استمرار الاشتباكات في جنوب ليبيا: أسباب داخلية وتدخلات دولية

استمرار الاشتباكات في جنوب ليبيا: أسباب داخلية وتدخلات دولية

13 مايو 2018
الصورة
حفتر بموقف المتفرج رغم وجود قواته بالميدان (فرانشيسكو ليون/Getty)
+ الخط -
تواصلت، اليوم الأحد، بشكل متقطع، المعارك بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وقوات المجلس الرئاسي لحكومة "الوفاق الوطني"، في مدن جنوب ليبيا، بينما تبرز تساؤلات عن أسباب عدم الحسم واستمرار تدهور الأوضاع الأمنية، من دون إغفال التدخلات الدولية.

ومنذ إعلان حفتر عن عملية "فرض القانون"، ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة "الوفاق الوطني"، فايز السراج عن عملية "بشائر الأمن" في الجنوب الليبي، في يناير/كانون الثاني الماضي، وصل عدد ضحايا الاقتتال في مدينة سبها جنوب شرقي ليبيا، إلى 17 قتيلاً وعشرات الجرحى، وفق آخر بيانات "مركز سبها الطبي"، أمس السبت.

وتوقف مراقبون عند أسباب عدم حسم الأوضاع في الجنوب الليبي، وسط تردي الحالة الأمنية، ولا سيما أن حفتر لا يزال يتخذ موقف المتفرج، رغم وجود قواته على الأرض، فيما اختفى السراج ميدانياً عن المشهد، وواصل حضوره فقط من خلال أوراق البيانات الداعية للتهدئة، وشجب التصعيد المسلح.

وانتقد عضو مجلس النواب عن سبها مصباح دومة، في حديث لــ"العربي الجديد"، اليوم الأحد، "الصمت الرسمي الليبي والدولي عما يجري في سبها والجنوب"، محمّلاً مسؤولية الفوضى لكل من حكومة "الوفاق الوطني"، ووزارات الدفاع في حكومات ليبيا المتعاقبة، وقوات حفتر.

واعتبر دومة أنّ "استمرار الانقسام السياسي، كان سبباً مباشراً لتداخل الأوضاع في الجنوب الليبي"، ولما وصفه بــ"احتلال مرتزقة تشادية لمدن بكاملها في الجنوب"

في حين وجد المحلل السياسي الليبي الجيلاني أزهيمة، صعوبة في توصيف المشهد في الجنوب الليبي بشكل عام، وفي سبها التي يدور فيها القتال حالياً بشكل خاص.


وأرجع أزهيمة، في حديث لــ"العربي الجديد"، اليوم الأحد، ما يحدث في الجنوب منذ عام 2011، وتصاعد الفوضى ووصولها إلى الوضع الحالي، لسببين؛ الأول: العلاقة الغريبة والغامضة بين حكومة السراج وقوات حفتر، مشيراً إلى أنّ "السراج ترك الجنوب مسرحاً مفتوحاً لحفتر دون منافس، بالرغم من امتلاك السراج لتحالفات تمكنه من الوجود الفعلي هناك، كما أنّ له من العلاقات السياسية القوية مع دول الجوار الليبي، ما يساعده على ضبط الحدود الجنوبية، وكف تسرّب حركات التمرد الأفريقية".

أما السبب الثاني، بحسب أزهيمة، فهو "بروز الخلافات القبلية مجدداً، والتي حوّلت الجنوب إلى ساحة صراع مسلح، شجع غياب الدولة فيها، وعدم وجود سلطة تمسك زمام الأمور، على استمرار الصراع فيها، وبالتالي انحاز المواطن إلى القبيلة لدفع القبيلة الأخرى، بل ذهب للاستعانة بالقبائل من دول الجوار".

خلافات قبلية

وأوضح أزهيمة أنّ "حفتر يعمل على تأجيج الخلافات القبلية، وهو ما زاد من توتر الأوضاع"، مذكّراً بأنّ "حفتر انقلب في فبراير/شباط الماضي، على قبيلة التبو مع أنّها كانت من أشد حلفائه طيلة سنوات، ووصفهم بالمرتزقة وهدد بقصفهم وتحالف مع خصمهم القبلي أولاد سليمان في سبها".

ولفت أزهيمة، إلى أنّ حفتر أعلن، أمس السبت، وسط القتال المحتدم، عن سحب قواته المساندة للواء السادس التابع لأولاد سليمان في سبها، معتبراً أنّ ذلك "خطوة ستشجع خصومهم التبو على العودة لقتالهم".

من جهته، اتفق سليمان سوكر مدير "جمعية فزان" للدراسات الاستراتيجية، مع رأي أزهيمة في تاريخية أسباب الصراع، لافتاً أيضاً إلى أنّ "جزءاً منها يعود إلى مخلّفات حرب ليبيا على تشاد"، مشيراً إلى أنّ "قبائل تشادية تقوم بعمليات انتقام واسعة بالجنوب الليبي"، معتبراً أنّ "حفتر هو من عوامل الفوضى، وليس من أسبابها".

وقال سوكر، لــ"العربي الجديد"، اليوم الأحد، إنّ "القوة الثالثة التابعة لحكومة الوفاق الوطني، طيلة السنوات الماضية، وقبل مجيء حفتر، كانت تلعب ذات الدور في تأجيج الخلافات القبلية"، مضيفاً أنّ "حركات التمرد التشادية تعتبر خصم حفتر الحليف لرئيس الحكومة التشادية إدريس ديبي".

وذكّر سوكر بإعلان فصيلين من المعارضة التشادية المسلحة المتواجدة في جنوب ليبيا؛ من بينها "مجلس القيادة العسكرية من أجل الجمهورية"، عن المشاركة في اشتباكات سبها، أمس السبت، إلى جانب "التبو".

تدخلات دولية

ورأى سوكر، أنّ "اختلاف الرؤى الإقليمية والدولية حول ليبيا، هو السبب الأول في فوضى الجنوب، فهناك رؤية فرنسية وأخرى إيطالية، وأخرى مصرية إماراتية، ورؤية جزائرية، ولكل دولة جناحها العسكري والسياسي"، معتبراً أنّ "فرنسا التي تقف وراء حفتر في الجنوب، تمتلك وجوداً أقوى وبالتالي رؤيتها أقرب للتطبيق هنا".

وأكد سوكر أنّ مسألة الجنوب الليبي، "تأتي ضمن الصراع المحتدم بين فرنسا وإيطاليا بشكل رئيسي، بينما كل الأطراف المحلية؛ قبلية وعسكرية، هي أذرع لهذا الصراع"، مشيراً في الوقت عينه إلى "انفصال جزء كبير من الجنوب الليبي، عن سيطرة أي طرف في البلاد؛ سواء كان السراج أم حفتر".

وقال إنّ "سلطات أي قوة في ليبيا، تنتهي عند مسافة 17 كيلومتراً جنوبي سبها... وما وراءها إلى حدود ليبيا لا يسيطر عليه أحد سواء المليشيات القبلية، وحركات التمرد المختطلة والمتخاصمة".

وتحدّث سوكر عن "معلومات مؤكدة، تفيد بأنّ جرحى ومصابي حركات التمرد والمليشيات، يعالجون في مستشفى ميداني تابع لقاعدة الماداما الفرنسية القريبة من الحدود الليبية".

وذكر أيضاً أنّ "إيطاليا تدعم بعض القوى المسلحة، لكنّها تركّز على نفوذ الزعامات"، مشيراً إلى أنّ إيطاليا "استضافت لقاء عمداء البلديات، في أغسطس/آب الماضي في روما، كما رعت قبلها اتفاقية المصالحة بين التبو وأولاد سليمان، في إبريل/نيسان الماضي، والتي وقعت في روما أيضاً".


أما فرنسا، بحسب سوكر، فهي "تختفي وراء المسلحين والقبائل التي شجعت الآلاف منهم على التسرب إلى الجنوب، مقابل دفع أهالي فزان إلى الهجرة إلى الشمال بسبب الحرب، لإحداث تغيير ديمغرافي في المنطقة".

وذهب سوكر إلى القول إنّ "الأمر لا يقتصر على سبها فقبلها أوباري ثم الكفرة، والملاحظ أنّ الثلاث هي كبرى حواضر الجنوب التي تمتلك كل القبائل فيها تمثيلاً أو وجوداً"، مرجّحاً تحوّل القتال إلى صراع نفوذ في مناطق أخرى، قريباً.

المساهمون