إحياء العملية السياسية أم حفتر

28 اغسطس 2019
الصورة
خسر حفتر معاركه الأخيرة (محمود تركية/فرانس برس)
بعد سقوط مدينة غريان الاستراتيجية بالنسبة لمعركة اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس، في نهاية شهر يونيو/ حزيران الماضي، بدأ المجتمع الدولي يذهب باتجاه حث "الأطراف الليبية" لإحياء العملية السياسية. في ذلك الحين، كان مراقبون يقدرون أن هزيمة حفتر في غريان ليست نكسة فقط بل مؤشر على خسارته لمعركة طرابلس، التي أجمع المجتمع الدولي والأمم المتحدة على "الصمت" حيالها طيلة شهرين، وتجنبت بياناتهم المتكررة الإشارة حتى باللوم على حفتر لقصف الأحياء والمنشآت المدنية، على الرغم من تأكيدهم بأنّ التجاوزات ترقى لمستوى "جريمة الحرب".

ومنذ استخدام "الفيتو" (حق النقض) لمنع صدور قرار أممي يدعو لوقف الحرب على طرابلس وعرقلة صدور قرار أوروبي، تحولت مواقف الدول المعنية بالملف الليبي إلى الاتجاه لدعم إحياء العملية السياسية كخيار لوقف الحرب. وهنا يمكن ملاحظة اعترافين دوليين ضمناً، أولهما الاعتراف بأن قرار حفتر مهاجمة العاصمة قبيل أيام من انعقاد ملتقى غدامس الجامع، يعني إنهاء تلك العملية السياسية، وثانيهما اعتبار الخيار السياسي بديلاً للخيار العسكري إقراراً بفشل حفتر.

وحتى الآن لا تزال حكومة الوفاق بطرابلس وقادة قواتها محافظين على موقف رفض حفتر شريكاً سياسياً في أي عملية للتسوية، ما يعني إصرارهم على طرد مليشياته من جنوب طرابلس. وعلى الرغم من إعلان رئيس حكومة الوفاق فايز السراج عن مبادرة سياسية للحل في ليبيا، إلا أن حفتر من جانبه لم يعلن عن قبوله بالحلول السلمية في إطار محاولة إحياء العملية السياسية.

بلا شكّ لمساعي إحياء العملية السياسية معانٍ عدة، أبرزها إحياء وضع حفتر الميت، سياسياً وعسكرياً، بما يعني إفساح مجال كاف له لاسترداد مواقعه في جنوب طرابلس، ولا سيما غريان، ليتمكن من وضع أوراق للتفاوض في يده قبل الجلوس إلى طاولة واحدة مع حكومة الوفاق، كما يعني إيجاد صيغ مقنعة لخصومه في طرابلس من خلال إيجاد شركاء لحفتر يمكن أن يشغلوا كرسيه على طاولة التفاوض للحديث باسمه، كما كان يفعل البرلمان المنعقد بطبرق أيام محادثات الصخيرات.

وفي خضم الحديث المتزايد عن تلك المساعي لم تبرز على السطح أي مبادرة في هذا الشأن، على الرغم من حديث البعثة الأممية عن قرب انتهائها من إجماع على عقد ملتقى دولي، لكن يمكن تكهن مسار تلك المساعي من خلال المبادرة الوحيدة التي أعلن عنها في القاهرة من خلال الحكومة المصرية المرتبطة أصلاً بحفتر منذ بدء ظهوره في بنغازي. وترتكز المبادرة المصرية على إعادة إحياء البرلمان المنعقد في طبرق، بعد فشل محاولة القاهرة رأب الصدع الذي حلّ بالبرلمان إثر نجاح عدد من نوابه في عقد جلسات موازية في طرابلس وتعيين رئاسة جديدة، محاولة إعادة تأهيله ليكون الجهة الشرعية التي تتولى تمثيل الليبيين في أي عملية حوار سياسي جديدة، فهو الجسم التشريعي الوحيد المناط به اعتماد أي خارطة مستقبلية، بحسب المبادرة.