الانتخابات الرئاسية في الجزائر: انقسام عمودي بين المعارضين والمؤيدين

27 سبتمبر 2019
الصورة
يرفض الحراك قرار المؤسسة العسكرية بتنظيم انتخابات رئاسية(العربي الجديد)
يثير مضي السلطة العسكرية بالجزائر في خيار تنظيم انتخابات رئاسية قبل نهاية العام الحالي، والتي تقرر موعدها في 12 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، لغطاً وتبايناً غير مسبوق في الآراء، منذ اندلاع الحراك الشعبي قبل أكثر من سبعة أشهر. فانتخابات "الأمر الواقع"، كما وصفها معارضون، والتي تفرضها مؤسسة الجيش، ممثلةً تحديداً في قائد الأركان أحمد قايد صالح، غير آبهة بالآراء المعارضة لهذا المسار، ما زاد من حدة غضب الكثيرين، وبالتالي من حدة انتقاداتهم، على الرغم من زجّ ناشطين سياسيين شرسين في السجن أخيراً، ومن بينهم مؤسس وزعيم "الحزب الديمقراطي الاجتماعي" كريم طابو، قبل أن تفرج عنه السلطات أول من أمس الأربعاء، والناشطين المعارضين سمير بلعربي وفضيل بومالة وقبلهم القيادي التاريخي الأخضر بورقعة، أحد رموز ثورة التحرير. 

وقد تزايد تحدي بعض الناشطين السياسيين إلى حدّ دفع بمعارضين آخرين إلى مواجهة السلطة العسكرية بشكل علني، ومن بين هؤلاء الإعلامي سعد بوعقبة الذي قال إنّ "المعتقلين هم الحراك"، والكاتب البارز عبد العزيز بوباكير الذي دعا رئيس الأركان عبر صفحته في موقع "فيسبوك" إلى اعتقاله.

وذهب المحلل السياسي والاجتماعي، عدي الهواري، وهو أيضاً أكاديمي وأستاذ في جامعتي "ليون 2" الفرنسية و"جورج تاون" الأميركية، إلى حد بعيد، في تعليقه على التطورات الأخيرة والمسار الذي سلكته الأمور، متحدثاً عن اضطرار الجيش لتسليم السلطة إلى المدنيين، في ظلّ انقسام وارد بين جنرالاته. وأوضح الهواري، في حديث هاتفي مع "العربي الجديد"، أنّ "الانتخابات لن تتم، والجنرالات سيرحلون، سواء تعلّق الأمر بالغلّظ منهم أو الناعمين الذين يتصارعون بسبب المصالح الكبيرة التي تجمعهم، والملفات الخطيرة المتعلقة بالفساد وبالعشرية السوداء". وأشار الهراوي إلى أنّ "حكام مصر والسعودية والإمارات يرتعدون من التغيير المقبل في الجزائر لتقاطع مصالحهم مع مصالح الدول الغربية، وعلى رأسها فرنسا".

لكنّ أحمد عظيمي، العقيد المتقاعد والمتحدث الرسمي باسم حزب "طلائع الحريات" الذي يتزعمه رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، والعازم على الترشح للانتخابات الرئاسية، قال إنّ "الذين يتكلمون عن الجيش لا يعرفونه"، مضيفاً رداً على الهواري "الأستاذ عدي يشير إلى انقسامات في قيادة الجيش، وهذا غير صحيح". وتابع: "سبق لي أن صرحت أنه لدينا الجيش الأكثر انضباطاً في العالم، وقبل استقالة (الرئيس السابق عبد العزيز) بوتفليقة سألني البعض: كيف سيكون موقف الفريق بن علي بن علي قائد الحرس الجمهوري، وعما إذا كان سينحاز إلى بوتفليقة، وكان جوابي هو أنّ كل من عمل لسنوات عدة في الجيش لا ينحاز إلا للقرار الذي تتخذه القيادة العسكرية مهما كان هذا القرار ومهما كان رأيه الشخصي". وأضاف عظيمي: "المؤكد أيضاً أنّ جلّ جنرالات الجيش اليوم هم من جيل الاستقلال، ويحوزون على كفاءة تقنية ولا تعنيهم ممارسة السياسة، ولذلك أظنهم جادين في الابتعاد تماماً عن هذا المنحى"، خاتماً بالقول إنه "أنهى كل علاقة بالمؤسسة العسكرية، وحتى بأصدقائه الذين ما زالوا في الخدمة منذ عام 2014، بسبب معارضته لبوتفليقة ورجاله".

من جهته، وخلافاً للهواري، أكّد المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث، أنّ الانتخابات ستتم في موعدها، متمنياً استمرار الحراك في التظاهر بشكل سلمي إلى غاية تاريخ تنظيم هذا الاستحقاق في 12 ديسمبر/ كانون الأول المقبل. وشدّد بلغيث في حديث مع "العربي الجديد" على رفضه التشفي في المواطنين الذين يقبعون وراء القضبان، قائلاً "نحن لا نرضى الشر حتى لأعدائنا، فما بالك وأنت تذكر أسماء مواطنين هم الآن بين أيدي العدالة والتاريخ. الأحكام هي التي ستشهد لهم أو عليهم". وفي نظر بلغيث: "ليس فقط الجيش ممثلاً في قيادته العسكرية هو الذي يدعو إلى تنظيم انتخابات رئاسية، بل كل من تتكلم معه يقول إنّ الانتخابات هي الحلّ، وأنا مع هذا المسعى، وأدعو الله أن يبعد عنا وجوه الفساد التي عششت لعقود طويلة". وتابع "أستبشر خيراً بما حصل في الجارة تونس وسوف ينتخب الشعب رجلاً يقود الجزائر إلى برّ الأمان".

في المقابل، أكّد إسماعيل معراف، الأكاديمي المعروف بمعارضته الشرسة للسلطة في الجزائر قبل خلع بوتفليقة وبعده، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "إصرار القيادة العسكرية على تنظيم الانتخابات يعدّ تحدياً لإرادة أغلبية الشعب، ويعكس استمراراً في نهج التسلّط". واعتبر في هذا السياق اعتقال المعارضين كريم طابو وفضيل بومالة وسمير بلعربي "عملاً إجرامياً يعبّر عن تخبط العصابة وعن تغليب منطق القوة على حساب وطن يعيش على صفيح ساخن"، متسائلاً: "كيف نثق بأكاذيب سلطة تعتقل وترهب المواطنين بغير وجه حق؟".

وتابع أن "المشكلة ليست في تغيير نصوص قانون الانتخابات وتشكيل هيئة مستقلة تشرف عليها، لكنها في بقاء اللصوص جاثمين على القرار في البلد". وعن مآلات الانتخابات الرئاسية قال معراف: "كل المعطيات تشير إلى أنّ قايد صالح يلعب أوراقه الأخيرة، وقد تتغير المعادلة في القريب العاجل لأنّ الرجل وجماعته انطلقوا بانتقام من شركائهم ونسوا أنّ من ينتقم عليه حفر قبرين، واحد لعدوه والثاني له، وهذا منطق التاريخ".

في المقابل، قال الصحافي الجزائري، الأخضر فرحات، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "الصدام بين الجيش والمتظاهرين يكبر من أسبوع لآخر، وكنت قد حذرت من هذا الأمر في بداية الحراك، وطالبت بتلبية سريعة لمطالب الشارع لمحاصرة الأزمة والذهاب إلى انتخابات رئاسية سريعاً".

وفي نظر فرحات، فإنّ "تنظيم الانتخابات الرئاسية أمر ضروري وموعد دستوري، ويجب على الجزائر أن تنتخب رئيساً شرعياً لتسيير الأمور وتنظيم العلاقات مع الخارج"، معتبراً أنّ "من يعارضون الانتخابات هم في أغلب الأحيان من العصابة التي فقدت السلطة والمال". ورأى فرحات أنّ "الرئيس المقبل سيفتح حياة سياسية جديدة في ظلّ جمهورية ثانية تضع دستوراً جديداً وتطلق أحزاباً جديدة تقطع الصلة بإرث الأحزاب القديمة التي تسببت في خراب البلد"، مؤكداً أنّ "شباب الحراك هم من يجب أن يتولوا أمر تأسيس أحزاب حديثة تنتج البرامج والشخصيات القادرة على تسيير شؤون البلد".

وتعليقاً على الموضوع نفسه، قال الكاتب والصحافي أحميدة عياشي، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "الجيش الذي رفض المرحلة الانتقالية التي اقترحتها المعارضة والشعب، يريد أن يجفّف الحراك ومطالبه بفرض رئاسيات تحت الرقابة والتحكّم، حتى لا تحدث مفاجأة شبيهة بمفاجأة صعود الإسلاميين غداة الانفتاح الديمقراطي". وتابع "لذا، فرهانه يدور حول مرحلة ديمقراطية في ظلّ انتخاب رئيس بمقدوره إجراء تعديلات عميقة تضمن مصالح أقوياء الساعة، وتمهّد لتغيير من دون مفاجآت أو صدمات". وختم بالقول: "لذا أرى أن الجيش لن يسلّم السلطة بشكل فعلي، إلا في ظلّ انتخابات تكون تحت الحراسة".

بدوره، رأى الكاتب والصحافي نصر الدين السعدي أنّ "تسليم السلطة للمدنيين يعني انتخابات في أسرع وقت"، مضيفاً أنّ "رحيل قايد صالح منتظر مباشرة بعد الانتخابات، لكن الرئيس المنتخب سيكون دمية تسيرها الثكنة وقد يكون قائد حرب"، على حد تعبيره.

تعليق: