إيتل عدنان: نوافذ صغيرة على ثلاث قارّات

05 نوفمبر 2016
الصورة
(من المعرض)
+ الخط -

هي المرة الأولى التي يرى فيها كاتب هذه السطور، عن قرب، إيتل عدنان (1925) بوجوهها المتعددة: اللوحات والرسوم والكتب المطوية (اللوبيريلو) والأفلام التي أنتجتها الفنانة بدءاً من عام 1960 وحتى الآن، في معرضها الفردي المقام حالياً في مدينة هامبورغ الألمانية في صالة "صفير - زملر".

للأسف، غابت الفنّانة عن حفل الافتتاح، فالسفر بالنسبة إليها أضحى مهمّة مُتعبة، وهي التي تجاوزت التسعين عاماً. لكن كل هذه السنوات، بكل ثقلها، لم تمنعها من أن تضع كرّاس الرسم وأقمشتها وألوانها على الطاولة كعادتها لتواصل اللهو بها كأي طفلة. وها هي تقدّم لنا مواضيعها الأثيرة عبر مجموعة جديدة من الأعمال الزيتية الطازجة.

ما زالت عدنان وفيّة لتقاليدها في العمل الذي بدأته في أوائل الستينيات؛ حيث تأخذ اللون طرياً كما هو من أنبوبه وتباشر به على القماش من دون دراسة أو تحضيرات أوّلية للتكوين، مستعملة سكّيناً مسطّحاً للعمل بها، فهي لم تستعمل الفرشاة إلا أياماً معدودة في بداياتها. تنظيف السكين أسهل وأسرع من تنظيف الفرشاة، كما تقول: "يكفي مسحها بقطعة ورقية!".

ستة عشر عملاً زيتياً تبدو، وهي معلّقة على جدران الصالة البيضاء، كأنها نوافذ صغيرة لمساكنها الموزّعة في القارّات الثلاث التي تتنقل ما بينها، نوافذ تطلّ على مناظر طبيعية مؤلّفة من جبال ووديان وسماء وبحر وبعض الجسور التي تعرفها جيداً. وفي هذا وفاء أيضاً للمنظر الذي تحبّه: الجبل والبحر.

مرّة ترسمه من نقطة تقابله، ومرّة أخرى من أعلى، وكأنها تحمل أدواتها وتطير لتلتقط المنظر المسطّح للأرض من تحتها. ألوان دافئة تنبض بالحياة تعبّر عن الفرح والابتهاج، في محاولة منها لتوازن الوجه الآخر من إنتاجها الإبداعي وهو الكتابة، والذي يمثّل تأمّلاً في الجانب المأساوي من عالمنا هذا.

وفي الواقع تعود علاقة عدنان بالجبل إلى منتصف الستينيات حيث انتقلت للعيش في كاليفورنيا قرب جبل تملباييس، الجبل الذي أصبح منزلها كما تردد دائماً هي. هذا الوله بهذا الجبل انتقل إلى القماش كما إلى كتاب صدر عام 1986 بعنوان رحلة إلى جبل تملباييس.

وإذا كان من السهل اكتشاف شكل الجبل أو الجبال، فليس من الصعب أيضاً أن نعاين البحر، فهو موجود هنا وبألوان مختلفة، يدلّك عليه إحساسك بأعمال عدنان أو معرفتك بها وبالمدن التي تتنقّل ما بينها. فهو المتوسّط، تراه تارة من لبنان، وأخرى من اليونان، بلد والدتها الأم، أو هو المحيط المجاور لمدينة سان فرنسيسكو.

أمّا هذه الدائرة التي تجدها كثيراً في أعمالها، فهي القمر الذي إن لم نره في سمائه، فسنرى انعكاس وجهه على صفحة المياه في أسفل اللوحة، أو منتصفها بحسب زاوية الرؤية. إنه قمر ملهمها بول كلّي الذي استعارته بكامل دفئه وقوّة حضوره.

أعمالها عبارة عن مساحات صافية اللون بلا تفاصيل ولا حتى شخوص؛ فعدنان تحبّ تبسيط الفضاء من حولها، وتدع الألوان ترشدها خلال سير العمل، هي التي لم تتلقّ تكويناً يُذكر في مدارس الفن. وكعادتها، لم تعطِ الفنّانة لأعمالها الزيتية عناوين محدّدة، إلّا أننا لا نجد صعوبة في فكّ رموز لوحتها التجريدية الهندسية الخاصة، وإن كنّا نجد تأثير ضربات وإشارات كاندينسكي في بدايات أعماله واضحاً في مائياتها وفي كتبها الملوّنة.

تعمل إيتل عدنان، منذ فترة لا بأس بها، على لوحات صغيرة تستطيع السيطرة عليها وهي جالسة على كرسيها أمام طاولة الرسم، لكنهّا، هنا، قدّمت ثلاثة أعمال تُعد كبيرة نسبياً، وهي بقياس 70،3 × 50 سم.

كما قدّمت ثلاث سجّادات نفّذها يدوياً تحت إشرافها مشغل تقليدي فرنسي صغير هذه السنة بحرفية عالية، وكأنك ترى فيها ذات شفافية طبقات الألوان المائية الكائنة في التصميم أو الاسكيتش الذي وضعته الفنانة لهذا الغرض (عملها "ثنائي مشمس"، سجادة بقياس 230×209 سم، 2016).

يختلف أسلوب التجريد هنا قليلاً عمّا ترسمه بألوانها المائية أو الزيتية، من حيث رشاقة ضربات الريشة وحركة العناصر وربما ذكّرتنا قليلاً بأعمال التجريدي السوري محمود حماد (1923 - 1988)، وربما ببعض ضربات هارتونغ (1904 - 1989).

إلى جانب هذه المجموعة، نجد أيضاً مجموعة من الأعمال الورقية المنفّذة بالألوان المائية والحبر الأسود تعود إلى التسعينيات، بأسلوبها المعهود الذي يزاوج الإشارات والأرقام المرسومة بالأسود، وقد وشّحتها الفنانة والكاتبة بضربات ريشتها المائية بألوان صريحة ونابضة.

نجد هذا الأسلوب أيضاً لاسيما في كتاب "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" (2012) الذي خطّت فيه بعض أبيات لـ أنسي الحاج وزيّنته، وفي كتابها "مذكّرات عائلة في نهاية الإمبراطورية العثمانية" (2015).

خصّصت الصالة مساحة لعرض فيلمين في آن واحد: الأول وثائقي صُوّر في اليونان ويعُرض على شاشة صغيرة، ويُعرض الثاني على شاشة حائطية كبيرة بعنوان "حركة" وقد صوّرت الفنانة أجزاءه القصيرة جدّاً، وتبلغ حوالى سبعين شريطاً خلال الثمانينيات والتسعينيات. مدّة الفيلم تقارب الساعتين ولّفَتْ فيهما الفنانة الصور الأساسية التي كانت تشدّها من شمس وسماء وبحر (المحيط الهادئ)، وكذلك من ناطحات سحاب وجسور وسفن.

ومن الجدير بالذكر أيضاً، أن قراءات من أدب عدنان بصوت الممثلة أنجيلا فينكلر قدّمت في يوم الافتتاح، ليكتمل المشهد بكل ثرائه.

دلالات

المساهمون