الاقتصاد السعودي يتحول بعيداً عن الاعتماد الكامل على النفط

04 ديسمبر 2016
الصورة
هناك شروط لتطبيق الرؤية (العربي الجديد)
+ الخط -

أكد عدد من الباحثين والخبراء العرب على ضرورة عملية التحول الاقتصادي التي تقوم بها المملكة العربية السعودية حالياً في إطار "رؤية 2030"، لتحويل الاقتصاد السعودي بعيداً عن الاعتماد الكامل على النفط والقطاع الحكومي عبر ترشيد الإنفاق، وإيجاد إيرادات مالية غير نفطية، وتنويع الاقتصاد، ورفع مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي إلى نحو الثلثين.

وأضاف المشاركون في "جلسة متطلبات التنويع الاقتصادي في السعودية وتحدياتها" التي انعقدت في اليوم الثاني، لمنتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية في دورته الثالثة، اليوم الأحد ونظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن هناك شروطا لتطبيق الرؤية وتحديات يجب أن يعمل القائمون عليها لمعالجتها لتجنب سلبيات المرحلة الانتقالية من اقتصاد الرفاه والاعتماد كليا على النفط إلى الإصلاح الاقتصادي وتنويع الاقتصاد السعودي.

دور الإنسان

من جهته أكد الدكتور محمد سالم الصبان المستشار الاقتصادي والنفطي السعودي أن الجهد المبذول من قبل كان موجها لإنشاء الغابات الإسمنتية –المباني- على حساب الإنسان، مشيرا إلى أن الحل لنجاح عملية التنويع الاقتصادي في المملكة هو التركيز على الإنسان عبر المعرفة حتى يقتنع بالرؤية ويكون جزءا منها.

وأضاف الصبان في ورقته التي جاءت بعنوان "شروط نجاح التنويع الاقتصادي في السعودية". أن جلسات رؤية المملكة 2030 لم تكن بصورة شفافة، فلم تجمع كل أطياف المجتمع وبعضهم يرى أنه لم يشارك في بناء الرؤية.

ودعا إلى وجود مشاركة اجتماعية أكثر فعالية عبر ورش العمل والتقارير عبر الغرف التجارية أو غيرها من الجهات.

وأكد أن المساءلة والشفافية لم تظهرا بالشكل المطلوب رغم أن الرؤية تحدثت عنهما، داعيا إلى وجود شفافية ومساءلة بشكل أكبر، وذلك على مستوى الاقتصاد الكلي وليس فقط عزل وزير أو غيره وهو الأمر الذي يحتاج إلى تفعيل لكسب ثقة المجتمع.

وأشار الصبان إلى أن رؤية 2030 تعاني من عدم الأخذ بالحسبان الفترة الانتقالية بين تبني الإصلاح الاقتصادي وبداية تحسن أو ملاحظة المواطن لوجود فوائد بدأت تتحقق من تطبيق الرؤية التي تهدف إلى التنويع الاقتصادي.

وقال إن المواطن السعودي يمر بمرحلة انتقالية صعبة تتمثل في البدء بتطبيق الرؤية لبعض الإجراءات مثل تخفيض الرواتب والبدلات ورسوم الأراضي البيضاء ورفع أسعار الوقود دون أن يصاحبها خطط لأصحاب الدخول المنخفضة وهم الذين يعانون حاليا.

وذكر أن الدولة تبنت بعض السياسات التي يمكن أن تساهم في تحقيق الرؤية ولكنها في الوقت ذاته يجب أن تعالج تداعياتها مثل إجراءات ترشيد الإنفاق التي أدت لتقليص الإنفاق الحكومي، لكنها في الوقت ذاته أدت لانكماش القطاع الخاص بنسبة تبلغ 2%، كما أن دفع مستحقات المقاولين خفف من أزمة السيولة، لكن هذا لا يكفي ويجب أن يكون هناك خطة موازية للتقشف تقوم على تخفيف آثارها.

وأشار الصبان إلى إيجابية تركيز الرؤية على التحول من مجتمع ريعي إلى مجتمع استثماري عبر إنشاء صندوق سيادي، وهو قرار جاء متأخراً حيث طالب به الخبراء منذ عام 2004، كما أن طرح 5% من أسهم شركة أرامكو مهم، فهو يحسن من كفاءتها ويزيد من الرقابة التي تحد من الفساد، مؤكدا أن بيع الأسهم لن يشمل بيع الاحتياطي النفطي ولمن سيتم بيعه هو الامتياز لفترة معينة.

وردا على سؤال حول فرص نجاح بيع أسهم أرامكو المطروحة محليا للمستثمر السعودي أو عالميا في ظل تراجع أسعار النفط قال الصبان إن: "الرغبة في الشراء قائمة بالسعودية وبالبورصات العالمية"، مشيرا إلى أن اختلاف أسعار النفط بين الحين والآخر أمر طبيعي.

وقال الصبان إن أسعار النفط ستدور حول 55 دولاراً، بسبب ضغوط النفط الصخري والرمل الكندري حتى لو ارتفع السعر إلى 60 فسوف يعود إلى 55 وإن أي ارتفاع عن هذه الأرقام سيكون لصالح الصخري.


وحول التنسيق بين دول الخليج في عملية التنويع الاقتصادي حتى لا تتكرر صناعات بين دوله، قال الصبان إن الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود أعلن أنه سيتم إنشاء مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الخليجي لتبادل الخبرات والاستفادة والتنسيق البيني، وطالما أن السوق يتحمل فيمكن إنشاء مؤسسات أو صناعات متشابهة.

وختم المستشار الاقتصادي والنفطي السعودي مداخلته بالتأكيد على تفاؤله بنجاح رؤية المملكة 2030؛ لأن السعوديين لا يملكون بديلاً عن التفاؤل، فالبديل سيئ جدا، بحسب تعبيره.

مواجهة التداعيات

من جهتهما أكد الباحثان عادل حمايزية وماكيو يامادا أن عملية إصلاح أسعار الطاقة تتطلّب "تكتيكات" مدروسةً، تتعلّق بإيقاعها ومستواها وتعاقبها بغية ضمان سلاسة في تنفيذها.

وأضافا في ورقتيهما بعنوان "الاقتصاد السياسي للتحول الاقتصادي في السعودية"، والتي قام حمايزية بعرضها، أنّ إعانات الطاقة شكّلت الميزة الأساسية للعقد الاجتماعي بين الحكومة والمجتمع في المملكة.

وأشارت الورقة إلى أن سياسات الحكومة النقدية رغم إيجابياتها في تحقيق أهدافها بالتنويع الاقتصادي إلا أنها تتطلب في الوقت ذاته وضع خطط لمعالجة السلبيات الاقتصادية الناجمة عنها سواء في ما يتعلق باقتصاد المواطن أو القطاع الخاص، فتخفيض الإنفاق يقلل من عجز الموازنة، لكنه في ذات الوقت يرفع أسعار الوقود ويؤدي لتخفيض موازنة التعليم والصحة وغيرها، كما أن الخصخصة ستؤدي في جانب منها إلى نقل التكنولوجيا وجذب الاستثمارات، لكن من ناحية أخرى فإنها ستؤدي إلى تقليص عدد الوظائف ومن ثم ارتفاع معدل البطالة.

وعرضت الورقة الاستراتيجيات التي اعتمدتها الحكومة السعودية لإعادة التوازن الضريبي، ومن بينها فرض الضرائب (بما في ذلك الضريبة للحدّ من استهلاك السلع الضارة والضريبة على القيمة المضافة)، وخصخصة الشركات التي تملكها الدولة، وإدخال نظام البطاقة الخضراء، وإعادة النظر في التقديمات السخيّة التي يؤمّنها القطاع العام.

وأكدت الورقة أن أحد أهم التحديات التي تواجه رؤية المملكة العربية السعودية لعام 2030، وهي خطة للتنمية، يكمن في الحاجة إلى تنفيذ تعديل ضريبي.

ووفقا للباحثين فإن عجز الميزانية عام 2015 بلغ 367 مليار ريال سعودي (نحو 98 مليار دولار أميركي)؛ أي 15 % من الناتج المحلي الإجمالي. وكان هذا نتيجةً لانخفاض أسعار النفط التي تأرجحت ما بين 30 و40 دولارًا أميركيًا في هذا العام.

أزمة نموذج الرفاه

من ناحيتها أكدت الباحثة السعودية إيمان القويفلي أن نموذج الرفاه الاجتماعي للمواطنين الذي ترسخ في المملكة مع تدفق عائدات النفط وعبر أزمنة الطفرة يتعرض حاليا إلى الضغط في أوقات التقشف، وإلى التهديد بالانهيار في أوقات التحول نحو التنويع الاقتصادي، بحيث تتسارع وتيرة مشاريع الخصخصة وتحديداً الخدمات الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات التي تنعكس انعكاسًا مباشرًا وسلبيًّا على حياة الأفراد والعائلات.

وأضافت القويفلي في ورقتها بعنوان "دولة الرفاه في مرحلة انتقالية: نظرة في خطة التحول الوطني في السعودية" إلى أن الاقتصاد السعودي رغم حاجته إلى التنوع وتقليل الاعتماد على النفط، فإنه من الضروري تحقيق هذا التنوع متلازمًا مع خطة للحفاظ على الرفاه الاجتماعي لئلّا تنتهي خطط التنوع الاقتصادي إلى خلق فجوات اجتماعية وإضرار بالاستقرار الاجتماعي.

وقالت إن مفهوم الرفاه في الدولة السعودية المعاصرة انبنى على استخدام الدولة لعائدات النفط في دعم شرعية النظام القائم من خلال عدد من الدعائم مثل التوسع في التوظيف الحكومي ومنح القروض العقارية والإنفاق على التعليم والصحة، وكذلك البنى التحتية والخدمات، ومن ثم أصبح الشعب يعتبر أن الرفاه مسؤولية الدولة، وهو النموذج الذي تعرض لتحدي الزيادة السكانية وانخفاض الدخل.

وأشارت الباحثة إلى أن نموذج الرفاه السعودي لم ينبن على رؤية واضحة، وأهمية الدور البشري ومن ثم انتهى إلى أزمة دفعت الدولة إلى الدخول في عملية الإصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وهو ما تجلّى في رؤية 2030.

وترى القويفلي أن الرؤية على الرغم من أهميتها لمواجهة الأزمة الحالية إلا أنها لم تضع من القضاء على الفقر كأحد أهدافها كما تبنّت نموذج "النيوليبرالية" القائمة على التوسع في الخصخصة وبيع مرافق الدولة على الرغم من التشكيك فيها ودورها في تفاقم الفقر، إضافة إلى صعوبة تطبيقها في ظل الفساد وغياب الرقابة.

وأضافت أن القول إن الفقر الناتج عن عملية التحول سيكون مؤقتاً مقابل خروج منه على المدى الطويل لم يحدد مدة الفقر قبل الخروج منه، خاصة مع وجود خبرات عربية طالت فيها الفترة ولم تنته مع مرور سنوات على تطبيق خطط الإصلاح الاقتصادي.

وذكرت القويفلي أن التحدي الرئيسي المستقبلي هو في الخصخصة التي ستطاول أهم قطاعين وهما التعليم والصحة، وهو ما سيمتد إلى الطبقة المتوسطة التي تعودت الحصول على الخدمات بالمجان بسبب الذهنية الريعية التي تقاوم ذهنية الإنتاج، كما أن الخصخصة في ظل فساد ومراكز قوى سيكون في صالح هذه المراكز على حساب باقي الطبقات.

ومن التداعيات المتوقعة أيضاً، وفقا للقويفلي، هو زيادة التفاوت الاجتماعي بسبب النوع أو المنطقة، داعية إلى ضرورة تطبيق إصلاحات مدنية وسياسية عبر السماح بحرية التنظيم والمساءلة ومشاركة المواطن في اتخاذ القرار.

وحول متطلبات الرحلة الانتقالية أشارت القويفلي إلى أهمية عدم تخفيض الإنفاق على الرفاه والنفقات الصحية وترسيم الحدود بين القاع العام والخاص والتوقف عن الاعتماد على النفط، مؤكدة أن الرؤية الإصلاحية يجب أن تكون موجهة لرفاه المواطنين قبل أن تكون موجهة لتقليل دور الدولة في الرفاه.

افتقاد عوامل التحول

أما الدكتور ناصر التميمي، الباحث المستقل في المملكة المتحدة، فقد أكد أن البرامج الإصلاحية السعودية أثارت اهتمام العالم نظرًا لما تمثّله المملكة من ثقل اقتصادي نتيجة عضويتها في مجموعة العشرين، ودورها المحوري في أسواق النفط العالمية، علاوةً على ما تتمتع به من مكانة دينية على المستويين الإقليمي والدولي.

وأضاف التميمي في ورقته بعنوان "إصلاح سياسات التنويع الاقتصادي في السعودية: خيار أم ضرورة؟" أنّ الدافع المباشر لهذه البرامج لإصلاح الاقتصاد كان نتيجة التأثير السلبي المباشر الذي خلفه الانخفاض الحاد في أسعار النفط، فالأساس المنطقي لهذا التحوّل في إدارة الاقتصاد السعودي كان واضحاً منذ وقت طويل.

وأشار إلى أن الاعتماد المفرط على النفط الذي يترافق مع تزايد النمو السكاني وتنامي متطلبات التنمية المحلية وارتفاع نسبة البطالة لدى فئة الشباب، جعل "رؤية 2030" ضرورة لا مفر منها.

وأكد أن المعالجة الجزئية تصل الى طريق مسدود، مشيرا إلى أن الدول الناجحة في التحول الاقتصادي، وهي المكسيك وماليزيا وإندونيسيا، تجمع بينها ثلاث خصائص، وهي العمالة الرخيصة وعملية توافق سياسي وانتقال ديمقراطي والتعاون الإقليمي المواتي للتنويع والتصدير، وهي عوامل أو خصائص غير متوافرة في السعودية وفقاً للتميمي.

ودعا التميمي إلى شفافية كاملة في عملية التحول وفي إدارة الصناديق الخاصة ووجود رؤية سياسية في برامج التحول بما يعطي المواطنين الحق في الرقابة والمساءلة.