اتهامات لترامب باستخدام "بنتاغون" لغايات سياسية: أميركا ليست ساحة حرب

03 يونيو 2020
الصورة
انتقادات لإسبر بشأن "السيطرة على ساحة المعركة" (والي سكاليج/GETTY)
سعت وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون)، المتهمة بالسماح لدونالد ترامب باستخدامها لغايات سياسية، إلى النأي بنفسها عن الرئيس الأميركي، بعد تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها وزير الدفاع مارك إسبر، ونشر تعزيزات عسكرية حول البيت الأبيض.

وفي بلد يبجّل العسكريين، أثار إسبر قلقاً بقوله الإثنين إن قوات حفظ النظام يجب أن "تسيطر على ساحة المعركة" لإعادة النظام، بينما يحتج مئات الآلاف من الأميركيين على وحشية الشرطة والعنصرية والتفاوت الاجتماعي الذي تفاقم مع وباء كورونا (كوفيد-19).

وظهر إسبر ورئيس الأركان الأميركي مارك مايلي إلى جانب ترامب عندما توجه سيراً على الأقدام إلى كنيسة سانت جون المبنى الذي يرتدي طابعاً رمزياً بالقرب من البيت الأبيض، وتعرض لتخريب قبل يوم على هامش تظاهرة.

وكان إسبر في الصف الأول من مسؤولي الإدارة الأميركية الذين وقفوا إلى جانب ترامب لالتقاط صورة أمام الكنيسة وهو يحمل الكتاب المقدس، بعد دقائق من تفريق الشرطة بوحشية متظاهرين كانوا يحتجون أمام البيت الأبيض، مستخدمة الهراوات والغازات المسيلة للدموع.


وصورت لقطات للجنرال مايلي بزي التمويه العسكري يمشي وراء ترامب. وبث البيت الأبيض الصور بسرعة في تسجيل فيديو يطغى عليه الطابع الانتخابي.


وأثار كل ذلك استياء المعارضة الديمقراطية ومسؤولين عسكريين سابقين. وكتب رئيس الأركان السابق الجنرال مارتن ديمبسي في تغريدة: "أميركا ليست ساحة معركة، ومواطنونا ليسوا العدو".

وأكد مسؤول كبير في البنتاغون أن إسبر لم يكن يضمر شيئاً عندما تحدث عن "ساحة المعركة"، بل استخدم عبارة من "اللغة العسكرية المتداولة". 

أما بشأن وجود الجنرال مايلي خلف الرئيس خلال خروجه من البيت الأبيض لسبب من الواضح أنه سياسي، فقد برره المسؤول نفسه، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، بأنه لم يكن طوعياً. وأوضح أن الرئيس قال لهم إنه "يريد أن يرى القوات منتشرة في الخارج"، مؤكداً أن إسبر ومايلي "لم يكونا على علم بأن قوات الأمن قررت إخلاء المنطقة".

"حكم استبدادي"

انتزع الكونغرس القضية. فقد عبّر رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب آدم سميث عن قلقه، الثلاثاء، من الإدارة "الاستبداية" للرئيس ترامب، و"الطريقة التي تؤثر فيها على حكم القيادة العسكرية". وذكّر بأن "دور الجيش الأميركي في حفظ النظام على الأراضي (الأميركية) محدد بالقانون".
في الواقع، يمنع قانون استخدام جنود من القوات الفعلية في مهمات لحفظ النظام، إلا في حال حدوث عصيان.
وفي حال اضطرابات عامة، يعود إلى كل ولاية أميركية قرار استدعاء شرطيين سابقين في الاحتياط في الحرس الوطني. واتهم المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية جو بايدن، الثلاثاء، ترامب، بأنه "قام بتحويل البلاد إلى ساحة معركة مزروعة بالأحقاد القديمة والمخاوف الجديدة".

والأقليات ممثلة بشكل واسع في الجيش الأميركي، الذي يعد رافعة اجتماعية. وكان الاستياء واضحا في صفوف العسكريين بعد أسبوع على موت جورج فلويد، الأميركي من أصل أفريقي، البالغ من العمر 46 عاما، اختناقا خلال توقيفه من قبل شرطي أبيض.

وقال ضابط الصف في سلاح الجو الأميركي كاليث رايت، أحد أبرز العسكريين الأميركيين السود: "أنا جورج فلويد". وأضاف "مثل معظم الطيارين السود، أشعر بالغضب عندما أرى رجلا أسود آخر يموت، على شاشة التلفزيون أمام أعيننا".

وأضاف في رسائل لقيت صدى واسعا أن "ما يحدث في أغلب الأحيان في هذا البلد لرجال سود ضحايا وحشية الشرطة (...) يمكن أن يحدث لي". وقد حصل على دعم علني من أعلى ضباط سلاح الجو الجنرال ديف غولدستين، الذي وصف موت جورج فلويد في رسالة إلى قادة وحدات الجيش بأنه "مأساة وطنية". وأعلن أنه سيشارك الأربعاء مع رايت في مناظرة افتراضية حول العنصرية.

بين ترامب وبايدن

وبعدما بقي بايدن محتجزاً في منزله لأكثر من شهرين بسبب تفشي وباء كورونا، منحت الاحتجاجات ضد العنصرية وعنف الشرطة ضدّ السود في الولايات المتحدة المرشح الديموقراطي إلى البيت الأبيض فرصة لاستقطاب الأضواء مجدداً بأسلوب قيادة مناقض لأسلوب ترامب، الذي سيواجهه في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني.

وقالت كابري كافارو، المسؤولة التنفيذية في الجامعة الأميركية في واشنطن: "هذه قصة نوعين من المهارات القيادية". وأضافت أنّ "القوة في منظور هذين الرجلين مختلفة تماما".

وأضافت زعيمة الأقلية الديمقراطية السابقة في مجلس الشيوخ في ولاية أوهايو: "يحاول ترامب أن يضع نفسه في موقع يجعل فيه القيادة مرادفة للقوة، والمرادف للقوة في هذه الأجواء هو استخدام القوة العسكرية". وقالت كافارو إنه بالنسبة لنائب الرئيس السابق بايدن، فإن "القيادة والقوة هما مرادفان أقرب "للقوة الناعمة".. التعاون والإصغاء والمشاركة". 

ووصف بايدن، في أول خطاب علني كبير له منذ بدء إجراءات الإغلاق في منتصف مارس/آذار، وفاة فلويد بأنها "دعوة إلى أمتنا لتستيقظ"، واتهم ترامب بتحويل الولايات المتحدة إلى "ساحة معركة تقسّمها مشاعر الحقد القديمة ومشاعر الخوف الحديثة".

وتعهد بايدن، البالغ من العمر 77 عاما، والذي عمل نائبا لمدة ثماني سنوات لباراك أوباما، أول رئيس أسود للولايات المتحدة، بمعالجة "العنصرية المؤسساتية" إذا وصل للبيت الأبيض. وقال إنّ "البلاد تصرخ من أجل القيادة (...) القيادة التي توحدنا. القيادة التي يمكن أن تجمعنا".

القانون والنظام

وسارع قطب العقارات الثري ترامب بالرد على تصريحات بايدن بتغريدة عدائية. وقال الرئيس الجمهوري إنّ "الضعف لن يهزم أبداً الفوضويين والسارقين وقطّاع الطرق، وجو كان ضعيفاً سياسياً طوال حياته". وأشار إلى ضرورة تطبيق "القانون والنظام".

وقالت كافارو إنّ الاحتجاجات قد يكون لها تأثير على الانتخابات أكبر من تأثير من الوباء، إذ إنها توفر لبايدن فرصة لإظهار "التباين الصارخ بينه شخصيا وتجربته وقيادته وتعاطفه مع ذلك الذي رأيناه حتى الآن من دونالد ترامب". لكنها تابعت أنه من غير المرجح في نهاية المطاف الأحداث الأخيرة أن يكون لها تأثير كبير على المؤيدين المتشددين على كلا الجانبين. وقالت: "القاعدة في اليسار واليمين ـ قاعدة ترامب والقاعدة الديمقراطية ـ لا أعتقد أن هناك تغييرا كبيرا".

وقالت: "لكن هناك الكثير من المستقلين في كل من يسار الوسط ويمين الوسط الذين يشاهدون ذلك كنقطة محورية في تاريخنا مع اجتماع جائحة وبطالة مرتفعة تاريخياً واضطرابات عرقية". 

وقال الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة ستانفورد حكيم جيفرسون، إنه كان من المرجح أن يدلي معظم الناخبين السود بأصواتهم لصالح بايدن في نوفمبر/ تشرين الثاني، إلا أنهم لا ينظرون إليه على أنه "المخلّص". وأشار إلى دعم بايدن حين كان سناتورا لمشروع قانون "صارم ضد الجريمة" في عام 1994، والذي يُنظر إليه على أنه ساهم في موجة من الاعتقال الجماعي للأميركيين الأفارقة. وتابع "أعتقد أنه يتم تذكير السود بالخيار الذي لدينا في نوفمبر/ تشرين الثاني، وهو إبقاء الرجل الذي يريح المؤمنين بتفوق البيض الذين يروجون للخطاب العنصري".

وأضاف "أعتقد أن هذا خيار سهل لمعظم الناخبين السود". 

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة واين ستيت في ولاية ميشيغان جيفري غرينافيسكي إنّ الانتخابات من المرجح أن تكون "معركة إقبال" سيحسمها الحزب القادر على حشد مزيد من الناخبين.

وأشار غرينافيسكي إلى أن الأميركيين من أصل أفريقي صوتوا بأعداد أقل بكثير لهيلاري كلينتون في عام 2016 مقارنة بما فعلوا مع أوباما، والسؤال الحاسم هو ما إذا كانوا سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع لدعم بايدن. 

وتابع: "أميل إلى القول إن خطاب دونالد ترامب خلال الأسبوع الماضي قد يعزز دعم السود لبايدن"، رغم أن تاريخه مع مشروع قانون الجريمة ليس في مصلحته.

(فرانس برس)