اتجار بالبشر... هذا ما يحصل في الجنوب الليبي

اتجار بالبشر... هذا ما يحصل في الجنوب الليبي

22 نوفمبر 2017
الصورة
نجت من الاتجار بها (دايفيد راموس/ Getty)
+ الخط -

في ليبيا سوق للاتجار بالبشر. أمر مؤكد صدم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، الذي رأى فيه "جريمة ضد الإنسانية"، علماً أنّ متوسط عدد المهاجرين الذين يصلون إلى ليبيا هو ألفي مهاجر أسبوعياً.

يتّفق أحد مسؤولي جهاز الهجرة غير الشرعية في ليبيا مع شجب العالم لأسواق العبيد في ليبيا، غير أنّه في الوقت ذاته لا يخفي انزعاجه من إهمال الحديث عن أسباب تلك الأسواق في بلاده. ويتّهم النقيب علي عليم، وهو من ضباط الجهاز في القطرون (جنوب) "سلطات دول أفريقية وأوروبية بتحويل ليبيا إلى وجهة للمهاجرين وتسهيل الوصول إليها". يضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "مصدر الهجرة غير الشرعية الأوّل هو دولة النيجر ويجري ذلك بتسهيل كبير من قبل فرنسا التي أنشأت قاعدة عسكرية للمراقبة على الحدود الليبية النيجرية".

ويصف عليم العملية، قائلاً إنّ "مئات السيارات الصحراوية التي باتت تجوب طرقات الصحراء في الجنوب الليبي من دون رادع، تقلّ أسبوعياً ما لا يقلّ عن ألفَي مهاجر إلى سبها أولى مناطق تجميع المهاجرين في الجنوب"، وهو يعبّر عن أسفه على عدم توفّر السلاح اللازم والقوة الرادعة لعصابات الاتجار بالبشر لدى الجهاز وكتائب المنطقة. ويشرح أنّ "الجهاز على علم بمراكز تجميع المهاجرين وبعدد هؤلاء الذين يصلون إليها وطرق وصولهم إلى الشمال، لكنّه غير قادر على ردعهم بسبب ضعف قوّته، بل عدم امتلاكه أيّ معدات أساسية للمطاردة ولا مراكز اعتقال".

ويشير عليم إلى أنّ "ثمّة فروعاً للجهاز في جنوب ليبيا، وتقارير الإدارة تثبت أنّ طرق الهجرة الأخرى في الجنوب جفّت تقريباً، ليبدأ التركيز منذ أكثر من سنة على النيجر. فهي اليوم الطريق الأكبر والأبرز لوصول المهاجرين، وذلك عبر منفذ حدودي رسميّ هو منفذ تومو الرابط بين ليبيا والنيجر". ويؤكد أنّ "عمليات التهريب عبر هذا الطريق لم تعد سراً، فهي تجري في العلن، وأسبوعياً يصل ما لا يقلّ عن ألفَي مهاجر على متن سبعين مركبة، الأمر الذي يعني وصول ثمانية آلاف مهاجر شهرياً". ويتابع عليم: "لا نعلم أسباب وسياسات مافيات الاتجار بالبشر القاضية بتحويل الوصول عبر منفذ تومو، لكنّه أصبح الوحيد. ولو كنّا قادرين على توفير القوة اللازمة وإغلاقه، فسوف نتمكّن من الحدّ من الهجرة غير الشرعية بنسبة تصل إلى 90 المائة في الوقت الحالي".


من جهته، يقول المسؤول عن منفذ تومو الحدودي، صالح قالما، لـ"العربي الجديد" إنّ "المنفذ لا يملك إلا ثلاث غرف خالية من أيّ إمكانات، وتؤمّن الحماية له ثلاث مركبات فقط في حين أنّ عدد العناصر فيه لا يتجاوز العشرة. أمّا منظومة الجوازات فهي معطّلة منذ عام 2012". ويشرح أنّه "لا يصار إلى تسجيل أيّ داخل إلى ليبيا عبر المنفذ، على الرغم من أنّه رسمي. كذلك فإنّ سلطات النيجر لا تتعامل بطريقة رسمية معه على الرغم من حديثنا المتكرّر مع سلطات طرابلس وشرقي البلاد وسفير ليبيا لدى النيجر حول وضع المنفذ".

ويكشف قالما أنّ "المهاجرين غير الشرعيين يُجمَعون في منطقة ديركو النيجرية القريبة من الحدود الليبية، ويُنقَلون بواسطة مركبات إلى ليبيا، عبر منفذ تومو تحت أنظار الجميع". ويتّفق مع النقيب على أنّ أكثر من ألفَي مهاجر يعبرون منفذ تومو إلى ليبيا أسبوعياً". ويشير قالما باستهجان إلى أنّ "فرنسا أنشأت قاعدة ماداما العسكرية بين ديركو (شمال) ومنفذ تومو، وهي ترى كيف تبيع العصابات المهاجرين من دون أن تتدخّل"، مؤكداً أنّ "عمليات بيع تجري بين عصابات تهريب البشر على طول الطريق الرابط بين ديركو وسبها".

وعن دور سلطات البلاد في تأمين الجنوب، يوضح قالما أنّه "شكّلنا كتائب مسلحة لتأمين المنطقة منذ عام 2011 وجُمِعت تحت مسمّى درع الصحراء، لكنّ دعمها بقي ذاتياً. ومن الطبيعي أن يتناقص دورها في ظلّ شحّ مواردنا الذاتية وعدم تمكننا من الاستمرار. حتى الوقود لا يصلنا وعدد كبير من سياراتنا معطل نظراً إلى عدم توفّر قطع للغيار". ويشدد على أنّ "تسليح عصابات التهريب مرتفع ومركباتها الصحراوية أقوى وأحدث ممّا تملكه كتائب المنطقة".



في السياق، يقول أحد زعماء منطقة غات الواقعة بالقرب من حدود الجنوب، مفضلاً عدم الإفصاح عن هوّيته لـ "العربي الجديد"، إنّ "عصابات التهريب بمعظمها تنتمي إلى قبيلة التبو الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر، التي تنشط في مناطق سيطرتها عمليات التهريب والاتجار بالبشر". ويوضح أنّ "الجنوب تحوّل إلى مناطق نفوذ قبلي بسبب الخلافات القبلية التي غذّتها صراعات الانقسام السياسي في البلاد. فالمنطقة الواقعة وسط أقصى جنوب البلاد والمتصلة بالنيجر وتشاد، تسيطر عليها قبائل التبو التي تمتلك امتداداً قبلياً حتى عمق الدولتَين، وهي امتدادات سهّلت عمليات الاتصال والتعاون بين المهرّبين. والتباوي يتنقّل بين الدولتَين ليصل إلى سبها من دون أن يعترض أحد طريقه". ويعدّد الزعيم المناطقي نفسه "مناطق مرزق والقطرون وتجرهي وصولاً إلى الحدود مع النيجر حتى منطقة أغاديس في النيجر، كمناطق لا تخضع إلا لسلطة هذه القبيلة"، معيداً "سبب تغاضي السلطات النيجيرية والتشادية عن نشاطها في تهريب البشر إلى علاقتها مع حركات التمرّد فيهما". يضيف أنّه "محلياً، نعرف أنّ سلطات الدولتَين سمحت لهذه القبيلة بهذا النشاط في مقابل عدم دعمها لحركات التمرّد فيهما".

ويتابع الزعيم المناطقي نفسه أنّه "عندما عرض حفتر على المجتمع الدولي خطة للسيطرة على الهجرة وإنهائها، كان يعرف أنّ القبائل الموالية له تسيطر على هذه التجارة وطرقها، بالإضافة إلى أنّ المهاجرين مصدر لتمويل جماعاته المسلحة. وهو يستخدم الهجرة كمصدر للضغط على من يعاديه في طرابلس وغرب البلاد".

إلى ذلك، وعن أسواق بيع المهاجرين، يقول النقيب عليم: "لم نرصد معالم بيع فردية للمهاجرين، لكنّ البيع الجماعي بين العصابات معروف منذ سنين ويجري في مراكز علنية في القطرون وتجرهي وحتى سبها، حيث تتواصل عصابات التهريب في الشمال بعصابات قبلية هنا". ويؤكد أنّ التقارير التي يملكها "تفيد بأنّ ثمّة عشرات المراكز الخاصة بالشراء والبيع التابعة لهذه العصابات. وتعرفة المهاجر الواحد تبدأ بـ 200 دولار على الأراضي النيجرية، لتصل إلى ما بين 500 و600 دولار في سبها، وترتفع إلى 1200 دولار في مناطق الشمال الساحلية في ليبيا".

ويلفت عليم إلى أنّه "بحسب سعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية، هذا يعني أنّ التاجر الذي يتقاضى 500 دولار لقاء المهاجر الواحد، يحصل ما يوازي أربعة آلاف و500 دينار ليبي وهو رقم خيالي يضاهي مرتّب مسؤول كبير. وهذه الأرقام الفلكية هي التي شجّعت الشباب على الانخراط في هذه التجارة في ظل ركود اقتصادي وبطالة يعانون منها".