إمبراطورية غولن [8/8].. شبهات فساد تطارد مدارس الخدمة الأميركية

29 اغسطس 2016
الصورة
مدارس غولن الأميركية يصل عددها إلى 150مؤسسة تعليمية(فرانس برس)
لم يكن الأميركي برادي إيفري، يعرف أن مدرسة "هارموني أوف إكسيلنس HBS "، التي يدرس فيها ابنه ذو الثلاثة عشر عاما، تمتلكها جماعة يقودها داعية إسلامي تركي، لكن بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في تركيا في يوليو/ تموز الماضي، بدأ في تعقب جميع المعلومات المتعلقة بالداعية، فتح الله غولن، وجماعته "حزمت"، ونشاطاتها المنتشرة في الولايات المتحدة.

يقطن برادي في مقاطعة واشنطن رفقة زوجته وابنه ويعمل تاجرا للسيارات، وقبل عامين قرر نقل ابنه من مدرسة عامة وإلحاقه بواحدة من سلسلة مدارس "هارموني أوف إكسيلنس HBS" الخاصة التي يبلغ عددها 48 مدرسة تابعة للسلسلة، كما يؤكد موقعها الإلكتروني. يشرح إيفري سبب قراره قائلا لـ"العربي الجديد"،"السمعة الجيدة للعملية التعليمية في هذه المدارس دفعتني إلى حسم قراري ونقل ابني"، غير أن شعورا بالصدمة سيطر على إيفري، بعدما علم أن مدرسة ابنه وضعت تحت مراقبة مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، ضمن عدد من المدارس المملوكة للداعية غولن.

وتدير جماعة الخدمة 150 مدرسة في أميركا، أكثرها يقع في ولايات تكساس، كاليفورنيا، فلوريدا وأوهايو، بينما تنتشر بدرجة أقل في ولايات بنسلفانيا وأوكلاهوما ونيويورك ونيوجيرسي وميسوري وإيلينوس وأريزونا، بحسب تحقيقات المباحث الفيدرالية وتقارير وسائل الإعلام الأميركي.


خروق مالية

"في الولايات المتحدة، لا يوجد أي دليل على أن مدارس غولن تنشر عقيدته وسط الطلاب، فالمناهج التي تعتمدها كلها أميركية"، هذا ما يؤكده مونتاري ديفيد، رئيس جمعية أولياء أمور مدرسة "أكاديمية behave للعلوم والتكنولوجيا" التي تمتلكها جماعة "حزمت" أو ما يعرف عربيا بتنظيم الخدمة، لـ"العربي الجديد"، وتخالف آلية عمل مدارس غولن الأميركية ما تقوم به في الدول العربية والإسلامية الأخرى التي تنتشر بها كما كشفت الأجزاء السبعة الماضية من ملف "العربي الجديد"، إذ تعمل تلك المدارس في الدول العربية والإسلامية التي تنتشر بها على الترويج لفكر غولن ونشره بين الطلاب، عبر طرق ثقافية وتربوية مختلفة.

وقبل الانقلاب الفاشل في تموز/يوليو الماضي، لم يكن تلاميذ  هذه المدارس يعلمون أنها تنتمي إلى كيان يقوده داعية إسلامي، حتى وإن كان العديد من أساتذتها وإدارييها أتراكا، بيد أن المشكل الأساسي الذي تواجهه مدارس غولن في أميركا ليس هو مالكها وجذوره الفكرية والثقافية، إنما تورطها في "الخروقات المالية وغياب الشفافية"، حسب تقرير أصدرته لجنة التعليم بولاية يوتا، في العام 2010، وقام أعضاء اللجنة بفحص مالية "أكاديمية behave للعلوم والتكنولوجيا" ووجدوا أن الأكاديمية مثقلة بأزيد من 350 ألف دولار من الديون. كما وجدت اللجنة أن الإداريين يحتفظون بالمناصب المهمة في المدرسة للأتراك فقط بغض النظر عن كفاءتهم العلمية. وأضاف تقرير اللجنة المنشور في وسائل إعلام محلية: "حتى في الوقت الذي سرّحت فيه المدرسة بعض المدرسين الأميركيين، قامت behave بجلب نسبة عالية من المعلمين من الخارج، لا سيما من تركيا".

غير أن أكثر ما أثار غضب سلطات ولاية يوتا على هذه المدرسة هو استخدامها لأموال دافعي الضرائب، والتي تحصل عليها المدارس الخاصة عبر برامج مساعدات حكومية، لجلب الأساتذة من تركيا إلى ولاية يوتا. وأكد تقرير اللجنة أن المدرسة وظفت 50 في المائة من أموال دافعي الضرائب والمخصصة أصلا للبحث العلمي، لإيواء ودفع نفقات الفيزا لأساتذة أتراك. وفي 2010 كانت أكاديمية هايف أول مدرسة تغلقها السلطات في تاريخ ولاية يوتا لأسباب "الفساد المالي، وغياب الشفافية".

مدرسة مقربة من غولن شملها تفتيش عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي 
 



وتكررت قصص مشابهة من ولايات أخرى، ففي تكساس حيث توجد 48 مدرسة تابعة لغولن، تحصل إدارة هذه المدارس على حوالى 100 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب كل عام. وتحدث تقرير، نشرته صحيفة نيويورك تايمز في العام 2011، عن أن مدرستين ضمن هذه القائمة منحتا شركات مقاولات تابعة لجماعة غولن مشاريع بناء بحوالى 50 مليون دولار، رغم أن شركات مقاولات أخرى قدمت عروضا بأقل من عرض الشركة التي تم منحها هذه المشاريع.

وفي ولاية جورجيا حدث أمر مشابه، إذ تعرضت مدرستان لفحص مالي من طرف السلطات، بعد أن اشتكت شركات مقاولات من تمريرهما صفقات لأشخاص مقربين من غولن دون منح الفرصة لجميع المنافسين.  وتمت مداهمة كلية "كنيلورث Kenilworth" للعلوم والتكنولوجيا في مدينة "باتون روج" بولاية لويزيانا، في 11 كانون الأول/ديسمبر 2013، بينما داهم عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي في العام 2014، 19 مدرسة تابعة للجماعة بتهم "الفساد المالي".

وقدمت شركة "Amsterdam & Partners LLP" للمحاماة والقانون شكوى بحق المدارس في ولايتي كاليفورنيا وبنسلفانيا نيابة عن الحكومة التركية، وبعدها بفترة قدمت شكوى ثالثة في ولاية تكساس، وفي فبراير/شباط الماضي، بدأت التحقيقات تشمل مدارس المنظمة التي تدعي Magnolia في ولاية كاليفورنيا، وعددها 11، وتركزت على تدقيق الأصول المالية لهذه المدارس.

ويقول المحامي، روبرت أمستردام، صاحب شركة أمستردام للمحاماة والقانون:"كلفت الجمهورية التركية قبل سبعة أشهر، (بداية العام الجاري) مكتبي القانوني بالتحقيق في النشاطات الخارجة عن القانون و المشتبه فيها للمدارس وأماكن العمل التابعة لغولن. وما توصلنا اليه حتى الآن أمر مذهل".

لكن بالنسبة إلى مونتاري ديفيد، فإن "كل التقارير التي تحدثت عن تورط مجموعة مدارس غولن في أميركا في تلك الأنشطة، تعد غير مهمة ما دامت الأكاديمية التي يدرس فيها ابنه تحتل مراتب جيدة على مستوى التميز الأكاديمي كل عام"، مؤكدا أن "جمعية آباء التلاميذ تراقب باستمرار المدرسة، وهذا كاف".


تحقيقات المباحث الفيدرالية

حسب مذكرة تفتيش نشرها مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) في يونيو/حزيران من العام 2014، فالسلطات كانت تجمع الوثائق المالية لتعقب صرف الأموال وخيط الاتصالات بين جهات عدة، لا تربط بينها أية مصالح قانونية مشتركة.

لكن جماعة غولن كانت تعرف أن السلطات الفدرالية قد تتعقبها يوما، فقامت باستغلال ثغرات قانونية، مما أدى إلى نجاة أفرادها ممن يسيرون هذه المدارس من السجن، إذ أسس بعض الأعضاء شركات "مستقلة" حتى تمنحهم الصفقات التجارية، وهو ما اعتبرته السلطات تحايلا على القانون.

ووفقا للشكوى المقدمة من شركة "Amsterdam & Partners LLP" في نيسان/أبريل الماضي، فإنه ما بين أعوام 2003-2009، أقدمت مدارس هارموني Harmony Public School المرتبطة بجماعة غولن، على التعاقد مع شركة "سوليداريتي Solidarity" للتعهدات بقيمة 22 مليون دولار في عامين، ثم انتقل أحد العاملين في المدرسة، خلال هذه الفترة، للعمل مديرًا في الشركة المذكورة.

ولم تحدد السلطات مآل كل الأموال التي يحصل عليها أعضاء التنظيم، بل إن وسائل إعلامية أميركية انتقدت تحفظ "إف بي آي" عن نشر وثائق، حصل عليها خلال عملية مداهمة تلك المدارس.

يقول أستاذ القانون الفدرالي في جامعة سانتا بربرا، هاورد غارد: "كيفما كان النص القانوني يمكن التحايل عليه وليُّ عنقه، فالشركات الكبرى والمحامون يمارسون هذه اللعبة ببراعة".
وأضاف لـ"العربي الجديد" أن أية "منظمة كيفما كانت قد تستغل ثغرات في القانون أو تأويلات غير واضحة للحصول على صفقات غير أخلاقية، ولكنها مبررة قانونيا،" مشددا على أن "اللائمة يجب أن تلقى على اللعبة وليس على اللاعبين"، في إشارة هنا إلى جماعة غولن.

وفي ولاية أوهايو، قامت السلطات بفحص مالي لحوالى 20 مدرسة تابعة لجماعة غولن تدعى "أكاديمية هورايزن". وخلال التحقيق مع مسؤولي هذه المدارس أكد أساتذة في شهاداتهم أمام القضاء وجود حالات غش في امتحانات الولاية لإنجاح عدد أكبر من الطلاب، بالإضافة إلى تردي البنايات والتجهيزات والاكتظاظ، بل أيضا حالات للتحرش الجنسي.

وذكر موريس ستيفان، وهو أستاذ سابق في أكاديمية هورايزن، لـ"العربي الجديد"، أن "الإداريين يرفضون حتى مناقشة بعض الأمور التقنية في المقررات الدراسية، أما الشكوى من تردي وضع بعض المدارس فقد تقود صاحبها إلى الطرد".



الجماعة تنفي

يقول أستاذ القانون الفيدرالي في جامعة سانتا بربرا، هاورد غارد، إن تنظيم غولن نشيط سياسيا في أميركا، "إذ تحول إلى جماعة ضغط تشتري صمت السياسيين بالتبرعات السخية خلال الحملات الانتخابية. وفي المقابل تستمر هذه المدارس في فتح أبوابها وتقديم خدمتها".

وأكد أن "القانون في أميركا يفسد حتى العمل التعليمي، الذي هو ركيزة هذه الأمة، إذ يرى أن الجماعة تحتفظ بعلاقات قوية ببعض رؤساء جمعيات آباء التلاميذ". من جهة أخرى، تنفي جماعة غولن الاتهامات بالفساد، "وتعتبر ذلك مجرد دعاية مؤامراتية هدفها تشويه السمعة ونشر الأضاليل"، حسب المدير التنفيذي لمنظمة "التحالف من أجل القيم المشتركة" آلب أسلاندوغان.

وتُتهم هذه المنظمة، وهي ضمن أبرز المدافعين عن جماعة غولن في أميركا، بدعم السياسيين لإقناعهم بأن الجماعة صديقة للغرب، مما يجعلهم يغضون الطرف عن الكثير من أنشطتها.

ويرفض أسلاندوغان، وهو أستاذ سابق في العديد من الجامعات بولاية تكساس، أن يكون أساسا فتح الله غولن مديرا أو مؤسسا للمدارس التابعة للتنظيم، بينما يشدد على أن جودة التعليم في هذه المدارس تحددها السلطات، ولا يمكن أن تستمر لو أنها متورطة في قضايا فساد في أكثر من ولاية.

وبعد مداهمة "إف بي آي" للكثير من المدارس في ولاية لوزيانا، حاول محامي غولن تذكير وسائل الإعلام المحلية أن موكله ليس مديرا ولا مؤسسا ولا مساهما في الشركة المسيرة لهذه المدارس، غير أن هاورد غارد يقول: "هكذا تشتغل الجماعات السرية، فالقائد لا يجب أن يظهر أبدا في الصورة"، مشيرا إلى أن دور الإعلام هو "فضح ممارسات هذه المدارس، والسياسيين الذين يضحون بالتعليم من أجل الحملات الانتخابية".

دلالات