الأخبار الكاذبة: أكبر مخاوف 2018

05 يناير 2018
الصورة
مؤسسات إعلامية وقعت في فخ الأخبار الكاذبة (بيتر دايزلي)
+ الخط -
كما بدأ عام 2017، انتهى: بـالأخبار الكاذبة. حالتان هما على النقيض تماماً من بعضهما، في بلدين لا يُشبهان بعضهما، ووسط تفاوتٍ كبير في مستوى الحريّات الصحافية الممنوحة في كلّ منهما... رغم كلّ ذلك، استطاعت الأخبار الزائفة الانتشار فيهما. 

فالعام الماضي بدأ مع أخبارٍ كاذبة في الولايات المتحدة الأميركيّة، ساهمت في وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية في العام الذي سبقه، كما استمرّت لترسم عهد ترامب الذي لا يكفّ عن الكذب في تصريحاته، وجرّت مؤسسات عالميّة للوقوع في هذا الفخّ. والعام الماضي، طُوي مع انتشار أخبار كاذبة من إيران، في ظلّ التظاهرات التي شهدتها البلاد من المواطنين، وفاجأت العالم. انتشرت صور ومقاطع فيديو تُظهر تمزيق صور المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وهتافات ضدّ الجوع وتمويل الحروب، وتدعو لإسقاط الرئيس حسن روحاني. وفي الوقت نفسه، انتشرت مقاطع فيديو تعود إلى العام 2009، وأخرى لا يُمكن التأكّد من صحّتها. وفي ظلّ وجود تطبيقات تواصل اجتماعي قليلة مسموحٌ بها في إيران، وانعدام الحريّات الإعلاميّة، كانت التغطية من هناك شبه منعدمة، فاعتمد العالم على مقاطع كانت في بعض الأحيان غير حقيقيّة.

وكان أبرز ما طغى على عام 2017 في مجال الإعلام، هو الأخبار الكاذبة. حول العالم، وقعت مؤسسات شهيرة بفخّ الأنباء المضلّلة والمزيّفة، وساهم انتشارها بالتأثير على السياسات حول العالم. تلك الأخبار الزائفة، همٌّ عالمي، يشغل الإعلام وشركات التواصل الاجتماعي، والسياسيين، على حدّ سواء، ولعلّه أكبر وزرٍ يحمله عام 2018 مع بدايته.

ولعلّ أبرز مثالين على ذلك كانا الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، وتكشّف البروباغندا الروسيّة التي دعمت الرئيس دونالد ترامب. وفي الأصل، بدأت فكرة الأخبار الكاذبة تُعرف إلى العالم في الانتخابات الأميركيّة، عام 2016 الماضي، تحديداً بسبب مقالات غير منطقيّة انتشرت بشكلٍ كثيف حينها. ولقد استهدفت الأخبار الكاذبة خلال الحملة الانتخابيّة، المرشحة الديمقراطية الخاسرة هيلاري كلينتون، فاعتبر محلّلون بعد الانتخابات، أنّ الأخبار المفبركة كانت سلاحاً استُخدم ضدّ كلينتون، وساهم بفوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

أحد تلك الأخبار كان يتحدث عن إيجاد هاتف هيلاري كلينتون من نوع بلاكبيري في أحد المتاجر، وعن علاقاتٍ جنسية كاذبة لكلينتون، بالإضافة إلى استغلال فضيحة البريد الإلكتروني الخاص بها لاختراع قصص مفبركة.

وبعد الانتخابات، ادّعت أخبار كاذبة أنّ ترامب فاز بالأصوات الشعبية وأصوات المجمع الانتخابي، وهو عارٍ عن الصحة، فقد فاز ترامب بأصوات المجتمع الانتخابي فقط، وفازت هيلاري بأكبر عدد من أصوات الشعب.

ولعلّ أكبر مثالٍ عربي على خطورة الأخبار الكاذبة وتأثيرها السياسي كانت في الخليج، إثر قرصنة وكالة الأنباء القطرية (قنا) في مايو/أيار ونشر تصريحات مفبركة لأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، واستغلال دول الحصار لتلك التصريحات كحجّة لفرض حصار على قطر في حزيران/يونيو.

وفي الدول الآسيوية تحديداً، برزت هذه المشكلة خلال الانتخابات في إندونيسيا وأزمة مسلمي الروهينغا في ميانمار والحرب على المخدرات في الفيليبين، حيث استُخدمت الأخبار الزائفة والمضللة في تعزيز خطاب الكراهية والصور النمطية والدعاية الإعلامية (بروباغندا).



كما طاولت الأخبار الكاذبة، العام الماضي، أحداثاً كبيرة، كالهجمات الإرهابية، وبينها اعتداء ويستمنستر في لندن في مارس الماضي. واستغلّ مروّجو الأنباء المضلّلة صوراً لنشر الإسلاموفوبيا بشكلٍ كبير. فقد انتشرت صورة امرأة مسلمة ترتدي الحجاب على جسر ويسمنستر، وهي تدير وجهها، وعلى الأرض أحد الضحايا، في ما تمّ الترويج له لـ"منع الإسلام" والقول إنها غير مكترثة للإرهاب وضحاياه. وفي نهاية العام، تم الكشف عن أنّ مُروّج الفكرة روبوت روسي.

وطاولت الأنباء الزائفة الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات أيضاً. وانتشرت بشكلٍ كبير قصة تقول إنّ رجل دين مسلما أغلق باب جامعه أمام الضحايا المسيحيين لإعصار "هارفي" في تكساس في أغسطس/آب الماضي.

ووقع البيت الأبيض في فخّ الأخبار الكاذبة، حينما نشر مقطع فيديو عن الإعصار إيرما وضحاياه في ميامي. كما انتشرت دعوات لإغاثة فتاة مكسيكية تدعى فريدا صوفيا في سبتمبر/أيلول، بعد القول إنّها عالقة في أنقاض الزلزال، قبل أن يتبيّن أنّ فريدا لم تكُن موجودة أصلاً.


ووقعت مؤسسات إعلاميّة كبيرة في فخّ الأخبار الكاذبة. ولعلّ ما حصل مع قناتين أميركيّتين كبيرتين أواخر العام، وفتح النار عليها من قبل الرئيس ترامب، أعطى حججه في الهجوم على الصحافة وحريّتها بعض المصداقيّة أمام الجمهور، ما يُمثّل انزلاقاً خطيراً.
ففي ديسمبر الماضي، صححت شبكة "سي إن إن" الأميركية تقريراً أفاد بأن حملة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تلقت تحذيراً مسبقاً حول وثائق "اللجنة الوطنية الديمقراطية" المسربة التي نشرها موقع "ويكيليكس".

وكانت "سي إن إن" قد أشارت إلى أن شخصاً باسم "مايك إريكسون" تحدث عن قدرة المسؤولين على الاطلاع على الوثائق المسربة قبل نشرها، اعتماداً على مصدرين شاهدا رسائل ترامب الإلكترونية، ورسائل نجله دونالد ترامب جونيور، ومستشارين آخرين، في 4 سبتمبر/أيلول عام 2016.

وفي اليوم التالي أوضحت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية أن البريد الإلكتروني أُرسل في 14 سبتمبر/أيلول عام 2016، ما يعني أن المذكرة نبهت الحملة إلى المعلومات المنشورة علناً بالفعل.

وأصدرت الشبكة بياناً توضيحياً أقرّت فيه بأن "التقارير الأولية التي نشرتها (سي إن إن) حول تاريخ البريد الإلكتروني الموجه لأعضاء في حملة ترامب عن وثائق (ويكيليكس)، عبر مصدرين، كان غير صحيح". وأضافت "عدّلنا تقريرنا، ليتضمن التاريخ الحقيقي، وبالتالي تقديم السياق الملائم لما ورد في البريد الإلكتروني".


من جهتها، جمّدت إيه بي سي، عمل صحافي الاستقصاء، براين روس، إثر إيراده خطأ أنّ ترامب أسدى تعليمات لمستشاره مايكل فلين بالاتصال بروسيا قبل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2016. لكنه في الواقع فعل ذلك إثر الانتخابات.

وذكرت القناة في بيان "نعبر عن عميق أسفنا ونعتذر عن أي خطأ فادح تسببنا فيه بالأمس... ونتيجة لتغطيتنا المتواصلة خلال الساعات التي تلت ذلك فقد قررنا أن المعلومات كانت خاطئة وقمنا بتصويب الخطأ على الهواء وعلى الموقع الإلكتروني". وأضافت "إيه بي سي نيوز" ABC التي تمتلكها شركة والت ديزني "يسري من الآن وقف براين روس لأربعة أسابيع بدون أجر".

وأقر فلين بالكذب على مكتب التحقيقات الاتحادي عن اتصالاته بروسيا، ووافق على التعاون مع الادعاء فيما يتعلق بتصرفات الدائرة المقربة للرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل توليه السلطة.
وكانت "إيه بي سي نيوز"، قد نقلت عن مصدر موثوق به أن فلين، كان مستعدًا للشهادة بأن ترامب أمره بالاتصال مع الروس عندما كان مرشحاً رئاسياً.

وصوبت "إيه بي سي نيوز" التصريحات فيما بعد، وقالت إن المصدر أوضح أن ترامب عهد لفلين و"دائرة صغيرة من كبار المستشارين" بإيجاد طرق لتحسين العلاقات مع روسيا، والنقاط الساخنة الأخرى خلال حملة الرئاسة.


وتستمرّ المخاوف من الأخبار الكاذبة مع بداية العام 2018. وتُحاول شركات التواصل الاجتماعي محاربة تلك الأنباء المضلّلة والزائفة عبر عددٍ من الخطوات التحذيريّة، إلا أنّ خطواتها لا تلقى في كثيرٍ من الأحيان الهدف المطلوب. ويقوم "فيسبوك" بإخطار المستخدمين بأنّ الأخبار كاذبة، ويعرض إلى جانبها مقالاتٍ مرتبطة تُشير إلى الكذب فيها. بينما وسّع "تويتر" في ديسمبر قواعده حول ما يُعتبر محتوى كراهية وأذيّة على المنصة. لكنّ تحذير المستخدمين ليس سهلاً، ولا يمنع انتشار تلك الأنباء بالضرورة.