الانتحار في مصر.. المدنيون يفضلونه شنقا والشرطيون بالسلاح

02 يونيو 2015
الصورة
مصرتغيب عن احصائية الصحة العالمية لعدد المنتحرين منذ 1987
أواخر شهر سبتمبر/أيلول الماضي، مر الشاب المصري فرج رزق بأزمة مالية طاحنة، عجز معها عن الوفاء بديونه والتزاماته المالية. استقل فرج سيارة العمل، قادها منطلقًا نحو طريق (مصر- الإسماعيلية) الصحراوي، توقف أمام إحدى اللوحات الإعلانية، صعد أعلى اللوحة، شنق نفسه بحبل. تدلى رزق فترة طويلة، التقط العديد من المارة صوراً، مقاطع فيديو، امتلأت شاشات القنوات التلفزيونية المصرية بتعليقات عديدة، ما أثار اهتمام جمهور التواصل الاجتماعي. الجميع اتفق على أن فرج ليس الأخير، كما أنه ليس أول من يقرر الانتحار في مصر.

عقب وفاة فرج رزق، وخلال فترة وجيزة، شغلت حادثة انتحار الناشطة السياسية زينب مهدي الكثيرين. انتحرت زينب لأسباب غير واضحة. لكن قبل وفاتها تحدثت زينب أكثر من مرة أنها ترغب في الانتحار. شنقت مهدي نفسها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في بيتها بعد مغافلة أهلها.

حالة أشرف صليب، القاطن في مدنية العاشر من رمضان، أثارت هي الأخرى رعباً كبيراً لجيرانه، إذ فوجئ سكان العاشر من رمضان، بأشرف متدليا من رقبته بحبل في شباك شقته. معارف أشرف أكدوا أن معاناته من مشاكل مالية في الفترة الأخيرة، السبب الرئيسي وراء انتحاره.

رحلة البحث عن إحصائية

هل توجد إحصائيات موثقة لحالات الانتحار في مصر؟ للإجابة على السؤال السابق، حاولت "العربي الجديد" البحث عن الإحصائيات التي تحدد أعداد المنتحرين في السنوات الأخيرة، لكن لم يتم الوصول إلى نتيجة يمكن الاعتماد عليها، إذ إن مصر لم تقدم إحصائيات عن نسب المنتحرين إلى منظمة الصحة العالمية (الجهة المختصة في العالم بمتابعة هذه الأرقام) منذ عام 1987.

تظهر آخر إحصائيات المنظمة حول مصر، احتلالها المركز 96 على مستوى العالم من حيث عدد الأفراد المقبلين على الانتحار. "العربي الجديد" تتبعت الاحصائيات المنشورة في الصحافة المصرية. وتشير إحدى هذه الإحصائيات، غير المنسوبة لمصدر، إلى وقوع 3708 حالات انتحار في عام 2007 (نشرتها المصري اليوم وغيرها من الصحف). وفي عام 2008 وقعت 2355 حالة انتحار بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 22 و23 عامًا خلال عام واحد، حسب إحصائية للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية (منشورة بذات المصادر الصحافية).

وشهد عام 2009 ، وقوع نحو 14 ألف محاولة انتحار، تمكن من بينهم 5 آلاف في إنهاء حياتهم. في عام 2011 وقعت 18 ألف محاولة انتحار لمن هم أقل من 40 عامًا، توفي منهم نحو 3 آلاف شخص، حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء.

آخر إحصائية أمنية متوفرة للباحثين عن عدد حالات الانتحار يوفرها تقرير الأمن العام الذي تصدره وزارة الداخلية المصرية، جاء في الإحصائية، أنه تم رصد وقائع ومحاولات انتحار بلغت 310 حالة، في عام 2012، مقابل 253 في 2011 بحسب ذات التقرير. أما جهاز التعبئة العامة والإحصاء المصري، فأكد في إحصائية، نهاية عام 2014، وقوع نحو 79 حالة انتحار.

حسب التنسيقية المصرية للحقوق والحريات فإن عدد المنتحرين وصل إلى 114حالة في الفترة من يناير وحتى نهاية أبريل 2015. لكن التنسيقية رفضت الكشف عن مصدر الإحصائية، ولم تؤكد ما إذا كانت الإحصائية، تشمل كل الحالات، أم المعروف منها فقط.

تضارب في الأرقام

تظهر الأرقام السابقة غياب جهة موحدة لإصدار معلومات دقيقة، عن أعداد حالات الانتحار، وطبيعتها. كما يوجد تناقض كبير في الأرقام بين الجهات التي أصدرت إحصائيات بالفعل، ففي الوقت الذي ذكر فيه تقرير الأمن العام وقوع 253 حالة انتحار وقعت في 2011، يتحدث الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن 18 ألف محاولة وقعت في العام نفسه، بينهم 3 آلاف شخص تمكنوا من الانتحار بالفعل.
الملفت كذلك أن تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العام والإحصاء (حكومي) يشير إلى وقوع 3 آلاف حالة انتحار لمن هم دون الأربعين عامًا في 2011، بينما تذكر الجهة نفسها وقوع 79 حالة انتحار في 2014، وهو ما يثير التساؤل هل انخفض العدد إلى هذا الحد؟ ما يثير التساؤل كذلك أن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الذي تنسب له إحصائية عام 2009، حول عدد المنتحرين عاد وصرح عبر مصدر مسؤول، في تقرير منشور بصحيفة مصرية محلية في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أن "المركز ليست لديه أي إحصائيات عن أعداد حالات الانتحار في مصر، نظرًا لكون المركز جهة بحث ودراسة وليست جهة إحصاء، مشيرًا إلى أن أي إحصائيات تكون موجودة بالجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أو وزارة الداخلية".

الدكتور أحمد فخري، أستاذ علم النفس وتعديل السلوك في جامعة عين شمس، الذي يهتم بمتابعة أسباب حالات الانتحار، أكد تضارب المعلومات بين الجهات المعنية برصد حالات الانتحار، موضحاً وجود عدد كبير من الحالات لا يتم الإعلان عنه، بسبب الأعراف والتقاليد، خاصة في القرى، أو الصعيد. يقول الدكتور فخري "لا يوجد نسبة واقعية يمكن البناء عليها في مصر، إذ تم رصد بعض حالات الموت بسبب الإدمان، التي وصفها البعض على أنها حالات انتحار وهي ليست كذلك، إذ ثبت بالتحليل أن الوفاة بسبب جرعة زائدة".

الرأي السابق أكده الدكتور شحاتة زيان، أستاذ علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، قائلًا: "أين الإحصائيات المصرية حول نسب المنتحرين المقدمة إلى منظمة الصحة العالمية منذ عام 1987، لا يوجد شيء".

يعتقد الدكتور مصطفى رجب، الخبير التربوي وأستاذ علم الاجتماع، بأن معدل الانتحار في مصر طبيعي، لكن سبب التركيز على الظاهرة بحسب رأيه يرجع إلى اختيار طريقة ملفتة، مشيراً إلى غياب أرقام رسمية دقيقة يمكن مقارنتها للتأكد من احتمال زيادة الانتحار.

لفت الانتباه للظاهرة

للتأكد من فرضية عدم زيادة حالات الانتحار في مصر، والتي يتبناها عدد من المختصين مثل الدكتور مصطفى رجب، أجرى "العربي الجديد" حصرًا لأرشيف ثلاث جرائد مصرية (المصري اليوم، اليوم السابع، الوطن) في الفترة بين مايو/أيار 2014 وحتي نهاية أبريل/نيسان 2015. وحسب الحصر تم الإعلان عن وفاة 252 مصرياً منتحراً خلال مدة الرصد التي بلغت 12 شهراً.

لا تمثل الحالات المنشورة اجمالي عدد المنتحرين، لكن اتضح من خلال الحصر أن معدل النشر عن حالات الانتحار زاد في أشهر نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2014. كما ارتفع عدد الحالات المنشورة خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان 2015.

وما يؤكد أن الحالات المنشورة في الصحافة المصرية، غير معبرة عن واقع حالات الانتحار في مصر وعددها، أن إحدى صحف الرصد "اليوم السابع" نقلت في نهاية يوليو/تموز 2014 عن مصدر في وزارة الداخلية، وقوع 60 حالة انتحار خلال الشهر، رغم أن المنشور في الصحف الثلاث التي شملها الحصر 12 حالة فقط.كما أن "المصري اليوم" ذكرت يوم انتحار الشاب فرج رزق، أن دفاتر وزارة الصحة سجلت 3 حالات انتحار أخرى، لم يذكر عنها الإعلام عنها شيئاً.

أخبار الانتحار لا تخضع لنظام واحد في عملية النشر طول الوقت، إذ إن مصدر هذه الأخبار بحسب عدد من صحافي الحوادث، هو المركز الإعلامي في وزارة الداخلية، الذي يرسل نشرات وبيانات لهم، هؤلاء بدورهم لا يستطيعون نشر كل ما يرد إليهم، بسبب ضغط الأخبار ووجود أخبار أكثر أهمية أحيانًا. كما أن هناك بعض الصحف لا يهتم بغير حالات الانتحار المروعة.

لفتت حادثة انتحار الناشطة السياسية زينب مهدي الأنظار إلى الظاهرة المتنامية في مصر


المنتحرون يفضلون الشنق

أكثر من 48% من أصحاب الحالات التي رصدها "العربي الجديد"، أقدمو على الانتحار شنقاً. ويفسر الدكتور أحمد فخري ذلك كون الشنق هي الوسيلة الأكثر شعبية، بأنها مضمونة النتائج بالنسبة للمنتحر، خاصة لمن لا يمتلكون أدوات تخطيط للانتحار، أو لمن يعيشون بمفردهم.

في السنوات الأخيرة زادت نسبة عنف حالات الانتحار، كما أن بعض المنتحرين قبل انتحارهم قتلوا آخرين، وهو ما لم يكن معهوداً من قبل، مثل حالة سيدة في محافظة الإسكندرية، قتلت طفليها بسبب كرهها لزوجها ثم انتحرت. وفي إمبابة في محافظة الجيزة، أشعل شخص النار في نفسه ثم احتضن فتاة رفضت الزواج منه، وفي حالة ثالثة قام عاطل بإطلاق النار على زوجته وابنه البالغ من العمر 12 سنة، ثم أطلق النار على نفسه.

شخص آخر كان يمر بضائقة مالية، ويوم الحادث أطلق عيارًا ناريًا على رأس زوجته، ثم أطلق على طفليه بالصدر والبطن، واتصل بشقيقه ليخبره أنه قتل زوجته وطفليه، وأنه سوف ينتحر. حالة أخرى كانت لمصري مقيم في إيطاليا، رفضت زوجته الدخول في الإسلام، ثم هجرته، فأطلق النار على نفسه وعلى طفلته.

يشرح الدكتور أحمد فخري العنف الزائد في حالات الانتحار في المجتمع المصري، قائلاً "في هذه الحالات يرى المنتحر استحالة العيشة في الدنيا، وينتج عن ذلك اضطراب عقلي واكتئاب شديد جدًا، يجعله مصرّاً على أن يأخذ معه كل الذين يحبهم خوفاً من تركهم في الدنيا ومآسيها وشرورها".

ووفقاً لرصد "العربي الجديد" فإن عددا من الشرطيين انتحروا خلال هذا العام، بسلاحهم الحكومي، كما حدث مع أمناء شرطة في كل من الإسكندرية والغربية وأماكن أخرى. ويقول الدكتور أحمد فخري "أفراد الشرطة يستخدمون السلاح لأنه أقرب الوسائل إليهم، إذ يشعر أن السلاح جزء من شخصيته وبينهما ألفة".

10% من الحالات التي رصدتها "العربي الجديد" ألقت بنفسها في النيل، لكن واحدًا منهم قرر أن يقيد نفسه بجنزير كبير، ثم أغلق طرفيه بأقفال حديدية، وألقى بنفسه في النيل. يعلق الدكتور أحمد فخري قائلًا: "هذه حالة انتحار مخطط لسد جميع الثغرات التي تهدد موته، ويخطط المنتحر قبلها بأسابيع".



انتحار أم قتل

نسبة قليلة من الحالات المرصودة لا تتجاوز 5%، أجبر فيها الأهل الضحية على الانتحار، مثل والد فتاة في الأقصر (جنوبي مصر)، شك في سلوكها، ما دفعه وابنته الأخرى إلى إجبارها على تناول مادة سامة. يذكر فخري أن هذه تخرج من دائرة الانتحار إلى القتل، قائلًا: "أحيانًا يتم إقناع الضحية بانها اقترفت جريمة ويجب أن تنتحر، ويستخدم بعضهم هذا الأسلوب حتى لا يلاحق قانونيًا". يعلق مالك عدلي، المحامي بمركز هشام مبارك للقانون، قائلاً: "القتل بالسم عقوبته الإعدام، الحالات السابقة، لا تعد انتحارا لأنها تمت بتحريض العائلة".

لكن ماذا عن الوضع القانوني لمن فشل في الانتحار، يقول عدلي: "الانتحار جريمة تدخل تحت بند تعريض النفس للخطر، وهي جنحة يعاقب عليها القانون بالحبس والغرامة، في الغالب لم تحرك دعوى بحق شخص بتهمة محاولة الانتحار، ما لم يقاضه أحد".

ليست ظاهرة جديدة

في بدايات القرن الماضي في الثلاثينيات والأربعينيات، شهدت مصر موجة انتحار، منها حالة مشهورة للكاتب إسماعيل أدهم. كان لتلك الموجة سببان رئيسيان، أولهما عدم تمكن الطلاب من تحقيق طموح أسرهم في التعليم، والثاني هو ارتكاب بعض الفتيات لـ"جرائم الشرف"، ما دفع شاعر مثل أحمد شوقي إلى كتابة قصيدة بعنوان انتحار الطلبة، كما نظم صديقه الشاعر الكبير حافظ إبراهيم، قصيدة بعنوان في شكوى الحياة بنفس المعنى. يوضح الخبير التربوي مصطفى رجب أن عدداً من المقالات الصحافية المنشورة في تلك الفترة، ربطت بين أدب القصص الأوروبي، وما يحمل من انتحار أبطال تلك القصص وبطلاتها، وحوادث الانتحار على المسرح وبين الظاهرة. وفي الفترة الأخيرة وقع عدد من حالات الانتحار الشهيرة منها أيمن السويدي زوج المطربة التونسية ذكرى، والكاتبة والناشطة المصرية أروى صالح.
 


استبيان

بحسب استبيان غير علمي أجرته "العربي الجديد" بمشاركة 173 شخصاً من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، أكد 36% ممن المشاركين أن الأزمات النفسية سبب قد يدفع الإنسان للانتحار. تقترب النسبة السابقة من الرصد الذي قامت به "العربي الجديد" للحالات المنشورة في الصحف خلال عام، إذ دفع ذات السبب 28% من الحالات المنشورة إلى الانتحار.
محمد -اسم مستعار- لأحد المشاركين في الاستبيان، يقول إنه فكر في الانتحار بسبب معاملة زوجته وأقرب أصدقائه له بشكل مسيء. أما أسماء -اسم مستعار- فقالت إنها تعرضت لحادث اغتصاب ولم تتمكن من إخبار أحد، ما دفعها إلى محاولة قطع شرايين يدها، لكن شريكتها في السكن أنقذتها.

لكن بعض المشاركين في الاستبيان يرون أن الحياة في مصر بتركيبتها، تعد تربة خصبة للانتحار، بسبب السلطة المستبدة -بحسب إجابات المشاركين- والمجتمع المغلق الذي لا يتيح أي فرصة لممارسة الحرية الشخصية. العنف الشديد في الشارع والإحباط المتزايد على كل المستويات المالية والاجتماعية الوظيفية والنفسية.

يرى 3 % من المشتركين في الاستبيان أن الظلم السياسي يعد دافعًا للانتحار، وحمل 51% منهم الدولة مسؤولية زيادة حالات الانتحار، وبعضهم برر ذلك بأن الدولة لا توفر حياة كريمة للمواطنين.

الدكتور أحمد فخري يعارض هذا الطرح، قائلاً: "شخصية المنتحر هي التي تتحمل المسؤولية، لأن المنتحر شخص اعتمادي ويلقي المسؤولية على غيره، بعضهم يتحجج بالبطالة وعدم توافر الوظائف، لو نظرنا مثلاً إلى السوريين في مصر فإن ظروفهم سيئة بل أسوأ من المصريين، لكن الجميع يرى فيهم مثالاً للاجتهاد والإصرار على الحياة وتحسين ظروفها. إذا القينا اللوم على الدولة فلماذا يوجد نسب انتحار عالية في سويسرا والسويد، السبب الحقيقي هو غياب الوازع الديني وعدم وجود معنى في حياة هؤلاء الأشخاص".

أما الدكتور مصطفى رجب فيشير إلى دور الأسرة والمجتمع قائلًا: "لم يعد بالمجتمع مؤسسات تربوية، وصارت التربية مسؤولية الأسرة فقط، وتضعف مسؤولية الأسرة نتيجة السعي وراء لقمة العيش. الإعلام أيضًا يتحمل جزءاً من المسؤولية، فهو يخاطب طبقة الأثرياء فقط، ويسبب ضغطاً عصبياً على الفقير الذي لا يجد فرصة عمل بأي مبلغ، ولا يجد سكنًا مناسبًا، عدم القدرة على توافق الفرد مع المجتمع سبب آخر. الخطاب الديني أيضًا تخلى عن دوره التربوي لانشغاله بالخلافات السياسية".

ماذا بعد المحاولة؟

كثيراً ما يحول شيء ما دون اكتمال خطة الانتحار، البعض يستخدم طرقاً لا تنهي الحياة، وآخرون يتراجعون في اللحظة الأخيرة. من هؤلاء هيثم -اسم مستعار- شارك في الاستبيان، يقول إنه وضع مبيداً حشرياً في مشروب، لكنه لم يقض على حياته، وتم إنقاذه.

الأمر نفسه تكرر أيضا مع بسمة -اسم مستعار- تعلق بلهجة مازحة: "كمية الأدوية التي تناولتها لم تكف حتى لتوصلني إلى المستشفى، أعتقد السبب في نقص المادة الفعالة للدواء المصري". أما ياسمين فتراجعت في اللحظة الأخيرة، تقول: "قمت بوضع السكينة على يدي، وقمت بتحريكها عدة مرات، ثم خفت وقمت برميها".

وتبدي هدى ندمها على التجربة، قائلة: "الحمد لله أنه أنقذني، وطبعًا كان هذا تصرفًا طائشًا وغباء، لأن المؤمن مبتلى ولو كان لدي إيمان قوي لم أكن لأقدم على هذا الفعل". على العكس منها، تشعر أسماء -اسم مستعار- بالندم لعدم الانتحار وهي صغيرة غير مكلفة كما تقول، تشرح قائلة: "كان عمرى 15 سنة حينئذ، أخذت كل حبوب الدواء التي وجدتها في الثلاجة ولكن لم يحدث شيء، للأسف كنت أصغر من أن أعرف ما الذي يجب أن أفعله حتى أنجح والآن أصبحت راشدة وأخاف فكرة الخلود في النار بسبب قتل النفس، أندم على أنني لم أفعلها قبل الوصول إلى سن التكليف".

يرى الدكتور أحمد فخري "أن محاولة الانتحار تعطي نضجاً وخبرة، لمن قام بها، حتى أنه قد يحدث تغيير في البناء الشخصي لمن حاول الانتحار، بحيث يصبح أكثر ثباتًا وتمسكًا بالحياة"، فيما يؤكد الدكتور مصطفي رجب على ضرورة الدعم النفسي، قائلًا: "لا بد أن يذهب من حاول الانتحار في كل الأحوال إلى مصحّة نفسية للحصول على الدعم اللازم، حتى لا يعود ويكرر المحاولة".

جدل ديني

كلما وقعت حادثة انتحار لافتة، ثار جدل ديني في مصر حول ما إذا كان المنتحر مات كافراً أم مسلماً. ويوضح الدكتور عرفات محمد عثمان، الأستاذ بجامعة الأزهر، أنه يخالف الرأي الذي يعتبر المنتحر كافراً، "لأن جمهور العلماء يرى في المنتحر عاصيا ومرتكب كبيرة، أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، طالما أنه لم يستحل الفعل، قبل القيام به". ويضيف "الانتحار كبيرة من الكبائر، إن مات صاحبها بلا توبة فأمره إلى الله. وهناك أحاديث كثيرة تنهى عن الانتحار وفيها الكثير من الوعيد الشديد".

--------
اقرأ أيضا :
زيارة لإيران فجرت أزمة قيادة "الإخوان" الأخيرة
ثمن فك الارتباط..أردنيون من أصل فلسطيني محرومون من الجنسية
الناصر صلاح الدين.. بين دراما يوسف شاهين والواقع التاريخي