البطولة السينمائية النسائية عام 2019: جمالٌ وقوّة

13 سبتمبر 2019
الصورة
إيزابيلا مونْر: شابة سمراء فاتنة (كريستوفر بولك/Getty)
على واجهة مجمّع سينمائي في كازابلانكا، هناك 12 ملصقًا لـ12 فيلمًا جديدًا، ثلثاها ترتكز على بطولة شابّات من خارج الفضاءات النسائية التقليدية. أفلام تعرض بورتريهات نساء لمجتمع ما بعد حداثيّ، تبتعد فيه المرأة عن المطبخ. بورتريهات نسوية بجمالٍ فاتن، وقوّة عضلية ساحقة تضمن النصر. 

في "زحف (Crawl)" الذي أخرجه ألكسندر آجا عام 2019، تواجه البطلة هالاي كيلر (كايا سكوديلاريو) مأزقًا، لأن الأحداث تجري في مكان مغلق، وفي زمن ضيّق. هذان شرطان أساسيان لكلّ توتر سردي. هناك سردية مقروءة للمتلقّي، في سياق مقروء. السياق: تتعرّض ولاية فلوريدا لإعصار مدمِّر وفيضانات وحوادث سيارات. يبني السكّان ملاجئ يحتمون فيها. تدخل السينما على الخط. يشتبك المخرج مع اللحظة، ويستخدم هذا السياق لحسابه. بالتالي، يعفي سرده من الشروح التي تكسر إيقاع السرد. ملجأ بيت أسرة مفكّكة تقتحمه حيوانات برمائية مفترسة. ترتفع المياه 3 أمتار، فتغرق الملاجئ. هذا يفرض على الفرد الخروج من مخبئه للتنفّس، فيكتشف أنه أمام عدو مفترس.

في ذلك المكان الضيق، هناك شابّة تحاول إنقاذ أبيها، رغم علاقتهما السيئة. العلاقة أعمق من الخلافات العابرة في أُسرٍ مفكّكة. يهيمن معجم الافتراس على حوار الشابّة السبّاحة ووالدها. في ذلك المكان الضيّق، تنجح حيل السرد وألاعيبه في نصب كمائن استثنائية مشوّقة للمتفرّج. كمائن وأفخاخ ومطاردات وجولات تشدّ الأنفاس أثناء الهروب من الموت. بين هدنة وأخرى، يلوذ الفرد بمخبئه ليحدّث نفسه. في خلوته الإجبارية، يحاسب البطل ماضيه لتصفية علاقته بنفسه، وبمن حوله.

في "كراول"، هناك حبكة ذات إيقاع سريع، تنبض بالحياة، وتندفع إلى الأمام بقوّة، خصوصًا في النصف الثاني منه، بفضل وضوح أسباب الصراع، وهو صراع من أجل البقاء. أي إنّه صراع حياة أو موت.

يمكن تعلّم الكثير عن فنّ السرد في الأفلام التجارية المحبوكة باحترافية. المخرج ابن ناقدة سينمائية ومخرج سينمائي.
بخلاف أسلوب "كراول"، يُقدّم الفرنسي لوك بوسون جديده "آنّا"، عن جاسوسة روسية. فيه لمسة تعقيد سرد فرنسية، تُشوّش على المُشاهد. يروي المخرج حدثًا، ثم يرجع إلى الوراء ليقول إنّ هناك سرًا ناقصًا. يكشف السرّ بواسطة الـ"فلاش باك". كأنّ هذا كلّه لا يكفي، فيكتب المخرج تباعًا على الشاشة: بعد 3 أعوام، قبل 5 أعوام، إلخ. يتكرّر هذا 4 مرّات على الأقلّ. هذا قفز زمني متكرِّر، يُضعف انسيابية الحكي، واحتمال تصديقه.

"آنّا" فيلم مشتّت، زمنيًا ومكانيًا، على مدى ساعتين. تعشق آنّا الشطرنج. لكن الحبكة بعيدة عن قواعد الشطرنج، كما في شرح سوسور وبارت وبروب. تجري أحداث الفيلم، المُفكّك، في أمكنة جدّ متباعدة، وفي سياق جيوسياسي مجهول وغريب عن متفرّج شاب غير مسيّس. هذا يُعقّد تماهي المتفرّج مع الشخصية الرئيسية، التي لا يفهمها جيدًا. لتسلية غير المسيّسين، يقدّم الفيلم شخصية دمية خارقة ذات جمال مفرط ومدهش. تنجو الدمية من مطاردة جيش بكامله. تغادر مقر الـ"ك. ج. ب." بأسلوب عجيب لا يصدَّق.

آنًا (ساشا لوسّ) جاسوسة روسية، تحفظ تشيكوف واستشهادات كاسباروف، ويعشقها عميلان، سوفييتي (ك. ج. ب.) وأميركي (سي. آي. إي.). حقّقت معجزة. هذه لا تشبه "آنّا كارينينا" التي أبدعها تولستوي، واقتبسها جو رايت للسينما بالعنوان نفسه، عام 2012. آنّا ابنة ضابط تُقتل بلا رحمة، لذا لا تملك جاذبية "آنّا" تولستوي، الرومانسية الوديعة في مجتمع إقطاعي. آنّا موسكو بطلة خارقة سطحية، أشبه بإنسان آلي.

هكذا تتجلّى البطولة النسائية على الشاشة، عام 2019: سبّاحة تسبق التماسيح، أو جاسوسة لا يصيبها الرصاص، حتى لو طاردها جيش كامل. تظهر البطولة النسائية الخارقة أيضًا في فيلم "دورا" (2019) لجيمس بوبين. تعثر دورا على المدينة المجهولة، حيث الثروة الرهيبة. هي تعشق الأدغال، كأنّها مؤنّث ماوغلي، بطل "كتاب الأدغال".

هكذا تستثمر الأفلام البطولة النسائية، بهدف جذب الجمهور بغواية الجسد.

في السرد القديم، كانت البطولة نسائية، مع زليخة عاشقة يوسف، وهيلانة عاشقة باريس، وشهرزاد التي تمّ التركيز على حكمتها ومهاراتها الحكائية. شهرزاد ليست مجرّد راوية، بل ذات "جمال وبهاء وقدّ واعتدال"، كما في مطلع "ألف ليلة وليلة". لكن دارسي السرد القديم ركّزوا على حكاياتها، كي لا يهيمن الحديث عن جسدها على المتن. في السرد السينمائي، الذي يستهدف العين أكثر من الأذن، احتلّ الجسد النسائي مقدّمة المشهد، كما في "آنّا" و"دورا"، و"سوبرستار" للباكستاني محمد اتشامودّن. "دورا" انتقلت من شخصية رسوم متحركة إلى شابّة سمراء فاتنة الجمال، ذات جسد ممتلئ (إيزابيلا مونْر).
تمّ حجب جمال الجسد، مصدر الغواية الأولى والأخيرة، لصالح القول الحكيم، إلى أنْ حدث التحوّل في عصر النهضة، في الرسم الأوروبي، بين عامي 1300 و1600. قبل ذلك، وضع سقراط معيار القيمة: "تكلّم حتى أراك". في الاتّجاه نفسه، حذّر القرآن الكريم من الإعجاب بأصحاب الأجسام الجميلة. أما الأيقونات القديمة، فركّزت على الجزء العلوي من الجسم الطاهر، أي "الجزء الشريف". بعد النهضة الأوروبية، خاصة في العصور الحديثة، ارتفع شأن الجسد بشكل غير مسبوق. في القرن الـ19، ازداد الاهتمام بالجسد، كما في مادة علم الفراسة (الفرينولوجيا)، أي دراسة شكل الجمجمة بوصفه مؤشِّرًا دالاً على الشخصية والملكات العقلية. في السياق نفسه، ليست صدفة أنّ نهود النساء أكبر من حجم الرأس في لوحاتٍ لبابلو بيكاسو. 

حاليًا، على مواقع التواصل الاجتماعي، صار تقاسم الـ"سيلفيات" ببهجة علامة على رضا الفرد عن جسده. حاليًا، صار الجسد معيار تقييم.

في السينما، تركّز الكاميرا اليوم على المظهر الجسماني للشخصية، وعلى النقطة الفاصلة بين الصدر والركبتين، كما في الـ"كادر" الأميركي. طبعًا، ليس الناس جميعهم فلاسفة، لذا فإنّهم يحكمون على بعضهم البعض بالجسد، لا بالكلام. الكاميرا لا تتفلسف أيضًا، إذْ إنّها تلتقط الجسد أساسًا: جسد امرأة ذات جمال خارق، وعضلات ساحقة.

الكاميرا ليست سقراطية. فالكلمات تُبلبلها، وتضاريس الأجساد تبهجها. أجساد نساء فاتنات وخارقات.