إثيوبيا تفرض الأمر الواقع

25 مايو 2020
الصورة
عمال في تجهيزات السد الإثيوبي العملاق (Getty)

أعلن مسؤولون إثيوبيون بارزون، قبل أيام، أن بلادهم ستبدأ بملء "سد النهضة" في يوليو/ تموز المقبل، بغضّ النظر عن التوصل إلى اتفاق مع مصر من عدمه. وقال وزير الخارجية الإثيوبي غيدو أندارغاشيو، في رسالة بعث بها إلى مجلس الأمن، يوم 18 مايو، إن بلاده "لا ترى أي سبب لتأجيل ملء خزان سدها" الضخم، على الرغم من تحذيرات مصر من أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة.

وفي كلمته أمام احتفال إثيوبيا بالذكرى السنوية التاسعة لبدء مشروع بناء سد النهضة، قال رئيس الوزراء، آبي أحمد: "سنبدأ بملء سد النهضة في موسم الأمطار المقبل"، وأضاف قائلاً إن الإثيوبيين أظهروا قدرتهم على تمويل المشروع بمواردهم الخاصة، وإنهم يولون مكانة خاصة للمشروع، لأنه رمز للسيادة والوحدة".

وفي اجتماع المجلس الوطني لبناء سد النهضة الإثيوبي يوم 5 مارس الماضي، رفضت الحكومة الإثيوبية الدور الأميركي واعتبرته تدخلاً غير مقبول. وقال نائب رئيس الوزراء: "إن التدخل الخارجي والتحرك للضغط على إثيوبيا في مفاوضات سد النهضة أمر غير مقبول، وإن أي تحرك لإخبارنا بما يجب أن نفعله وما يجب ألا نفعله غير مقبول".

وزير المياه والري والطاقة، سيليشي بيكيلي، قال في الاجتماع: "على الرغم من دعوة الولايات المتحدة إلى المفاوضات كمراقب، إلا أنها تصرفت لاحقاً كوسيط، ثم صاغت اتفاقاً، وهو أمر غير مقبول من الجانب الإثيوبي". وبوضوح، قالت رئيسة الدولة، سهلي ورك زودي، إن السد أكبر من مجرد كونه مشروعاً تنموياً، وسيبدأ ملء السد في شهر يوليو القادم، ويُستَكمَل بالكامل في عام 2023.

فرض الأمر الواقع
تكشف إثيوبيا عن إصرارها على المضيّ قدماً في إنجاز بناء السد بالمخالفة لاتفاق المبادئ. وجاء في بيان وزارتي الخارجية والمياه والري والطاقة الإثيوبية أن "إثيوبيا بوصفها مالك سد النهضة ستبدأ بالملء الأول للسد بالتوازي مع بناء السد كما ينص عليه الاتفاق المتعلق بإعلان المبادئ".
وهذا من شأنه أن تفرض إثيوبيا سياسة الأمر الواقع، وتُنجز بناء السد والبدء بتشغيله دون تنسيق مع دولتي المصب، مصر والسودان، وهي السياسة التي حذّر منها الجنرال عبد الفتاح السيسي، في حواره مع عدد من الشخصيات الأميركية المؤثرة داخل المجتمع الأميركي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ونقلته "بوابة الأهرام" الرسمية.

وأصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً حول الاجتماع الوزاري الذي عُقد في أديس أبابا في يناير الماضي، قالت فيه إن الاجتماعات الوزارية الأربعة التي عُقدت على مدار الشهرين الماضيين لمناقشة قواعد ملء سد النهضة وتشغيله، لم تُفضِ إلى تحقيق تقدم ملموس، بسبب تعنت إثيوبيا وتبنيها لمواقف مغالىً فيها تكشف عن نيتها في فرض الأمر الواقع وبسط سيطرتها على النيل الأزرق وملء سد النهضة وتشغيله دون أدنى مراعاة للمصالح المائية لدول المصب، ولا سيما مصر، بوصفها دولة المصب الأخيرة. واعترفت مصر بفشل المفاوضات التي قالت إنها انخرطت فيها بحسن نية، وفق البيان.

تداعيات كارثية

إقدام إثيوبيا على الانتهاء من ملء السد بالكامل في 2023، أي بعد 3 سنوات من الآن، وفق تصريح رئيسة الدولة، يعني أن حصة مصر من مياه النيل الأزرق ستنخفض بمقدار 25 مليار متر مكعب في السنة. هذه الكمية يمكن تعويضها من المخزون الحيّ لبحيرة ناصر، ولكنه سيفرغ تماماً بعد 3 سنوات. وفي السنة الرابعة تفقد مصر 25 مليار متر مكعب من حصتها، ما يؤدي إلى تبوير 5 ملايين فدان وتشريد 5 ملايين مزارع يعولون 5 ملايين أسرة تضم 25 مليون مواطن.

وقد كشف وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، عن خطورة سد النهضة على الحياة الزراعية والاقتصادية في مصر أمام غرفة التجارة الأميركية في القاهرة، وقال إن فقدان مصر 2% من المياه، ما يعادل مليار متر مكعب، يعني فقدان 200 ألف أسرة وظائفها ويعرضها للتطرف.

بالإضافة إلى تدهور الأراضي الزراعية القريبة من البحر المتوسط في شمال الدلتا بسبب زحف مياه البحر المالحة تحتها، وتخفيض مساحة زراعة الأرزّ الذي تتغذى عليه غالبية المصريين، وقد تحولت مصر بالفعل إلى استيراد الأرز من الصين والهند بعد أن كانت تصدره قبل الأزمة، ستكبر فاتورة استيراد الغذاء، لأن مصر تعاني عجزاً في إنتاج القمح قدره 60%، والذرة 50% وزيوت الطعام 92%، بسبب وجود عجز مائي قدره 20 مليار متر مكعب قبل أن تبدأ إثيوبيا باحتجاز المياه.

ليس هذا فحسب، إذ يتوقع خبراء التنمية الريفية في مركز البحوث الزراعية في مصر أن يسبب سد النهضة زلزالاً في المجتمع الريفي يبدد نسيجه الاجتماعي الذي استقر عبر آلاف السنين. وأكدوا أن نقص الحصة السنوية من مياه النيل يؤدي إلى زيادة الفجوة الغذائية وارتفاع أسعار الغذاء، ومعدلات الفقر الريفي، ومعدلات الإصابة بالأمراض، وزيادة جرائم السرقة وتعاطي المخدرات والعنف، والبطالة والفقر، وبالتالي زيادة معدلات هجرة الريفيين الداخلية إلى المدن، والخارجية إلى الدول العربية، وزيادة موجات الهجرة غير الشرعية إلى دول الاتحاد الأوروبي.

موقف مصر يزداد ضعفاً

تأخر أميركا في حل أزمة سد النهضة حتى الآن، فشل لا يمكن إنكاره. وصرّح مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، بأن الأمر قد يستغرق شهوراً إضافية قبل التوصل إلى اتفاق. وأكدت دراسة أعدها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في يوم 11 مارس الماضي، تحت عنوان: "صراع النيل: التعويض بدلاً من الوساطة"، فشل مبادرة الولايات المتحدة تماماً، واحتمال استمرار الأزمة دون حل لمدة طويلة، الأمر الذي يضرّ بموقف مصر التفاوضي الذي يزيد ضعفاً بمرور الوقت. فما الذي يدعو السيسي إلى التمسك بالمفاوضات حتى الآن؟!

بعد تجميدها المفاوضات، سيرت إثيوبيا وفوداً دبلوماسية للدفاع عن موقفها الرافض للمفاوضات، فتوجه وفد بقيادة الرئيس الإثيوبي السابق، مولاتو تيشومي، إلى الاتحاد الأوروبي وفرنسا. وطافت رئيسة الدولة على دول منابع النيل، فابتلعت مصر الطعم، وهرعت تلهث وراء الوفود الإثيوبية في أوروبا وأفريقيا، فطار وزير الخارجية، سامح شكري، إلى الاتحاد الأوروبي وفرنسا ثم دول منابع النيل، ثم زار دولاً عربية في أفريقيا وآسيا بحجة تفنيد الحجة الإثيوبية.

إننا أمام مسرحية مفاوضات هزلية مستمرة منذ 6 سنوات دون أن تفضي إلى حل، ولا تزال المسرحية مستمرة بمشاركة الممثلين جدد، الولايات المتحدة والبنك الدولي، بالإضافة إلى القدامى، الحكومة المصرية والإثيوبية والسودانية. وسيكون السد عند اكتماله كارثة على الشعب المصري.
ومَن يُرِد وصفاً لما يقوم به المفاوض المصري، فليراجع بيان الفريق سامي عنان، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، الذي قال فيه: "إن الحكومة فشلت فشلاً ذريعاً في إدارة ملف سد النهضة. فشل يصل إلى حد الخطيئة، بدأ منذ أن وقّعت مصر على إعلان الخرطوم في مارس/ آذار عام 2015، مؤتمر حسن النيات، ورفع الأيدي".

وطالب عنان بمحاسبة النظام، وقال في البيان: "يجب محاسبة كل مَن أوصلنا إلى هذا الوضع الكارثي المهين، ويجب إعلام الشعب بكل الأمور بشفافية كاملة، وعلى الدولة أن تعلن أن كل الخيارات متاحة للدفاع عن الأمن القومي لمصر وحقوقها التاريخية في مياه النيل".
لماذا يلفّ النظام المصري ويدور ويتعامى عن الحل الواضح للأزمة، وكأن الحوَل أصابه؟ قبل أربع سنوات، رسمت مجموعة حوض النيل مساراً بديلاً للمفاوض المصري لمواجهة التعنت والتلاعب الإثيوبي.

وطالبت المجموعة، وهي تضم 15 من الأساتذة والخبراء والسفراء ووزراء الري في جامعة القاهرة والمركز القومي لبحوث المياه، بوقف المشاركة في التفاوض العبثي مع إثيوبيا، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن الدولي للمطالبة بوقف بناء سد النهضة، وباستصدار قرار يلزم إثيوبيا بوقف البناء في السد حتى إتمام الدراسات الفنية، استناداً إلى اتفاقية الأنهار الدولية التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة عام 1997، خشية أن يؤدي السد إلى أزمة تشعل صراعاً مسلحاً يهدد سلم الإقليم وأمنه. فلماذا يسوّف السيسي ويهدر الوقت؟!
تعليق: