الإمارات والفن: الثقافة كعلامة تجارية

08 سبتمبر 2015
+ الخط -

الاستثمار قد يكون اللغة التي تجيدها دولة الإمارات العربيّة المتحدة أكثر من أي لغة أخرى، وتحت سقفها يمكن أن نضع أهم ما يميّز مدنها الأساسية من منتجعات سياحيّة وأبراج شاهقة وشركات للإعمار والخدمات.

لم يتأخر الشأن الثقافي في الظهور على الأجندة الإماراتية، خصوصاً حين نعرف الربط الذي تقيمه العديد من الدراسات الاقتصادية بين جاذبية الاستثمار في مكان ما ونشاطه الثقافي والفني، إذ يتمتّع المنتوج الثقافي بقيمة تبادليّة خاصة ناتجة من لامادّيته.

من هذا المنطلق، سعت الإمارات إلى وضع استراتيجية ثقافية لا ينفصل فيها البعدان الثقافي والاقتصادي. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، بدأت تظهر حركة لمأسسة مشاريع ثقافية كبيرة نسبياً، سرعان ما أخذت نتائج عملها تظهر، خصوصاً عن طريق شبكة المهرجانات التي تواترت.

غير أن الملاحَظ في تجربة الإمارات الثقافية، هو أنها ظلّت محكومة برؤيتين توجّهانها في الآن ذاته. أولاً، من الصعب فصل البعد الترفيهي عن الثقافي في كل الفعاليات المنظمة، وهنا تبدو الصلة واضحة بين المفاهيم الأميركية للثقافة وتسويقها والاستراتيجيات الإماراتية، قد يعود ذلك إلى تشابه التجربتين.

فعلى عكس أوروبا أو دول الشرق، لا تتمتع الإمارات بتراكم ثقافي يغطي قروناً إلى الوراء باستثناء الجزء التراثي. نلمس هذه العدوى الأميركية أيضاً في النظر إلى الثقافة كعلامة تجارية تساهم في التنافس الاقتصادي الدولي.

أما التوجه الثاني الذي يحكم الاستثمار الثقافي في الإمارات، فهو نابع من خصوصية كل إمارة، إذ تختلف بشكل بارز محتويات ونوعيات البرامج التي نراها في أبو ظبي ودبي من جهة، وتلك التي نجدها في عجمان والشارقة، عن تلك التي تنظّم في الفجيرة ورأس الخيمة وأم القيوين، حيث إن "الثقافة المحلية" لكل إمارة ونسق تطوّر الحياة العامة فيها يطبعان توجهها الثقافي الحديث.

مع هذا التعايش بين متطلبات التنافس الليبرالي على مستوى عالمي والنزعة المحلية لكل إمارة، نستحضر العديد من المؤسسات التي سرعان ما عُرفت في فضائها العربي مع امتداد عالمي، على غرار "مؤسّسة الشارقة للفنون" والتي تتنوّع الفعاليات التي تنظمها من معارض الرسم إلى المتاحف الفنية والطبيعية وورش كتابة الحرف العربي ونشر سلاسل الكتب ودعم إنتاج الأفلام الوثائقيّة. هذه الحركية جعلت من الشارقة "عاصمة ثقافية" للعالم العربي عام 1998.

وبالتوازي، أحدثت إمارة رأس الخيمة "مركز الدراسات والوثائق"، إلى جانب تأسيس "مسرح رأس الخيمة الوطني" وعدد من دور السينما.

أما في العاصمة، أبو ظبي فكان مشروع "المجمع الثقافي" أهم استثمار ثقافي يُذكر، إضافة إلى منطقة الثقافة في جزيرة "السعديات" وبناء "متحف الشيخ زايد الوطني"، وهي مشاريع انضافت إليها أخرى مثل "متحف الفنّ الحديث" و"لوفر أبو ظبي"، و"المتحف البحري" وغيرها.

دبي، الإمارة الأكثر اندماجاً في سياق التجارة العالمية، أقامت هي الأخرى مشاريعها، وفي ضوء هذا الدور الذي تلعبه بالذات، فجرى تأسيس "هيئة دبي للثقافة والفنون" الراعي الأساسي للأنشطة الثقافية ومنها جرى تأسيس منطقة "القوز" التي تحتوي على عدد من صالات العرض الفنيّة، واستحدثت "منصّة الفنون المفتوحة"، وفي سنة 2010 قامت المؤسّسة ببعث مشروع "الفنّ في الأماكن العامّة".

كل المشاريع التي ذكرناها إلى حد الآن، يمكننا تصنيفها في إطار البنية التحتيّة الثقافيّة لا غير. أمّا على مستوى حركيّة هذه المؤسّسات وفاعليّتها، فإن العامل المحدّد كما أسلفنا هو خصوصية كل إمارة وموقعها وتراثها وتركيبتها.

ففيما عدا دبي وأبوظبي تبدو باقي المدن ذات قدرة محدودة على استقطاب المشاركات الخارجيّة، حيث تسيطر هناك النزعة التي تبتهج بتراثها وفنونها أكثر من الوافدة عليها، بل وتسعى إلى تصدير ثقافتها أكثر من احتضان ثقافة الآخر، وبالتالي يقتصر أثرها على مستوى داخلي.

في مقابل ذلك، نجد توجّهاً مغايراً يحكم الفعاليات الثقافية التي تقام في الإمارتين الباقيتين. قد يعود هذا الاختلاف لأسباب جغرافيّة بما أن طبيعة سكّان هاتين الإمارتين تجمع بين طبائع البحّار والصحراوي، إلى جانب انفتاح سكّان المنطقتين المبكّر على الليبرالية وعلى جميع الصعد.

تتجسد هذه الخصائص في نوعية التظاهرات التي تحتضنها هذه الإمارة أو تلك، ولعل أبرزها "مهرجان دبي السينمائي الدولي" الذي استحدث في 2004 واستقطب مشاركات من عدّة دول، إضافة إلى فعاليات أخرى مثل "المعرض الدولي للخطّ العربي" والذي يستقطب جميع الناطقين والكاتبين بالحروف العربيّة و"معرض الشرق الأوسط للأفلام والقصص المصوّرة" و"معرض دبي الفني" و"معرض دبي الدولي للأفلام".

وعلى نفس الإيقاع، أنشأت أبو ظبي عن طريق "مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون" عدداً من المهرجانات، ولتحقيق جاذبية لها ضاعفت قيمة الجوائز النقدية بالمقارنة بما هو معمول به دولياً.

يرفد كل هذه التحرّكات الثقافية الجانب الإعلامي. وهنا، نلاحظ أسبقية دبي وأبو ظبي اللتين استثمرتا في هذا المجال كضرورة في بادئ الأمر، لتغطية هذا الحراك الثقافي، وفي مرحلة ثانية بدأ يتحوّل الإعلام إلى استثمار في حد ذاته.

مع بداية الألفية الجديدة، شهدت القنوات الفضائية تنافساً بين الإمارتين في إطلاق التلفزيونات، تجلّى ذلك خصوصاً في بعث قنوات للمسلسلات المحليّة والمدبلجة، أو قنوات للفيديو كليب والأفلام، ثم ظهرت موضة البرامج والمسابقات الفنية والأدبية، ولعل هذه الفكرة -رغم ما يعتورها من تسطيح للإنتاج الثقافي- هي أهم ما ولّد حركية ثقافية في الإمارات، حيث إنها استقطبت مشاهير المجالات الأدبية والفكرية وأقامت لهم حضوراً شبه دائم في المدن الإماراتية.

تسير الإمارات على مسالك أخرى، إذ تستثمر في شركات الإنتاج الفنّي، كما أنها ترعى العديد من الجوائز لعل أبرزها "جوائز الشيخ زايد". ورغم الإنفاق الضخم نسبياً وشراء علامات ثقافية كاللوفر والبوكر وغيرها، لم تنجح الإمارات في تكريس مجلات ثقافية أو مشاريع نشر وأبحاث.

تبدو الإمارات ناجحة في خياراتها الثقافية من الزاوية التي راهنت عليها، وهي العائدات الاستثمارية منها؛ فالمنظومة التي وضعتها تقدّم عائدات مهمة بداية بجلب سياحة متنوعة وصولاً إلى النقطة الأهم وهي مبيعات البث التلفزي لهذه الفعاليات، ما يتيح للمهرجان أو المتحف أو المسابقة مزيداً من الانتشار والاهتمام الخارجي به.

كما تستفيد تجربتها من دفع قوي من الدعاية الغربية، إذ ترتبط مصالح هذه الأخيرة بتأمين مسار جيّد لمسالك التجارة الدولية والسياحة والخيارات الإستراتيجية سياسياً وعسكرياً.

المساهمون