استثمار أموال الجمعيات الأهلية: مشروعات ربحية لنظام السيسي والموالين

16 يوليو 2019
النظام يريد احتكار الأنشطة من الجمعيات (خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -
حسم المشروع النهائي لقانون الجمعيات الأهلية الجديد الذي أقرّه مجلس النواب المصري أمس الاثنين، معركة جانبية اندلعت خلال جولات الحوار المجتمعي حول تعديل القانون الحالي بين الجمعيات والمنظمات التابعة للنظام الحاكم وأجهزة الدولة، خاصة السيادية منها، وبين الجمعيات والمنظمات الحقوقية والاجتماعية الخاصة، حول مسألة استثمار أموال الجمعيات وتشغيلها وإنشاء مشاريع ربحية تابعة لها، وذلك لمصلحة الجانب الموالي للنظام.
وتنصّ المادة 34 من المشروع على أن "تلتزم الجمعية بأن تنفق أموالها في الأغراض المخصصة لها، ولها أن تستثمر فائض إيراداتها على نحو يضمن لها الحصول على مورد مالي ملائم أو أن تعيد توظيفها في مشاريعها الإنتاجية والخدمية لدعم أنشطتها، وفقاً لما تحدده اللائحة التنفيذية. وفي جميع الأحوال يُمنع على الجمعية الدخول في مضاربات مالية. ويجوز للجمعيات الاحتفاظ بما تتلقاه من عملة أجنبية داخل حسابها إذا كان نشاطها يتطلب ذلك، ويتم التصرف فيها بمراعاة أحكام هذا القانون والقواعد الصادرة من المصرف المركزي المصري، وأقرّتها بالفعل اللجنة البرلمانية المشتركة من لجان التضامن والخطة والموازنة والشؤون الدستورية".
ثم تنص في فقرتها الثانية على أنه "يجوز للجمعية تأسيس أو المساهمة في تأسيس شركات وصناديق استثمار خيرية ترتبط بأنشطتها، وبما يحقق الاستثمار الآمن لها واستثمار العائد لتحقيق الاستدامة المالية لأنشطة الجمعية، وذلك بعد موافقة الوزير المختص، من دون الإخلال بالالتزامات المفروضة على مؤسسي تلك الشركات أو الصناديق في أي قانون آخر".

وكانت مصادر حكومية قد كشفت لـ"العربي الجديد"، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عن أن "الجمعيات الموالية والمؤيدة للنظام طالبت بتمكينها من استثمار أموالها وتشغيلها في مشاريع ربحية، تحت رقابة وزارة التضامن والجهاز المركزي للمحاسبات، وذلك كرد فعل على فشل مخططها لاستثمار أموال التبرعات، بعد تصدّي مجلس الدولة له في ظل العمل بالقانون الحالي الذي سيتم إلغاؤه".

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، غادة والي، قد طالبت، في أغسطس/آب 2017، أي بعد صدور القانون الحالي بثلاثة أشهر، بإضافة مادة تسمح للجمعيات والمؤسسات الأهلية بالمشاركة في الشركات المساهمة التي أسستها الحكومة أخيراً تحت مسمى "المشاريع القومية للاستثمار والتنمية"، والتي من بينها شركة "أيادي للاستثمار والتنمية" التي تساهم فيها مؤسسة "مصر الخير" الموالية للنظام، المُدارة بواسطة المخابرات. وهي شركة كان رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي يعوّل عليها لقيادة سوق التمويل العقاري والاستثمارات الحكومية في مجالات عدة، كوعاء لاستثمار أموال التبرعات التي جمعها من رجال الأعمال والموظفين والمواطنين في الكيان المسمى "صندوق تحيا مصر" والذي لا يخضع لرقابة أي جهة.

ويأتي المشروع الجديد ليجيز اشتراك الجمعيات، التي في الأساس لا تهدف إلى الربح، في تأسيس شراكات طويلة الأمد ومربحة مع غيرها من المؤسسات. وهو ما سيحقق الربط الذي كانت تسعى إليه الحكومة بين قطاع الأعمال العام والقطاع العام والجمعيات الأهلية للاستفادة بقدرات كل منها في إقامة مشاريع في مختلف المجالات الخدمية والصناعية والإنتاجية، خصوصاً في المدن الأكثر احتياجاً، لتوفير أكبر قدر من فرص العمل، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب استهدافها تحقيق الربح، لخلق وظائف مستدامة وتحقيق عوائد اقتصادية للجمعيات الأهلية والجهات الحكومية المساهمة فيها.

ويتغلب المشروع الجديد بذلك على عقبة حالت لمدة عامين دون تنفيذ مشاريع كان يحاول نظام السيسي الإسراع في تنفيذها، لتحقيق أرباح مالية للحكومة وتحقيق الانتعاش للاقتصاد القومي، من خلال الدمج بين مؤسسات الحكومة ومنظمات المجتمع المدني الموالية للنظام والخاضعة لسيطرته.

وبدأ النظام منذ عام 2014 في إنشاء شركات مساهمة بين الطرفين، وكانت أولها شركة "أيادي للاستثمار والتنمية"، الخاضعة لقانون شركات المساهمة والتوصية بالأسهم. واستغرقت حكومة إبراهيم محلب آنذاك أشهراً لبلورة هيكل أولي لشركة "أيادي" لتسويقها في الرأي العام، كواحدة من إنجازات النظام الموعودة على صعيد الاستثمار والتنمية. فبادرت إلى الاستعانة بالمصارف ذات الاحتياطي المالي الضخم، كمصرف الاستثمار القومي ومصرف الاستثمار العربي، وهيئات حكومية عدة، كهيئة الأوقاف المصرية وشركة البريد المصري للاستثمار، وصندوق تحيا مصر، بالإضافة إلى جمعيات أهلية، أبرزها "مؤسسة مصر الخير" الموالية للنظام الحاكم، التي يروّج لها كواحدة من أكبر مؤسسات العمل الخيري "غير الهادف إلى الربح" في مصر، ويرأس مجلس أمنائها المفتي السابق علي جمعة، المعروف بتأييده المطلق للسيسي.

وفي مارس/آذار 2015 تم تأسيس الشركة وقيدها رسمياً في البورصة المصرية، وتم طرح أسهمها بسعر 100 جنيه للسهم (6 دولارات)، بحسب تصريحات رسمية لوزير التخطيط السابق، أشرف العربي. وضخت المصارف والمؤسسات المساهمة نحو 410 ملايين جنيه (24.7 مليون دولار) بداية لرأس المال، تمثل الأموال الحكومية منها نسبة 95 في المائة. إلاّ أن الطبيعة التنافسية والربحية للشركة كانت ظاهرة منذ إعلان إنشائها؛ فأدلى أحد مؤسسيها، وهو رئيس هيئة الاستثمار الأسبق عاصم رجب، بتصريحات مفادها أن "الشركة تهدف إلى الربح بالدرجة الأولى"، معتبراً أن "هذا الربح هو الذي سيعينها على خلق الوظائف المستدامة وتحقيق العوائد الاقتصادية للجهات الحكومية والمؤسسات المساهمة فيها".

وبينما كانت الحكومة تخطط من أجل البنية القانونية لشركة "أيادي" ذات الطبيعة التنافسية الربحية، كانت بالتوازي تسعى إلى الاستفادة من أموال وخبرات المؤسسات الأهلية الناجحة والمتعاونة مع النظام في آن واحد، وعلى رأسها مؤسسة "مصر الخير" التي ساعدت الجيش سلفاً في عدد من مشاريع الإسكان، حيث ضخت بشكل أولي 50 مليون جنيه (3 ملايين دولار) في مارس/آذار 2015، إلى جانب أنها وضعت إمكانياتها البشرية والإدارية تحت تصرّف "أيادي".

وبعد صدور القانون، أثار المستشارون القانونيون لوزيرة التضامن الاجتماعي شبهات حول فتح الباب أمام الجمعيات الأهلية ومؤسسات العمل الخيري للمساهمة في شركة "أيادي" وغيرها من الشركات المساهمة الحكومية، التي سيتم تأسيسها بشراكة بين القطاع الخاص والمجتمع المدني وجهات حكومية، لا سيما أن "مصر الخير" ساهمت بالفعل في رأسمال الشركة المذكورة، وأن هناك اتجاها لإدخال مؤسسات أهلية أخرى. وعلى الأثر، لجأت الوزارة إلى مجلس الدولة لتحديد مدى صحة مساهمة المؤسسات الأهلية في رأسمال وإدارة شركة "أيادي" ومثيلاتها من المشاريع، فأكد المجلس، في فتوى أصدرها في يونيو/حزيران 2017، أن إجراءات مساهمة "مصر الخير" في "أيادي" باطلة، لعدم جواز مشاركة الجمعيات الأهلية التي تمارس عملاً خيرياً اجتماعياً غير هادف إلى الربح في شركات مساهمة تسعى بشكل أساسي إلى المضاربة سعياً لتحقيق الربح الذي يعود مباشرة إلى مؤسسيها والمساهمين فيها.

وأكدت الفتوى الصادرة على ضوء القانون القائم أن "الجمعيات الأهلية بطبيعتها تهدف إلى المشاركة المجتمعية في تحقيق التنمية الشاملة التي ترتقي بحياة المواطنين صحياً وتعليمياً واجتماعياً وثقافياً، من خلال مشاريع منتجة في جميع نواحي الحياة، ومن ثم فإنه تطبق عليها المحظورات المنصوص عليها في قانون العمل الأهلي، بحظر المضاربة والتربح والمشاركة في عمل مربح". وبذلك يكون النص الذي يتضمنه المشروع الجديد قد نسف الأساس القانوني لهذه العقبة، ليتيح للنظام تأسيس شركات جديدة، على غرار "أيادي"، الأمر الذي لا يجسد فقط توغل الدولة للسيطرة على أجزاء من ميدان العمل الأهلي وإعطاء أفضلية مطلقة للجمعيات الموالية لها، بل يعكس أيضاً رغبة النظام في أن تستحوذ تلك الجمعيات على إمكانيات مالية وإدارية وإعفاءات ومزايا تمكّنها من احتكار الأنشطة الأهلية، وإضعاف فرص الجمعيات المنافسة في الحصول على تمويل من الداخل والخارج، أو تولي تنفيذ مشروعات تنموية على المستوى القومي.



المساهمون