إدارة الأزمة الخليجية.. نموذج قطر الناجح

إدارة الأزمة الخليجية.. نموذج قطر الناجح

08 سبتمبر 2017
الصورة

وزيرا الخارجية القطري والأميركي.. مباحثات في الدوحة (26/7/2017/Getty)

+ الخط -
مرت ثلاثة أشهر على اندلاع الأزمة الخليجية، من دون وجود مؤشرات حقيقية عن انفراجها في المدى المنظور. وعلى الرغم من البون الكبير في المقدّرات الاقتصادية، والديمغرافية، والعسكريّة، بين الطرفين، فإن قطر نجحت في إدارة الأزمة بطريقة واقعيّة، ثبطت من خلالها مفاعيل الإجراءات العقابية ضدها، وحافظت، في الوقت عينه، على استقلالية سياساتها الداخلية والخارجية خارج نهج الوصاية والتبعيّة الذي ترجم إجرائيًا بقائمة المطالب الثلاثة عشر. في ضوء ذلك، أثيرت أسئلة عديدة عن أسباب نجاح قطر في إدارة الأزمة، وفشل الدول الأربع، العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر، في تحقيق أغراضها بعد استنفادها مختلف وسائل الضغط السياسي والاقتصادي، وأدواته، وهو ما تحاول هذه المطالعة الوقوف عليه تمحيصًا وتدقيقًا بتتبع مسار الأزمة خلال الشهور الثلاثة الماضية.

امتصاص واحتواء
بداية، ومنذ إقدامها جماعيًا على خطواتها التصعيدية، بما فيها فرض حصار بري وبحري وجوي، لامس بصلف إمدادات الغذاء والدواء، أدرك صانع القرار القطري أن استراتيجية خصومه، بقيادة السعودية، تقوم على مبدأ "الصدمة والترويع"، بغرض إضعاف الطرف المقابل وتشتيت جهوده الاحتوائيّة لإجباره على الاستسلام بشكل سريع. وفي حقيقة الأمر، امتلكت دول الحصار في بداية الأزمة كل الأدوات والوسائل اللازمة لنجاح نهج "الترويع والتركيع"، لاسيما بعد انحياز الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشكل كامل إليها، الأمر الذي أحدث معضلة أمنية – عسكرية، فاقمها تلويح مسؤولين في دول الحصار بالخيار العسكري ضد قطر، أو العبث باستقرارها الأمني والسياسي.
في ضوء ذلك، توقعت الدول الأربع أن تجني ثمار سياستها التصعيدية سريعًا، وتوقعت حدوث صدع أو شرخ بين القيادة القّطرية وقاعدتها الاجتماعية، يرافقه اختلال اقتصادي ينجم بالضرورة عن هروب متوقع للاستثمارات والودائع والأصول الماليّة، وهجرة متواترة لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية إلى الخارج، بعد تراجع البورصة أو انهيارها. وبحكم خبرتها في ملفات وأزمات دبلوماسية مختلفة، أدركت قطر أن أولويات إدارة الأزمة تتجلى في امتصاص الصدمة الأولى، وإفقاد نهج التخويف المبطن بتهديدات عسكريّة زخمه المعنوي، ومن ثم معالجة الثغرة العسكرية – الأمنيّة، وإصلاح الخلل في التوازن الهشّ بعد الانحياز الأميركي ضدها. وفيما عزاه خبراء اقتصاديون وماليون إلى إجراءاتٍ سريعةٍ وملموسةٍ عبر عمليات ضخ كبيرة للنقد الأجنبي في الأسواق المالية، نجحت الحكومة القطرية في مواجهة التداعيات الاقتصادية المحتملة عبر إنعاش البورصة إثر تراجعها بمقدار سبع نقاط في الأيام الأولى للأزمة، وحافظت كذلك على سعر صرف الريال القطري ثابتًا مقارنة بالدولار، على الرغم من المحاولات الحثيثة لاستهدافه. وفي هذا الصدد، تمكّنت الحكومة القطرية فورًا من سد الثغرة الغذائية الناجمة عن إغلاق المعبر البري مع السعودية، بتفعيل الإنتاج المحلي تارة، وتنويع مصادر الاستيراد لسلع الاستخدام اليومي، بمساعدة أسطول الخطوط الجوية القطريّة.

إجراءات وقائيّة
أمنيًا، حمل تفعيل الاتفاقية الدفاعية بين تركيا وقطر، في مضمونه ودلالاته الحمائيّة، رسائل
 عديدة داخلية وخارجيّة، لكن هذه الخطوة جاءت حاسمة في مفعولها، وأعادت خلط الأوراق في مشهد الأزمة بشكل كامل، فدخول لاعب إقليمي مهم، مثل تركيا، على خط الأزمة أربك حسابات دول الحصار ومساعيها الرامية إلى عزل قطر إقليمًيا تمهيدًا لعزلها دوليًا. ولأن "رأس المال جبان" كما يوصف في أدبيات الاقتصاد السياسيّ، فإن الخطوة التركية إرسال طلائع جنودها إلى قاعدة الريان كان لها تأثيرها المباشر في إزالة مخاوف، بالحد الأدنى، الشركات الأجنبية والبنوك المانحة للقروض في مشاريع البنية التحتية والمشاريع الاستثمارية الكبرى، وخصوصا مشاريع كأس العالم 2022.
بعد التقاط الأنفاس وامتصاص الضربة الأولى، سارعت قطر إلى تفعيل مجموعةٍ من الإجراءات الوقائيّة في بعض القضايا الإشكاليّة التي حاولت دول الحصار استغلالها وتوظيفها سياسيًا. وكانت أولى الإجراءات، بعد الترحيب والتعامل الإيجابي والجدّي مع الوساطة الكويتية، سحب ورقة "تمويل الإرهاب" من التداول السياسي نهائيًا. وقد توفرت قناعة مبكرة لدى الدبلوماسية القطرية بوجود خلاف جوهري تجاه الأزمة الخليجية بين الرئيس ترامب، المنحاز لصفقاته الماليّة والمبالغ الكبيرة التي حصل عليها بعد قمة الرياض، والبيروقراطية الأميركية ممثلة بوزارتي الخارجية والدفاع التي خشيت من تعريض المصالح الأميركية في الخليج للخطر، في حال مسايرة أحد أطراف الأزمة ضد الآخر. ومن باب سد الذرائع، وقعت قطر في يوليو/ تموز 2017 مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة بخصوص محاربة "تمويل الإرهاب". ومع أن هذه المذكرة جاءت تتويجًا لمسار طويل من المباحثات الثنائية، فإن تأثيرها أتى أكله داخل الإدارة الأميركية، برضوخ ترامب، ولو مؤقتا، لنصائح خارجيته وجنرالاته بالدعوة إلى حل الأزمة دبلوماسيًا ومنع التصعيد في منطقة حساسة.

نشاط دبلوماسي مضاد
بعد ذلك، بدأت الدبلوماسية القطريّة، من خلال عمل دؤوب لوزير الخارجية، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، حراكًا دبلوماسيًا مضادًا، هدفه إخطار القوى الدولية والإقليمية بالآثار الإنسانية المترتبة على الأزمة من جهة، وتفنيد ادعاءات دول الحصار واتهاماتها تجاه الدوحة من جهة ثانية. وعلى الرغم من محدودية التأثير الدبلوماسي لقطر، بحكم حجمها الجغرافي 
والديمغرافي، استطاعت الدبلوماسيّة القطريّة تحقيق نتائج ملموسة، تمثلت بانحياز أوروبي عريض إليها من بوابة رفض نهج الحصار والعقوبات وسيلة وحيدة لحل الخلافات السياسية بين الدول. في المقابل، ثبطت الدوحة محاولات حثيثة، قادتها الدبلوماسية السعودية، لحث بعض الدول على قطع علاقاتها مع قطر (الصومال، السودان، المغرب)، ونجحت قطر بشكل غير مباشر في إقناع بعض الدول المقاطعة بالعودة عن خطواتها، كما جرى مع السنغال التي أعلنت عودة سفيرها إلى الدوحة في 22 آب/ أغسطس 2017. ويلفت الانتباه أن أحدًا من القوى الإقليمية والدولية لم يستجب للمساعي السعوديّة، وبقي نهج عزل قطر مقتصرًا على دولٍ غير مؤثرة، مثل جزر المالديف وموريتانيا، وبعض الدول العربية الأخرى التي رضخت للترهيب الاقتصادي، كما جرى مع الأردن. وقد أوضحت الأزمة، أخيرا، كيف انتقلت الدول الأربع، وخصوصا الإمارات والسعودية، إلى الدفاع عن نفسها بعد سلسلة من الفضائح، لعل أبرزها ما نقلته صحيفة واشنطن بوست في 17 تموز/ يوليو 2017 عن مسؤولين في وكالة المخابرات الأميركية عن وقوف الإمارات وراء اختراق وكالة الأنباء القطرية، وزرع تصريحات لأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ادّعت دول الحصار أنها السبب الرئيس لأزمتها مع قطر. وفي سياقٍ مواز، اضطلعت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر بدور ريادي فاعل في رصد الانتهاكات الإنسانية، والتعريف بها على مستوى المنظمات الحقوقية الدولية، وتعرية السياسات غير المسؤولة التي تفتقد أدنى المعايير الأخلاقية المتعارف عليها في أدبيات الخصومة السياسية.

عوامل مساعدة
تنيط أدبيات إدارة الأزمات بمحدد "القيادة" أهمية قصوى في تحديد وجهة مخرجات الأزمة وماهيتها، وخصوصا إذا وصلت الأخيرة إلى مرحلة الذروة، حيث لا فكاك من مواجهتها إلا بالاستسلام أمامها. ولاشك في أن وعي القيادة القطرية، وتعاملها المسؤول، كان العنصر الرئيس في نجاح إدارة الأزمة وفشل الحصار حتى وقتنا الراهن. وثمّة عوامل أخرى مساعدة برزت بوصفها حصيلة تراكمية للمنظور المستدام في نهج بناء الدولة الحديثة داخل قطر، فالاستثمار الكبير في التعليم والصحة ودولة الرفاه، على علاته الريعية، كان له الأثر الواضح في التنمية البشرية داخل قطر، وأنتج بدوره مجتمعًا متماسكًا إلى حد كبير، استطاع، بوعيه السياسي على مدار الشهور الثلاثة المنصرمة، إشاعة شعور وطني، يعلي من مسألة استقلالية دولته، ويرفض نهج الوصاية والتبعية، ويتجاوز، في الوقت نفسه، الانتماءات الفرعية (القبلية) التي حاولت بعض دول الحصار اللعب عليها بداية الأزمة.
من جهة أخرى، ساهم تماسك الاقتصاد القطريّ، المستند إلى احتياطي نقدي كبير يفوق 40
 مليار دولار، مع صندوق سيادي يتجاوز 340 مليار دولار في تخفيف الآثار الجانبية الحادة الناجمة عن تعثر الاستيراد المرتكز بالأساس على ميناء جبل علي في الإمارات، لتتلاشى هذه الثغرة تقريبًا بعد تدشين خطوط ملاحية بحرية جديدة مع عُمان، والكويت، وباكستان، والهند، وافتتاح ميناء حمد الدولي رسميًا في 5 سبتمبر/ أيلول 2017، حيث من المرجح أن يستحوذ على 35% من تجارة الشرق الأوسط.
بالإضافة إلى ما سبق، أظهرت الأزمة العائد الكبير للاستثمار القطري في وسائل (ومؤسسات) القوة الناعمة بمختلف تجلياتها؛ إعلامية، إنسانية، وبحثية، لاسيما وأن دول الحصار افتتحت معركتها مع قطر بمعول الأفكار تحت عناوين براقة من قبيل؛ الليبرالية، العلمانية، مواجهة الراديكاليّة والتطرّف... إلخ. وكانت هذه المؤسسات، حتى وقت قريب، محط تساؤل لدى بعضهم داخل قطر عن جدواها وعوائدها، قبل أن يتلمسوا أثرها الفاعل وتأثيرها الإيجابي خلال الأزمة، وهو أمر نوه إليه أمير قطر في خطابه في 21 يوليو/ تموز 2017.

خاتمة
في العموم، تميزت استراتيجية قطر في إدارة الأزمة بقدر كبير من العقلانية السياسيّة، صدورا عن إدراكها مقدراتها من جهة، وهامش المناورة والحركة ضمن توازنات الإقليم وتفاعلات النظام الدولي من جهة ثانية. وحرصت، في المقابل، على تجنب ردّات الفعل الارتجالية غير المنضبطة، مع إيلاء الجانب القيمي أهمية كبيرة في مواجهة الردح الإعلامي والسياسي الذي وصل، في انحداره، إلى مستويات غير مسبوقة. وقد تدرجت الدوحة في إدارة الأزمة من أساليب الامتصاص والاحتواء إلى أساليب حمائيّة وأخرى وقائيّة، مهدت، في فترة لاحقة، إلى التخلي عن النهج الدفاعي، وتبني أساليب أكثر هجومية ومباغتة، تقوم على حصار المُحَاصِرين وتعرية إجراءاتهم التعسفية سياسًا وإنسانيًا، وهو ما جعل نموذج قطر الناجح في إدارة الأزمة محط اهتمام الباحثين والأكاديميين في حقلي العلاقات الدولية وتخصص إدارة الأزمات الدولية.