتي على الصحة في فلسطين تصل إلى 40%، وهي نسبة عالية جدا بحسب معايير منظمة الصحة العالمية، التي تصف نسبة الإنفاق الذاتي من قبل المواطن على الصحة في حال بلوغها نسبة (20 % أو 25% )، ضمن حد الإنفاق الكبير على الصحة أو حد الإفقار، بسبب حاجة المواطن للإنفاق على العلاج رغم إدراجه ضمن خدمات التأمين الصحي الوطني الذي يعطيه الحق بأن تقوم الدولة بتأمين العلاج، وهو ما يعني أن المواطن في هذه الحالة قد يضطر بسبب التكاليف التي لا يستطيع تغطيتها إلى الاستدانة أو بيع ممتلكات أساسية، بسبب أن نظام التامين الصحي الفلسطيني لا يزال فضفاضا لدرجة كبيرة، وسلة الخدمات الموجودة ليست واضحة".

مدير عام التأمين الصحي: نسبة 40% مرفوضة

يرفض مدير عام التأمين الصحي في وزارة الصحة نزار مسالمه، طريقة احتساب نسبة الإنفاق الذاتي على الصحة في فلسطين والمقدرة بـ(40%) وفقا لدراسة منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع وزارة الصحة  الفلسطينية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

ويشرح مسالمة أسباب رفضه بالقول "تحديد هذه النسبة اعتمد على ارتفاع عدد المراجعين للأطباء في العيادات الخاصة، وزيادة نسبة استهلاك الأدوية وأسعارها، إذ إن بعض المواطنين يفضلون الحصول على الأدوية المستوردة، كما أن عدد مقدمي الخدمة في فلسطين كبير، بحيث يمكن للمواطن أن يتوجه لكل من عيادات وكالة الأونروا والحكومة والطبيب الخاص للحصول على الأدوية بسبب تعدد أنواع التأمين الذي يتمتع به" على حد قوله.
ويتابع موضحا "بعض المراجعين لديهم تأمين الخدمات الطبية العسكرية والذي يمكنهم من الحصول على الأدوية، وتأمين خاص أو وكالة يمكنهم كذلك من الحصول على الأدوية، أي أنهم حائزون على أكثر من تأمين صحي، وهو ما يرفع من نسبة الإنفاق على الصحة"، مشيرا إلى أن قائمة الأدوية الأساسية التي تقدمها وزارة الصحة تصل إلى 587 صنفا، وهي قائمة كبيرة جدا، خاصة إذا ما علمنا أن قائمة منظمة الصحة العالمية تضم 372 صنفا دوائيا.

وعلى الرغم من القائمة الكبيرة للأدوية المقدمة عبر وزارة الصحة، إلا أن شهادات مراجعي التأمين التي وثقها معد التحقيق، تؤكد أن الأدوية التي يحتاجونها (خاصة باهظة الثمن)، تغيب عن مشافي وزارة الصحة، كما يضطرون لدفع أثمان فحوصات خارج مراكز وزارة الصحة نظرا لعدم توفرها أيضا، ويعقب على ذلك مدير عام التأمين الصحي قائلا لـ"العربي الجديد": "من المهم عدم إغفال قلة ثقة المواطن في الخدمة المقدمة من جهة، أو رغبته في الحصول على الخدمة سريعا من جهة أخرى، بحيث يلجأ للقطاع الخاص كي لا يضطر لانتظار الدور في العيادات ومشافي ودوائر وزارة الصحة".


وبحسب مختص في التأمين الصحي (تحفظ على ذكر اسمه)، فإن التأمين الصحي غير فعال في حالة المصابين بالأمراض غير الخطرة، ويقول الطبيب لـ"العربي الجديد":"قد يضطر المريض لشراء الدواء، غير المدرج في إطار قائمة الأدوية التي يغطيها التأمين، أو إجراء الفحوصات على حسابه الشخصي، في حال غيابها على الرغم من أن لديه أكثر من نوع من التأمين الصحي في آن، بالمقابل فإن أي شخص لا يملك تأمينا صحيا وتعرض لجلطة فجائية على سبيل المثال، يستطيع عمل تأمين صحي بـ600 شيكل، ليحصل على خدمة طبية قد تزيد تكلفتها على 40 ألف شيكل (10500 دولار) أي أن فائدته الحقيقية تكون في حالة الأمراض الخطرة". وهو ما يتفق معه نزار مسالمة بشكل جزئي، قائلا "في حالة الأمراض الخطرة مثل السرطان على سبيل المثال، يستفيد المواطن بشكل كبير من التأمين الصحي"، غير أن مسالمة، ووفقا لما رصده، يرى أنه في الحالات التي قد تشترك وقت الإصابة بمرض خطير قد لا يُجدد تأمين المريض مع انتهاء حصوله على الخدمة.

ولفت إلى أن العديد من الشركات الخاصة التي تؤمن على موظفيها، لا تغطيهم في الأمراض الخطيرة كالسرطان، علما أن تكلفة علاج المواطنين من السرطان وحدها، تزيد على 100 مليون دولار سنويا ويتحملها التأمين.


300 مليون شيكل إيرادات حتى نهاية 2015

يستعرض نزار مسالمه أنواع التأمين الصحي المقدمة من وزارة الصحة، سواء تلك التي تتم عبر الاشتراكات أو التأمينات المجانية، قائلا "التأمينات التي تتم عبر الاشتراكات والرسوم السنوية هي (تأمين النقابات المهنية وعمال الخط الأخضر)، ويقارب عدد المشتركين 85 ألف حائز على بطاقة التأمين، ويدفع كل منتسب 600 شيكل سنويا. كذلك (تأمين موظفي الحكومة، ويبلغ عدد المشتركين 64968 والبلديات 5065 مشتركاً والاشتراكات الجماعية 5577 مشتركاً)، وهؤلاء يستقطع 5% من رواتبهم، على ألا يزيد الحد الأعلى للمبلغ المستقطع عن 75 شيكل شهريا، وعليه فإن مقدار الإيراد السنوي لخزينة السلطة من التأمين الصحي، 200 مليون شيكل سنويا تضاف إلى 100 مليون شيكل أخرى حتى نهاية العام 2015 (إجمالي المبلغ يصل إلى 78.5 مليون دولار).

ويتابع مسالمة، توجد خمسة أنواع من التأمين المجاني، هي "تأمين العاطلين عن العمل"، وعددهم ما بين 39 إلى 40 ألفاً، غير أن هذه الفئة تسللت إليها أعداد كبيرة من غير المستحقين، لدرجة أن عدد بطاقات التأمين مع نهاية عام 2014 بلغ 220 ألف بطاقة، وهو ما دفع وزارة الصحة لتخفيض العدد وإلغاء أكثر من 35% من عدد البطاقات بالتعاون مع الجهات المعنية.

النوع الثاني من التأمينات المجانية، هو قرار التأمين المجاني لكل سكان قطاع غزة، والثالث هو تأمين اتحاد المعاقين وتم إصدار 15 ألف بطاقة تأمين مجانية ضمن هذا النوع في الضفة الغربية، بحسب مسالمة، والنوع الرابع هو تأمين الأسرى وأسر الشهداء، وبلغ عدد البطاقات الصادرة من هذا النوع 12 ألف بطاقة، والنوع الأخير هو تأمين الشؤون الاجتماعية، ويبلغ عدد من يتمتعون به 34 ألف بطاقة تأمين صحي لعائلات مصنفة كحالات اجتماعية، من بين 125 ألف حالة مسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية.


كيف يتم تطوير قطاع التأمين الصحي؟

يرى الباحث جهاد حرب في دراسة أصدرها الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)، في عام 2014 بعنوان (بيئة النزاهة في التحويلات للعلاج خارج إطار مؤسسات وزارة الصحة)، أن ضعف التمويل المرتبط بالتأمين الصحي يعد من المشكلات المؤثرة في التأمين الصحي الفلسطيني، لافتا إلى أن سكان قطاع غزة يتمتعون بتأمين صحي مجاني بنسبة 100%، وهو ما يؤكد الحاجة إلى تطوير نظام التأمين الصحي، بحيث يكون شاملا وقادرا على التمويل ويحقق العدالة والتكافل، إضافة إلى وجوب تطوير وتحسين الخدمات المقدمة داخل مستشفيات وزارة الصحة.

أما عضو المجلس التشريعي الدكتورة سحر القواسمة، والتي سبق لها أن شاركت في جلسة النقاش الخاصة بالدراسة التي عرضتها (أمان) آنفة الذكر، فتتفق مع حرب في أن نسبة المساهمة والمشاركة في تغطية التأمين الصحي من قبل الحكومة ما بين الضفة وغزة تختلف، وهو ما يمثل خللا يجب إعادة النظر فيه، وأكدت أهمية التوجه نحو التأمين الصحي الشامل الذي تبنته منظمة الصحة العالمية، بحيث يشمل جميع المواطنين وتكون المساهمة فيه متساوية للجميع (بحسب سنوات التأمين) وبشكل مدروس لا يؤدي إلى عبء اقتصادي على جيوب المواطن، الأمر الذي سيؤدي للعدالة من جهة، وينعكس إيجابا على الدخل القومي الفلسطيني من جهة أخرى.

ويوافقهما القول الدكتور علي الشعار، والذي ربط ما بين إحكام نظام التأمين الصحي بالتحويلات الطبية للعلاج، قائلا:"يجب أن نبني نظام تأمين صحي محكماً عادلاً ومعقولاً، يغطي الجميع بشكل متساو، إذا ما أردنا نظام تحويلات عادلا ومنصفا للجميع، ( بمعنى أن يأخذ النظام الصحي حقه مني كمؤمّن، وأن يعطيني في ذات الوقت كل حقوقي الخدماتية)، كي لا نضطر لتحويل مريض من أجل دواء بـ100 شيكل إلى مشفى يحصل من التأمين على خمسة آلاف شيكل، وهذا الإحكام يتم بالتوازي مع حلول جزئية أخرى كتدريب الكوادر ورفد القطاع الصحي بالكفاءات والمهارات التقنية في التخصصات المفقودة، إضافة إلى وجود سلة خدمات واضحة المعالم ومبنية على إمكانات الدولة، علما أنه ليس بالضرورة أن يكون إحكام التأمين الصحي عن طرق رفع مساهمة المواطن أو رفع الرسوم، فلا يجوز كلما أردنا أن نزيد في إيرادات الدولة، أن نستمر في اللجوء للمواطن عبر فرض مزيد من الرسوم أو الضرائب.

وتابع "علينا الموائمة ما بين التأمين الصحي وإيراداته والتحويلات على سبيل المثال، وما بين الأدوية والإنفاق عليها والاحتياجات الحقيقية للمجتمع الفلسطيني، بحيث نقول إننا بتنا قادرين على تقديم الخدمات الأساسية للجميع، الأمر الذي يساهم في توطين العلاج من جهة، وفي توسيع سلة الخدمات المقدمة تدريجيا من جهة أخرى".

غير أن مدير عام التأمين الصحي في وزارة الصحة، يؤكد أنه من دون رفع عدد المؤمّنين ممن يدفعون رسوم التأمين، وخفض أعداد الحاصلين على التأمينات المجانية بدون وجه حق، سواء كانت للعاطلين عن العمل أو غيرهم، فإن الوزارة لن تتمكن من الوصول لمساهمة أكبر في علاج المواطنين، الأمر الذي قد يشكل التوجه نحو برنامج طب العائلة حلا له، إذ بموجب هذا الإجراء يصبح للمواطن سجلا طبيا واحدا في وزارة الصحة، يمكنه من صرف الأدوية، من خلال البرنامج الإلكتروني للنظام التأميني المحوسب في الضفة الغربية، والذي تعمل عليه الوزارة ضمن مشروع للبنك الدولي تصل ميزانيته إلى ثلاثة ملايين وأربعمئة ألف دولار.