استراحة إيمانويل ماكرون الأرمنية قبل التعديل الحكومي الوشيك

11 أكتوبر 2018
الصورة
حديث عن خلافات ماكرون وإدوار (مارك بياسكي/Getty)
+ الخط -

رغم مرور أكثر من أسبوع على استقالة وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولومب، من إحدى الوزارات الرئيسية في حكومة فيليب إدوار، لم يعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حكومة جديدة، أو يجر تعديلا جزئيا أو موسعا. 

وعلى الرغم من أن الإيليزيه برّر هذا التأخر بأن الرئيس ماكرون "يريد أخذ الوقت الكافي في هدوءٍ ومهنية، من أجل تأليف مجموعة متناسقة"، وأيضا "احترام الوقت للتحقق القانوني"، إلا أن ثمة مستجدات لم تكن موجودة في التعديلات السابقة. 

وعلى الرغم من تأكيد رئيس الحكومة الفرنسية صباح اليوم الخميس، عدم وجود أدنى اختلاف بينه وبين الرئيس ماكرون، يكشف هذا التأخر غير المسبوق أن نقاشات طويلة بين الرجلين لم  تُثمر بعد عن تخريجة جديدة.

ويعزو المراقبون سبب الخلاف بين الرئيس ماكرون ورئيس حكومته إلى عدم اتفاقهما على اسم وزير الداخلية المقبل، أي حول الشخص الذي يستطيع أن يدير قضايا عديدة في آن واحد: التقطيع الانتخابي، وتوفير الأمن للفرنسيين، وأيضا تنظيم العلاقات بين الدولة وبين الديانات، وخاصة الإسلام، الذي لا يزال ممثلوه ينتظرون خطاب ماكرون الموعود.

ويؤكد مقرَّبون من رئيس الحكومة اقتراحَه جان كاستيكس، الأمين العام السابق للإيليزيه، أثناء رئاسة نيكولا ساركوزي، وزيراً للداخلية، وهو ما لم يَرُق كثيرا من رجال الرئيس ماكرون، من اليساريين السابقين، الذين يريدون رؤية وزير للداخلية قادم من اليسار. 

 

وفي السياق، تؤكد صحيفة "ليبراسيون" أن كريستوف كاستانير، زعيم حزب "الجمهورية إلى الأمام" وسكرتير الدولة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، رأى نفسَه في هذا المنصب الرفيع، أي إنه الأحق بتعويض وزير الداخلية المستقيل جيرار كولومب، الذي ينحدر من اليسار. 

وتضيف الصحيفة أن كاستانير، الذي يحظى بشعبية كبيرة بين نواب الأغلبية الرئاسية، "هدد بالاستقالة من الحكومة إذا لم تُلَبّ رغبته". 

وفي غضون ذلك، لا يزال رئيس الحكومة هو وزير الداخلية بالوكالة، ولا تزال فرنسا تنتظر التعديل المنتظر، وسط انتقادات حادة من كل أطياف المعارضة، التي لا تنتقد فقط ما تسميه "وهن المشروع الرئاسي"، ولا تأخر وصول وزير داخلية جديد، فيما لا تزال التهديدات الإرهابية ماثلة، وأزمة المهاجرين واللاجئين تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي، وأحيانا الاستقرار السياسي في بعض دوله، كما هو الحال في ألمانيا، بل لا تخفي أيضا قلقها من محاولات الثنائي الحاكم ماكرون وفيليب، استمالة بعض قياداتها، بعدما رأت هذه الأحزاب أسماء وازنة فيها تغادرها قبل أكثر من سنة، وتلتحق برئيس جمهورية لا يفتأ يصرّح: "لستُ من اليمين ولا من اليسار". وفي هذا الصدد، كشف الحزب الاشتراكي عن رفض اثنين من نوابه البرلمانيين ولوج الحكومة في تعديلها المقبل.

ولا يخفي بعض أنصار ماكرون، ومنهم من لحق به في بدايات حملته الانتخابية، بعض القلق من ضغوطات يمارسها إدوار فيليب على الرئيس، لفرض بعض الأسماء، وخاصة أن الوقائع تؤكد أن معظم من غادَر الحكومة الفرنسية طوعا أو كرها، منذ تأسيسها، بعد فوز ماكرون، محسوبون على الرئيس، ابتداءً من فرانسوا بايرو إلى نيكولا هولو وجيرار كولومب، فيما الوزراء القادمون من اليمين الذين تم تعيينهم بتوصية من إدوار فيليب، وبعضهم في وزارات حساسة كالميزانية والاقتصاد، يؤدون وظيفتهم "في تفان وإخلاص".

ولا يخفي هؤلاء المقربون من الرئيس ماكرون أن الأزمات الماضية، من "قضية ألكسندر بنعلا" إلى استقالة نيكولا هولو وجيرار وكولومب، التي هوت بشعبية الرئيس، منحت بعض الثقة لرئيس الحكومة وجعلته يبدو في نظر قطاعات عريضة من الشعب الفرنسي "مدافعا عن القانون وعن ديمومة الدولة"، بخاصة مع توليه وزارة الداخلية، الذي تصادَف مع تحقيق الشرطة والاستخبارات لصيد ثمين، متمثل في اعتقال السجين الهارب رضوان فايد، "عدو الشعب رقم واحد"، بينما غادر وزيران مقر عملهما دون أن يُكلِّفا نفسَيهما، كما هو معمول به، إطلاع رئيس الوزراء على الأمر.

ولا يختلف كثيرون في تفسير رؤية الرئيس ماكرون منشغلا في زيارات داخلية وخارجية، وكأن لا شيء ينتظر الحلحلة، دليلا على أن الرئيس يمارس، فعلا، حقه الدستوري، الذي تلخصه عبارة: "رئيس الحكومة يقترح ورئيس الجمهورية يقرر". وقد قرر ماكرون تأجيل التعديل الحكومي إلى ما بعد عودته من زيارته لأرمينيا، بمناسبة قمة الدول الفرنكوفونية.

وإذا كانت الأقدار حرمت الرئيس ماكرون من مرافقة المغني شارل أزنافور في طائرته الرئاسية خلال هذه الزيارة، تواصل تكريم المغني الراحل في بلده الأصلي أرمينيا، مناسبة للرئيس ماكرون لحضورها ولحضوره أمام النصب التذكاري عن "الإبادة الأرمنية"، ولتذكّر مناقب هذا الشاعر والمغني الفرنكوفوني الكبير، ومناسبة أيضا لنسيان هذا التعديل الحكومي المنتظر، الذي قد يُعلَن مساء الجمعة، وربما مطلع الأسبوع المقبل، والذي لن ينال الإجماع مَهما كان حجمه ومهما كانت طبيعته.                     

وفي انتظار عودة الرئيس ماكرون من رحلته الأرمنية، لا بدّ أنه يستمتع بفرض مرشحته الرواندية لويز موشيكيوابو، أمينة عامة للفرنكوفونية، على مرشح كندا. 

وإذا كانت مارين لوبان، رئيسة حزب "التجمع الوطني" سباقة إلى إدانة انتخاب هذه السيدة "التي تكره فرنسا"، في نظرها، فإن ماكرون عبر هذا "التعيين" استطاع استعادة هذا البلد إلى حظيرة الفرنكوفونية، بعدما قرر رئيسُهُ بول كاغامي، رئيس الاتحاد الأفريقي حاليا، الانسحاب منها والانفتاح على الكومنويلث، احتجاحا على دور باريس في "الإبادة الرواندية".

سيعود ماكرون بهذا الانتصار، لكنّ الفرنسيين غالبا ما يحاسبون رؤساءهم على إنجازاتهم الداخلية، أي الأمن والقدرة الشرائية.​

 

دلالات

المساهمون