البحث عن وطن... لاعب كرة لبناني على الحدود اليونانية

رحلة البحث عن وطن... لاعب كرة لبناني على الحدود اليونانية

حسين غازي
09 مارس 2020
+ الخط -
الهرب من الوطن. عبارة قاسية ربما، حين تسمعها للمرة الأولى تتبادر إلى ذهنك مباشرة صورة أمٍ قررت التخلي عن ابنها لأنها لم تعد تريده، وهكذا هو الوطن حين يتخلى عن أبنائه بعدما فقدوا الأمل به، بعدما خسروا كلّ شيءٍ داخل أحضانه، لتنطلق رحلة العذاب ومغامرة المجهول للجوء إلى أوروبا.

هي مقدمة لما سنرويه لاحقاً، هنا من لبنان تبدأ قصة لاعب كرة قدم، اختار طريقاً وعرة لمغادرة هذا البلد المتهاوي، الذي لم يعد يقدم لأبنائه القدرة على العيش الكريم، انعدمت فيه مقومات الحياة بسبب الفساد والفقر وتجاهل المسؤولين لشريحة كبيرة من الشعب، اليوم نحزن لأجل عبد دكرمنجي، وغداً يغادرنا عشرات وربما مئات على خطاه.

القصة بدأت من شمال لبنان في مدينة طرابلس، لاعبُ نادي طرابلس ومنتخب شباب لبنان اختار هجر وطنه واللجوء لأحد البلدان الأوروبية، لعلّه يجد فرصة العيش الكريم بعيداً عن أشواك الوطن، فكيف بدأت الحكاية؟ وما الأسباب التي دفعته إلى ذلك؟ يروي دكرمنجي صاحب الـ19 عاماً، مواليد 2001، لـ"العربي الجديد"، تفاصيل وصوله إلى الحدود اليونانية حالياً والصعوبات التي مرّ بها.

هنا؛ التفاصيل كما جاءت على لسان اللاعب الشاب وكأنّه كاتب القصّة...

أسباب هجر الوطن

في البداية كرة القدم في لبنان شبه معدومة، بقيت لمدّة خمسة أو ستة أشهر من دون راتب، بحثت كثيراً عن فرصة عمل لكنني لم أوفق بذلك، كنت في الفترة الماضية قد ادخرت مبلغاً من المال، حين سمعت قصصاً عن الهجرة، وعن توجّه العديد من الناس للهرب من لبنان، قلت لنفسي إنها الفرصة الأنسب لترك البلد.

أنا شخصٌ يتيم الأب، وأخي هو المعيل الوحيد في البيت، الوضع بات سيئاً جداً لدرجة لا تطاق، لم أعد قادراً على الذهاب للمدرسة، حتى على دفع ما يتوجب عليّ للباص الذي يقلّني من البيت شهرياً.

من أين لي بالمال بهذه الحالة بعد توقف نادي طرابلس الذي ألعب معه عن الدفع؟ حتى تمارين المنتخب التي تقام في بيروت، كنت أضطر لدفع مبلغ 15 ألف ليرة ذهاباً وإياباً لأصل إلى الملعب، كان الاتحاد يدفع لي 10 آلاف ليرة بدل تنقلات، بهذه الحالة بتُ أضع من جيبي الخاص 5 آلاف ليرة، رغم أنني أعاني مادياً.

تفاصيل رحلة المعاناة
اتخذت القرار بترك لبنان إلى جانب اثنين من أصدقائي، اتجهنا من طرابلس إلى مطار بيروت ومنه إلى إسطنبول، وصلنا في تمام الساعة 12 ليلاً، كان من المفترض، في اليوم التالي، أن نبدأ تنقلنا نحو منطقة أخرى لنصل إلى الحدود اليونانية. تعذّرت الأمور لاحقاً بسبب الأوضاع في المنطقة هناك، على أثر التشدد من قبل رجال الشرطة، اضطررنا للبقاء في إسطنبول لمدّة 5 أيام داخل فندق، لم نخرج البتة لأن إمكاناتنا المالية محدودة.
صعدنا على أثرها بباص بوساطة أشخاص نعرفهم هناك، وصلنا إلى مشارف منطقة أدرنة (إحدى مدن تركيا في إقليم تراقيا، وتقع في أقصى الجهة الشمالية الغربية من الجزء الأوروبي للجمهورية التركية، بالقرب من حدود بلغاريا واليونان حيث تبعد عن حدود اليونان 7 كلم، وعن بلغاريا 20 كلم)، جاء بعدها مهربان، وتمّ أخذنا في سيارتين إلى منطقة أخرى بعيدة عن المكان الذي نوجد فيه الآن (مساحة المنطقة 829.93 كيلومترا مربعا).

بدأت رحلة السير على الأقدام، قطعنا مسافة 20 كلم مع الأغراض التي نحملها على ظهورنا، لنبلغ قرية بقينا داخلها لليوم التالي لأن الوقت كان متأخراً، جاء مهربان آخران بعدها، وتم نقلنا إلى منطقة تعجّ برجال الشرطة، لم نكن قادرين على تجاوزهم بسهولة، هؤلاء، إذا ألقوا القبض علينا، سيأخذون كلّ ما نملك، الأموال التي بحوزتنا والهواتف الخلوية وحتى الثياب التي علينا، ثم ستتم إعادتنا من حيث أتينا.

قادنا بعدها المهربان من تلك المنطقة (كلّ ذلك في أدرنة) إلى مكانٍ آخر، اضطررنا بعدها للسير على الأقدام وأخذ الاحتياطات والهرب من الشرطة، حتى بلغنا المكان الذي نوجد فيه حالياً، بازار كولاي (Pazarkule).
الأوضاع على الحدود

كلّ يوم ترى الموت هنا في بازار كولاي، الشرطة اليونانية تضربنا بالقنابل المسيلة للدموع، حتى أن البعض يطلق النار بشكلٍ عادي، اللاجئون هنا يعانون بشكلٍ مستمرّ، "بتشوف قدامك (أمامك) الناس عم تموت بتنقهر يا زلمي إنك مش قادر تعملهم شي". أوضاع الناس هنا تمزّق القلب، من لا يمتلك المال أبداً يُضطر لبيع الملابس التي يرتديها كي يجلب الطعام ويأكل، حتى أنا اضطررت للحديث مع شقيقي في لبنان، وطلبت منه إرسال بعض الدولارات لي، لم يتبق معي سوى 100 دولار حالياً، قد تكفيني لبضعة أيام، لكن الأمر المبكي والمضحك في الوقت عينه، أن لا عملة أجنبية في لبنان، لماذا؟ لأن مكاتب الصيرفة قررت إقفال أبوابها بعد تحديد سعر الشراء والصرف عند حاجز الـ2000 ليرة مقابل الدولار الواحد! الجميع يريد استغلال الوضع ولا أحد يهتم لحال المواطن.

نقول الحمد لله على الذي نحن فيه الآن، نتلقى حالياً مساعدات من الأتراك هنا، البعض يحاول إدخال غطاء يقينا البرد أو بعض الطعام، لم أجلب معي سوى بعض الثياب، ولا أستطيع شراء أي شيء. نقطن الآن داخل خيمة صغيرة، قمنا بشراء الشوكولاتة وبعض المعلبات (تونة وسردين ومشتقاتهما ضاحكاً)، ومعنا بعض المياه "شو بدنا (ماذا نريد أن) نعمل".

نحن بالانتظار هنا، الناس في المكان الذي نوجد فيه يؤكدون أنهم لا يريدون العودة، لم يعد لديهم أي شيء ليخسروه، أكثر من 100 ألف شخص حولنا، الجميع يقول نريد الموت هنا، تأثرت كثيراً حين شاهدت موت بعض الأطفال "حرام". سنرى ما سيحصل بانتظار فتح المعابر، جميعها مغلقة الآن بالطريقة عينها، ولا يُمكن تجاوزها حالياً.

أملٌ في مستقبل أفضل

حلمي منذ طفولتي كان لعب كرة القدم، أن أصعد سلّم النجومية وأحترف، ربما الآن هي فرصتي الحقيقية، بحال فتحت الحدود ودخلت إلى إحدى الدول الأوروبية، حينها قد أتمكّن من اللعب مع أحد الأندية، كما أن تلك الدول ستقدم لنا المساعدات. لا أريد القول لزملائي اللاعبين في لبنان إن عليهم التوقف عن ممارسة كرة القدم، هناك أندية تُعد على الأصابع يهمها وضع لاعبيها، لكن هذه الرياضة في وطننا لا تقدم لك أدنى مقومات العيش، أقسم بالله لو أنني وجدت عملاً لكنت توقفت عن ممارستها، انعدمت أحلامنا هناك، لا كرة قدم.

جملتي الختامية، لو أنني لم أكن مضطراً لما فعلت ذلك، لا أحد يريد المخاطرة بحياته بهذه الطريقة.

دلالات

ذات صلة

الصورة
أنصار

رياضة

تشهد العاصمة اللبنانية بيروت، أجواء استثنائية لم تعرفها الكرة هناك منذ سنوات، رغم استمرار جائحة كورونا، والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعشيها البلد.

الصورة
حريق في مخيم للنازحين السوريين- لبنان (فيسبوك)

مجتمع

أعلنت "الوكالة الوطنية للإعلام" في لبنان، عن وفاة طفل لم يتجاوز السنة والنصف من العمر، في حريق اندلع بعد ظهر اليوم، الجمعة، في مخيم للنازحين السوريين ببلدة بحنين ـ المنية (شمال لبنان)، فضلاً عن إصابة عدد من النازحين بحروق بسيطة.
الصورة
من قطف العدد الأكبر من الحميضة؟ (العربي الجديد)

مجتمع

ينتظر كثيرون، وخصوصاً الأطفال، فصل الربيع لقطف عشبة الحمّيضة وتناولها مع الملح والكمون. وأحياناً، يتنافسون في ما بينهم لجمع العدد الأكبر منها
الصورة
رسائل إلى الأم في يومها

مجتمع

جالت كاميرا "العربي الجديد" في مدن عربية والتقطت احتفالات المنطقة العربية بعيد الأم، ونقلت انطباعات ورسائل الأبناء لأمهاتهم، وتحتفل معظم الدول العربية بعيد الأم في أول أيام الربيع، 21 آذار/مارس، من كل عام.

المساهمون