إحياء الذكرى "كي لا يصبح يوماً عادياً"

إحياء الذكرى "كي لا يصبح يوماً عادياً"

15 مايو 2015
الصورة
رغم كل شيء.. سنقاوم حتى الرمق الأخير(الأناضول)
+ الخط -

بعد 67 عاماً على نكبة الشعب الفلسطيني، يجتهد آلاف الفلسطينيين في إحياء الذكرى للإبقاء على حقوق اللاجئين حاضرة ضد محاولات طمسها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وخوفاً عليها من أي مساومات تفاوضية محتملة، لا سيما أنّ قضيتهم تم تأجيلها مراراً وتكراراً إلى أجل يجهله المفاوض الفلسطيني نفسه.

وفيما تحاول عشرات المؤسسات الشعبية وتحديداً التي يعمد اللاجئون الفلسطينيون من خلالها إلى ترسيخ تقاليد لهذا الحدث الأليم، حتى لا يصبح يوماً عادياً في الروزنامة الفلسطينية التي تغص بالنكبات اليومية، وخصوصاً أنّ المستوى الرسمي الفلسطيني يكتفي بإصدار بيانات الشجب والاستنكار، فضلاً عن تحوُّل جميع المؤسسات الرسمية لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية إلى مراكز إحصاء ترصد وتنشر أرقام الهزائم الفلسطينية المتلاحقة، من دون أن تحرك ساكناً على أرض الواقع.

أما على الجانب الآخر، فتجتهد حكومة الاحتلال الإسرائيلي في مصادرة المزيد من الأراضي وسرقتها تحت ذرائع مختلفة، وخلق نكبات صامتة يومياً، إذ عزمت حكومة الاحتلال على مسح 75 تجمعاً فلسطينياً في الضفة الغربية، عن الخارطة، وباتت في مرحلة التنفيذ الفعلي بعد أن أنهت المصادرة والاستيلاء على الأراضي، وحرقت الحقول وشرّدت الفلسطينيين من هذه الأماكن أمام أعين العالم وبصره.

اقرأ أيضاً: لاجئو مخيم شعفاط يحلمون بالعودة للبيت والحاكورة

عشية النكبة، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية تمديد الأمر الاحترازي بوقف هدم قرية "سوسيا" جنوبي الخليل، ما يعني أنّ 10 آلاف دونم من أراضي القرية أصبحت في قبضة الاحتلال، ومئات الأهالي باتوا بحكم المنكوبين. واعتبرت اللجنة التفنيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيان صدر عنها أمس، أنّ "هذا المخطط يندرج ضمن جرائم الحرب التي ترتكبها حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف بحق الإنسان الفلسطيني وأرضه، ويشكّل في حال تنفيذه، مقدمة لسقوط العديد من القرى المجاورة في المنطقة".

أما أهالي القرية البالغ عددهم نحو 500 نسمة، يؤكّدون بمرارة، أنّهم "على موعد مع النكبة، ولن يفعل أحد شيئاً لإنقاذنا". ويقول رئيس مجلسها القروي جهاد نواجعة لـ"العربي الجديد"، "سنقاوم حتى الرمق الأخير".

نواجعة والمئات من سكان قريته حصلوا على بعض الزيارات التضامنية من قبل المسؤولين الفلسطينيين، مع وعد قدّمه رئيس هيئة الجدار والاستيطان وليد عساف "بتقديم خيم للمواطنين، وبركسات للمواشي، في حال نفّذ الاحتلال قراره هدم القرية، واستنفار المقاومة الشعبية للدفاع عن سوسيا".

يرى مدير معهد الأبحاث التطبيقية جاد اسحق في حديثه إلى "العربي الجديد"، "أنّ النكبة الصامتة تهدد أكثر من 60 ألف فلسطيني، حيث بات 75 تجمعاً سكنياً فلسطينياً مهدداً بالزوال عن الخارطة، وهذه التجمعات موزّعة في الأغوار والخليل ومنطقة ما وراء جدار الفصل العنصري". ويضيف اسحق "5% هي كل ما تبقى من مساحة الضفة الغربية التي لم تصادرها حكومة الاحتلال بعد، ويمكن أن نحصل فيها على حل سياسي".

اقرأ أيضاً: فلسطينيون في رام الله يؤكدون علي حق العودة

ويلفت إلى أنّ "حكومة الاحتلال الإسرائيلي قامت بتسجيل 41% من مساحة الضفة الغربية كأراضي دولة، فيما استطاعت السيطرة على 55% من مساحة الضفة الغربية من خلال الأوامر العسكرية القاضية بإغلاق هذه الأراضي أمام المواطنين الفلسطينيين"، مشيراً إلى أنّ "إسرائيل تحوّل المستوطنات والبؤر الاستيطانية إلى كتل استيطانية كبيرة، بحيث أصبحت 75% من المناطق المصنفة "س" خاضعة كلياً لإسرائيل".

سوسيا لا تختلف عن تجمعات سكانية كثيرة في الأغوار الشمالية مثل "البقيعة" و"حمصة" وغيرها، إذ أحرق الاحتلال الأسبوع الماضي نحو 5 آلاف دونم من أراضي الأهالي، معظمها حقول قمح وشعير، وتمّ إخلاؤهم بالقوة من مساكنهم مع مواشيهم بحجة التدريبات العسكرية. ومرّت هذه النكبة الصغيرة في الإعلام الفلسطيني مرور الكرام، ولم تكن دافعاً لعقد أي اجتماع سياسي لأي مستوى رسمي لمعالجة الأمر.

اقرأ أيضاً: "أنا لاجئ".. شاشات ترصد معاناة اللاجئين الفلسطينيين والسوريين

أمام النكبة الكبيرة والنكبات اليومية الصامتة، يظهر الفلسطينيون تراخياً في إحياء ذكرى النكبة، التي تفتقد لأي تقاليد على الرغم من مرور 67 عاماً عليها، في رام الله تحديداً ووسط المدن الفلسطينية الأخرى. بدا الأمر لمن لا يعرف النكبة وكأن الفلسطينيين يحتفلون بمناسبة ما، من خلال سماع الأغاني الوطنية الثورية، ووجود الكشافة، وتعليق الدوام عند الحادية عشرة صباحاً للمدارس والمؤسسات الحكومية كي يتمكن الطلاب والموظفون من المشاركة بمسيرات إحياء النكبة، باستثناء الرايات والقمصان السود التي كتب عليها ذكرى النكبة، التي كانت الدليل الوحيد على أنّها إحياء النكبة، فيما بدت الأجواء احتفالية وطنية بانتصار ما.

في رام الله، نُظّمت المسيرة الرئيسية يوم 13 أيار، قبل يومين على ذكرى النكبة الذي يصادف اليوم الجمعة، وانطلق المئات من الفلسطينيين من أمام ضريح الشهيد ياسر عرفات في مقر الرئاسة الفلسطينية، وتوجهوا إلى ميدان ياسر عرفات وسط المدينة، في إصرار ضمني على تكثيف الرموز وجمعها في هذا اليوم الوطني.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الهيئة العليا لإحياء ذكرى النكبة، إلّا أّن الحضور الجماهيري كان متراخياً. في هذا السياق، يقول رئيس تجمع القرى المهاجرة عمر عساف لـ"العربي الجديد"، "أعتقد أن الالتفات الشعبي غير كاف، ودون مستوى هذا الحدث الأليم"، مضيفاً، "هناك تراجع في حجم وآلية إحياء ذكرى النكبة، وهذا التراجع هو انعكاس لحالة الفوضى العامة الفلسطينية، وتراجع الدور الجامع والقوى الوطنية".

على منصة إحياء الذكرى الـ67 للنكبة في ميدان الشهيد ياسر عرفات في رام الله، والتي غنّت فيها الفرقة القومية الوطنية الأناشيد الوطنية أمام المواطنين، قام عريف الحفل بزيه العسكري مراراً بتذكير الجمهور، أنّ إحدى فقرات المهرجان تتضمن مشاركة أحد فناني البرنامج الغنائي المشهور "آراب أيدول" النجم محمد عساف، ليحافظ على بقاء الجمهور الذي كان عدده يتراجع بعد كل كلمة لمسؤول فلسطيني.

اقرأ أيضاً: تضارب بمساحة "النكبة" في المنهج الدراسي الفلسطيني

يعلق الكاتب والمحلل أحمد رفيق عوض على ما يحصل لـ"العربي الجديد"، قائلاً: "إحياء النكبة موسمي ومزاجي، ويشهد تراخياً للجمهور، ولا يوجد فيه أي تقاليد رسمية أو شعبية"، متابعاً، "لا يوجد استثمار للحادثة الفظيعة في ترسيخ تقاليد جديدة لدى الأجيال الشابة الفلسطينية".

ويعزو عوض ما سبق إلى أنّه "كل عام يعيش الفلسطيني تحديات أصعب من العام السابق، وبعد 67 سنة على النكبة، لا نزال نعيش نكبات، ونغوص بالحاضر، وهو أشد وطأة، لذلك نحن عملياً نتورط باللحظة".

ويتابع "عندما تحيي الشعوب مثل هذه الذكرى، تكون في حالة استرخاء ونضج وقادرة على الالتفات إلى الوراء، لكننا لا نستطيع أن نلتفت إلى الوراء، لأنّ الحاضر صعب للغاية، لذلك احتفالنا ارتجالي، والشعب ينفض من حوله. وما يزيد الأمر سوءا، أجواء الانقسام السائدة، ما يجعل الإحياء، وكأنّه نوع من الاحتفال بالفصيل أكثر من الاحتفال بالوطن، وبالتالي، كل هذه الأسباب مجتمعة تجعل الاحتفال أكثر استعراضية".

ويشير أستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت علاء العزة لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "المؤسسة الرسمية الفلسطينية تختصر إحياء الذكرى في يوم واحد، بينما تحيي المؤسسات الشعبية القاعدية في المخيمات هذا اليوم بطريقتها طيلة أيام السنة، لكن يبقى السؤال الأهم، هل ما تمّ تجهيزه لإحياء الذكرى كاف أم لا"؟

اقرأ أيضاً: "ألبوم العائلة".. توثيق للنكبة بعدسات فلسطينية

المساهمون