استنساخ الثورة المضادة... وقائع مصرية في الخرطوم

25 مارس 2020
الصورة
علاقة وثيقة تربط السيسي والبرهان (وكالة السودان للأنباء)
+ الخط -
 
 
 
 
 
 
يربط سودانيون بين وقائع متوالية تجري في بلادهم منذ الإطاحة بنظام عمر البشير في إبريل/نيسان من عام 2019، وأخرى تشبه إلى حد كبير ما جرى بعد الثورة المصرية المنكوبة التي تم اغتيالها بانقلاب قاده وزير الدفاع والرجل الأقوى في مصر عبد الفتاح السيسي صيف عام 2013، مدعوماً بغطاء من التحالف السعودي الإماراتي الرافض الديمقراطية والإصلاحات السياسية المترتبة على "الربيع العربي".

وتشبه بدايات ثورة السودان ما جرى في مصر، إذ شهدت الخرطوم قبل عام انتفاضة شعبية واعتصامات جماهيرية تشبه إلى حد كبير ما وقع في القاهرة عام 2011 بميدان التحرير والمحافظات المصرية، ولاحقاً استجابت قيادة الجيش للتطلعات الجماهيرية لتعزل رئيس النظام السوداني مثل ما جرى من قبل في القاهرة، ومن ثم قامت بتشكيل مجلس عسكري لإدارة البلاد.

مآلات التجربة المصرية جعلت السودانيين يرفضون السماح للجيش بالانفراد بإدارة المرحلة الانتقالية ليطالبوا بتسليم السلطة للمحتجين وأن يعود الجيش إلى ثكناته وهو الأمر الذي رفضه العسكريون، ما أدى لصدام دموي مع المحتجين قُتل فيه 61 من المعتصمين أمام القيادة العامة، طبقاً لتقدير سليمان عبد الجبار، وكيل وزارة الصحة السودانية، الصادر في يونيو/حزيران من عام 2019، بينما تؤكد مصادر حقوقية أن العدد يصل إلى 108 ضحايا.

لكن الوضع في الخرطوم اختلف عقب نجاح وساطة إفريقية أثيوبية في استعادة المسار السياسي وبناء شراكة ما بين قوى الحرية والتغيير الجهة السياسية التي قادت الاحتجاجات والمجلس العسكري وبموجبها حصلت قوى الحرية والتغيير على مجلس الوزراء، بينما تشارك مجموعة مدنية جرى اختيارها منهم قادة المؤسسة العسكرية في التمثيل السيادي للبلاد في مجلس رئاسي مختلط نصفه من المدنيين.

نظرياً تم تجنب السيناريو المصري، هكذا اعتقد المحتجون، خصوصاً وأن قوى الحرية والتغيير لا تضم تشكيلات من الإسلام السياسي (العدو المفترض للدول التي دعمت الثورات المضادة في العالم العربي)، لكن عملياً يواجه الانتقال الديمقراطي في السودان خطراً حقيقياً من أمرين الأول: تمدد سيطرة المؤسسة العسكرية السودانية على اقتصاد البلاد بما يمكن أن يؤدي إلى تأسيس جمهورية ضباط على غرار التجربة المصرية وخاصة بعد مصادرة شركات وممتلكات عناصر النظام السابق وجهاز الأمن الذي تمت إعادة هيكلته في ظل أن المؤسسة العسكرية لديها بالأصل منذ عهد النظام السابق شركات سبق وأن وصفها موسى كرامة، وزير الصناعة السوداني السابق في تحقيق لـ"العربي الجديد"، بأنها ظلت مدخلاً للفساد الإداري والمالي والتحايل على الإعفاءات الضريبية والجمركية طوال فترة عملها في عهد النظام السابق.

التهديد الثاني يأتي من شبكة العلاقات الدولية المعقدة التي بدأت المؤسسة العسكرية في نسجها مع المحور السعودي الإماراتي ابتداءً ومؤخراً بالتطبيع مع دولة الاحتلال الصهيوني، والانفتاح على إدارة ترامب، وهذه الجهات هي الداعم الرئيسي لنمط الحكم الأوتوقراطي العسكري في مصر وشرق ليبيا تحت دعاوى الاستقرار ومواجهة الفوضى والتطرف.
 
 
 

تشابه إلى حد التطابق


تتشابه وقائع وأحداث تلت الثورتين المصرية والسودانية بشكل يصل إلى حد التطابق، منها اختفاء واستقالة عوض بن عوف نائب الرئيس المخلوع بعد قراءة بيان عزل البشير في مشهد يشبه ابتعاد عمر سليمان بعد تعالي هتافات المتظاهرين ضده في ميدان التحرير.

والتوجه نحو السيطرة الاقتصادية الكاملة على البلد واستغلال الثورة لضرب مراكز قوى النظام القديم لصالح المؤسسات الاقتصادية للجيش. وتقويض المؤسسة الأمنية والمخابراتية لصالح الجيش وإعادة هيكلتها وتغيير اسمها من جهاز الأمن والمخابرات الوطني إلى جهاز المخابرات العامة على الطريقة المصرية. وتصفية الجيش من عناصر النظام السابق كذلك من الضباط المتعاطفين مع الثورة في مشهد يشابه ما قام به الجيش المصري مع مجموعة ضباط 8 أبريل وهم 21 ضابطًا في القوات المسلحة المصرية، وألقي القبض عليهم لاعتصامهم مع أهالي الشهداء في التحرير خلال فض اعتصامهم في إبريل/نيسان 2011.

الوقائع المتشابهة جعلت بعض المحللين يقولون إن ما يحدث هو عبارة عن فيلم مكرر لمخرج واحد، وهنا يقول المدير السابق لهيئة الأعمال الفكرية محمد الواثق أبو زيد، أن التشابه بين ما يحدث في السودان ومصر أمر لا يمكن قراءته دون سياق تاريخي وجغرافي، وخاصة منذ انتقال عدد كبير من التيارات الفكرية والأيديولوجية من المنبع المصري إلى الخرطوم، هذه التيارات كانت صدى لتحديات جابهت السودان مثل مصر، سواء كان الحزب الشيوعي أو حركة الإخوان المسلمين وإلى الآن ترتبط بعض الأحزاب بمصر مثل "الاتحادي" وهو ما يشير  إلى التأثير الكبير لمصر في السودان.

وتعد المؤسسة العسكرية هي الأقوى والأكثر قدرة على التأثير والسيطرة بشكل مطلق في مصر كما السودان، قبل وبعد ثورتي البلدين، كما يكمل أبو زيد، موضحاً أن الوضع في السودان مشابه لأن المؤسسة العسكرية تحوز قدراً كبيراً من ملفات التأثير فكل ملفات السلام وجانب مهم من الاقتصاد في يد الجيش ولما كانت الوشائج ما بين المؤسسة العسكرية السودانية والمصرية كبيرة باعتبار أن المؤسسة السودانية بنت للمؤسسة الأم (قوات دفاع السودان)، يتضح من هنا التأثر الكبير بين المؤسستين العسكريتين في القاهرة والخرطوم، وهو ما يبدو في التعامل مع الضباط المتعاطفين مع الثورة في البلدين، إذ تسببت إحالة الضابط محمد صديق مع آخرين إلى التقاعد مؤخراً والتي يقارنها نشطاء سودانيون بما جرى مع ضباط 8 أبريل المصريين، في الصدام ما بين المكون العسكري والثوار بعدما قمعت الشرطة المحتجين على القرار بوحشية، ثم تحدثت عن مندسين في صفوف الثوار (سبق وأن استخدم المجلس العسكري المصري نفس التعبير مرات عديدة)".

ويعلق مدير إدارة الإعلام بجهاز الأمن سابقاً اللواء محمد حامد تبيدي قائلاً: "أعتقد أن موقف المؤيدين والداعمين للضابط المعاشي المذكور كان عاطفياً بحتاً غير مدروس وغير محسوب في البداية تعاطفوا معه لموقفه المنحاز والداعم للاعتصام والمعتصمين لكن التوقف عن دعمه والتفاعل مع قضيته يعود في تقديري لعدة أسباب، منها ردة الفعل الحاسمة من الجيش بأن المذكور أُحيل ولن يعود للخدمة بل وتوضيح الجيش من أن للمذكور تصرفات غير قانونية مع رجال شرطة وأن إحالة ضباط من مختلف الرتب سنوياً إلى المعاش أمر معتاد وأخيراً هناك تفاهمات ومقتضيات شراكة بين مكونات عملية الانتقال ربما كانت حاضرة في تهدئة وإغلاق هذا الملف".

وكان المتحدث العسكري العميد ركن عامر محمد الحسن قد أوضح أسباب إحالة الملازم أول محمد صديق إلى التقاعد عبر بيان صدر في فبراير/شباط الماضي قائلاً أن "رقم البطاقة 27352 ملازم أول محمد صديق إبراهيم أحمد الدفعة (58) ويتبع للفرقة التاسعة المحمولة جواً قام بتحريك عربة عسكرية إلى قسم شرطة الحاج يوسف (ضاحية شرق الخرطوم) واعتدى بالضرب والإساءة على ضباط شرطة وأتلف المعدات وفتحت في مواجهته ثلاثة بلاغات، بالإضافة إلى مخالفات عسكرية أخرى كالاتصال مع الأحزاب السياسية وكثرة التعذر بالبلاغات المرضية لذلك قررت المؤسسة العسكرية إحالته للمعاش" وهو ما رفضه من يرون في الضابط نموذجاً على الانحياز للثورة إذ يعتبر الملازم أول محمد صديق من أوائل الضباط الذين تضامنوا مع الثوار في ساحة الاعتصام وأعلن مخالفته للأوامر العسكرية في مواجهة الثوار داعيًا جميع القيادات العسكرية للانضمام إلى الثوار في ساحة الاعتصام في ذلك الوقت. 
 

 
 


حكومتان في الخرطوم

يكشف اللقاء الذي تم في مدينة عنتيبي الأوغندية في فبراير الماضي، ما بين رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دون علم الحكومة السودانية ومن ثم دعوة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو رئيس المجلس السيادي لزيارة الولايات المتحدة، أن القدر الأكبر من السلطة ليس بيد المدنيين أو الحكومة بل بيد الأعضاء العسكريين في مجلس السيادة وأن المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية يدركون ذلك ولهذا فإنهم يراهنون على هذه القوة وهو ما يشبه إلى حد كبير ما حصل في مصر عندما كان تشاك هيغل وزير الدفاع الأميركي يتحدث على الهاتف باستمرار مع الفريق أول عبد الفتاح السيسي عن تطورات الوضع في مصر باعتباره الرجل القوي، وتعامل سفيرتي الولايات المتحدة سكوبي وباترسون مع قيادات الجيش المصري باعتبارهم الحكام الفعليين للبلاد .

الوقائع السابقة قرأها وزير سوداني سابق، رفض الكشف عن اسمه للحديث بحرية، واصفاً الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي بالخرطوم بأنها عبارة عن حكومتين منفصلتين في البلد، واحدة معلنة يديرها نشطاء الحرية والتغيير وأخرى يديرها المجلس العسكري وضرب الوزير السابق مثالاً بقضية سد النهضة قائلاً: "بينما تقترب أحزاب الحرية والتغيير من الموقف الإثيوبي من سد النهضة فإن المجلس العسكري يقود البلاد لموقف أقرب إلى تفهم اعتراضات مصر على السد".

ويتفق البروفيسور محمد يوسف المصطفى القيادي في تجمع المهنيين والحركة الشعبية قطاع الشمال مع القول بأن هناك حكومتين، مستدركاً: "حكومة حمدوك المدنية قائمة وأخرى أسسها نظام البشير، خلال 30 عاماً هذه الحكومة موجودة في المكونات العسكرية والأمنية والشرطية بالإضافة في مفاصل الخدمة المدنية، ورغم أن الثورة أطاحت برأس النظام لكن الدولة الموازية التي أسستها الإنقاذ لا تزال موجودة في حماية نظام البشير وحماية مؤسساته وتشريعاته ومصالحه وهذا يؤثر بلا شك على أداء الحكومة التي يقودها عبد الله حمدوك رغم الدعم الشعبي الواسع والآمال العراض وبرنامج الثورة في التغيير وهو ما يعود لوجود الدولة الموازية التي تتمتع بكامل الإمكانات المادية واللوجستية".

وتعليقاً على الأمر يقول القيادي بقوى الحرية والتغيير المهندس محمد التجاني قائلاً: "شخصياً أعتقد أنه فعلاً توجد حكومتان إذا أخدنا في الاعتبار أن السودان ليس الخرطوم، فحكومات الولايات لا تزال تحت يد من عُيّنوا بواسطة المجلس العسكري. وملف التفاوض كله في يد العسكريين، وهم من وقعوا على اتفاق جوبا الإطاري والذي احتوى شرط تأجيل تعيين الولاة والمجلس التشريعي وهو ما كانت قوى الحرية والتغيير تعول عليه لأجل إحداث التوازن السياسي وإشراك قوى الثورة في الحكم وتفعيل آلية محاسبة الوزراء عبر المجلس التشريعي، بالتالي كل السودان عدا الخرطوم محكوم بواسطة المؤسسة العسكرية".

 
 


حصار اقتصادي غير معلن

عقب سقوط نظام البشير وعدت الإمارات والسعودية، السودان بدعم يبلغ 3 مليارات دولار،  وحسب ما قاله وزير المالية السودانية الدكتور إبراهيم البدوي 27 فبراير الماضي، فإن الدولتين لم تقدما "2.25" مليار دولار متبق من المنحة التي وعدتا بها وفق ما قال في تصريحات لوسائل إعلام محلية، ويشبه الأمر إلى حد كبير ما جرى في مصر بعد الانقلاب على ثورة يناير، إذ تدفق دعم الدولتين بصورة لا تقارن بما حدث مع حكومات عصام شرف والجنزوري وهشام قنديل.

حاجة السودان إلى المال يعلق عليها البروفيسور محمد يوسف المصطفى قائلاً: "يمكن للاقتصاد السوداني النهوض بالإمكانات الذاتية دون الاعتماد على المصادر الخارجية لأن القوى الموجودة على الساحة الدولية أو الإقليمية ليست لها مصلحة حقيقية في دعم توجهات حكومة الثورة ويمكن لها أن تستثمر في حاجة الدولة في المال بما يخدم مصالحها أكثر من الخرطوم".