إثيوبيا تتمسك بالملء المنفرد لـ"النهضة": نشر منظومات دفاع جوي

الصورة
موعد الملء الأولي يبدأ في يوليو المقبل(إدواردو سوتيراس/فرانس برس)

في تحرّك يعكس تحدي إثيوبيا للموقف المصري في قضية سد النهضة وحتى التصعيد في مواجهة التفاهم الناشئ حديثاً بين مصر والسودان واتفاقهما على ضرورة التوصل إلى اتفاق كامل على قواعد الملء الأول والملء الممتد وتشغيل السد، نشرت وكالة الأنباء الإثيوبية تصريحات مطوّلة وحادة للمتحدث باسم الخارجية بالإنابة أمسالو تيزازو، أكد فيها موقف حكومته بأنها ليست مجبرة وفق أي تفاهم أو قانون دولي إبلاغ مصر والسودان قبل شروعها في الملء الأول للسد. وهي العملية التي تنوي إثيوبيا إطلاقها في يوليو/تموز المقبل بالتزامن مع بدء فيضان النيل الأزرق، المتوقع استمراره حتى نهاية الشتاء المقبل بإجمالي 4.9 مليارات متر مكعب، على أن يبدأ السد التشغيل التجريبي لإنتاج الكهرباء في مارس/آذار المقبل.

واعتبر تيزازو في تصريحاته التي أكد فيها تخلّي أديس أبابا عن أي اتفاق سابق بين الدول الثلاث وبصفة خاصة اتفاق المبادئ الموقع في مارس 2015، أن "الحديث عن ضرورة التوصل إلى اتفاق قبل الملء الأول هو محض خدعة قديمة وضعيفة". وادّعى أن "الملء الأول لن يسبب أي ضرر لدولتي المصب (مصر والسودان) لأنه سيتم في وقت الفيضان"، في تجاهل واضح للتقارير العلمية التي أعدتها المكاتب الفنية لدى استعانة الدول الثلاث بها لإعداد مسودات الاتفاق في الفترة بين عامي 2015 و2018.

واللافت أن تصريحات المتحدث الإثيوبي ضد الموقف المصري السوداني المشترك، صدرت بعد ساعات من لقاء رئيس وزراء بلاده أبي أحمد وفداً سودانياً رفيع المستوى برئاسة وزير شؤون مجلس الوزراء عمر بشير مانيس، والذي وصفه رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك بـ"اللقاء الناجح". وتناول الاجتماع العلاقات بين البلدين وتعاونهما في المجالات الاقتصادية وسبل دعمها وكيفية معالجات التحديات على الحدود بين البلدين والقضايا ذات الصلة بسد النهضة. كما أشاد أبي أحمد في تغريدة على موقع "تويتر" بالروح التي سادت اللقاء.

وفي إطار هذا التعامل الإثيوبي التصعيدي في قضية سد النهضة، كشف مصدر إثيوبي تابع لحزب "جبهة تحرير تيغراي"، المنافس الأبرز لحزب رئيس الوزراء أبي أحمد في الانتخابات المقبلة (التي تأجلت من 29 أغسطس/آب المقبل وحتى إشعار آخر بسبب وباء كورونا)، أن جيش بلاده نفذ هذا الشهر مرحلة أساسية من مراحل نشر منظومات دفاع جوي متطورة حول سد النهضة، استعداداً لأي هجوم مصري محتمل. وأضاف المصدر أن هناك مرحلة أخيرة من نشر المنظومات ستتم خلال شهر يونيو/حزيران المقبل، وبنهايتها ستكون لدى إثيوبيا قاعدتان متكاملتان للدفاع الجوي عن السد، إحداهما قريبة للغاية منه والأخرى على بعد استراتيجي. وذكر المصدر أن بلاده حصلت على المنظومات الجديدة من دول عدة، أبرزها روسيا، وأنه تمّت تجربتها كلها مطلع العام الحالي، قبل نقلها إلى ولاية بني شنقول التي يقع فيها السد. وجرى إدخال تعديلات على بعض المنظومات بواسطة الشركة العسكرية للمعادن والهندسة "ميتيك" التابعة للجيش، والتي أجرى أبي أحمد تعديلات واسعة على هيكلها الإداري منذ صعوده للسلطة (عام 2018) لتحسين جودة عملها، علماً بأنها كانت تشارك سابقاً في عمليات إنشاء أجزاء من سد النهضة. وبحسب المصدر نفسه فإن إثيوبيا نشرت منظومات أخرى حديثة الطراز على الحدود مع إريتريا، وأن عملية تحديث الدفاع الجوي الإثيوبي قد بدأت في الواقع بعد أشهر معدودة من توقيع اتفاق المبادئ مع مصر والسودان.

وكان رئيس هيئة أركان الجيش الإثيوبي الجنرال آدم محمد ورئيس أركان القوات الجوية العميد يلما مرديسا وعدد كبير من قيادات القوات المسلحة الإثيوبية قد زاروا موقع سد النهضة في 22 مارس الماضي، وجاء في بيان رسمي أنهم كانوا يتابعون عمليات البناء الخاصة بالسد والتعرف على آخر التطورات فيما يخص سير العمل به والتحديات التي تواجهه. وأعلن رئيس الأركان في حينه أن "الجيش الإثيوبي مُستعد لمواجهة أي عدوان على سد النهضة لحماية مصالح الشعوب الإثيوبية".



وكانت إثيوبيا قد بدأت تشغيل نظام الدفاع الجوي الروسي "بانتسير ـ إس 1" في فبراير/شباط 2019 بعد حصولها عليه بأسابيع عدة، وهو يجمع بين مدفعين آليين مضادين للطائرات من طراز "إيه 38 أم 302"، وتم تطويرهما من مدفعين من عيار 30 ميليمتراً من نوع "جي أس أتش ـ 30"، مع 12 صاروخ أرض-جو "إي657". وأظهرت لقطات تلفزيونية عُرضت على القنوات المحلية آنذاك، كيفية تركيب نظام "بانتسير ـ إس 1" على عربة يمكنها إطلاق النار على هدفين في وقت واحد ومهاجمة 12 هدفاً في الدقيقة، وبمدى فعّال يصل إلى 20 كيلومتراً، كما يمكنها قصف قذائف مدفعية بعمق 4 كيلومترات.

ويتضمن التحكم في هذا النظام راداراً لاكتساب الهدف ورادار تتبعٍ مزدوج النطاق الموجي بمدى كشف يتراوح بين 32 و36 كيلومتراً ونطاق تتبع من 24 إلى 28 كيلومتراً لهدف متوسط الحجم. كما يتضمن نظام التحكم أيضاً قناة كهربائية بصرية مع جهاز تصوير حراري طويل الموجة ومكتشف اتجاه بالأشعة تحت الحمراء. ووفقاً للمعلومات المتوفرة في الإعلام الروسي، فإن موسكو باعت دفعة أخرى من هذا النظام لأديس أبابا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من دون أن تربط بينه وبين سد النهضة، لكن هذا التاريخ يتطابق مع رواية المصدر الإثيوبي لـ"العربي الجديد".

وكانت صحيفة "العربي الجديد" قد انفردت في 30 مايو/أيار من العام الماضي بنشر ما كشفته مصادر مصرية رفيعة المستوى، أن مصر رصدت تزويد إسرائيل الحكومة الإثيوبية منظومة صواريخ دفاعية جديدة لتأمين محيط سد النهضة. وكشفت المصادر لـ "العربي الجديد"، أن "تقريراً سيادياً، سرياً للغاية، رفعته أجهزة معنية إلى رئاسة الجمهورية، يتضمن تطورات بشأن سد النهضة الإثيوبي، شمل معلومات حول تزويد تل أبيب لأديس أبابا بمنظومة صواريخ دفاعية حديثة لنشرها في محيط سد النهضة، وكذلك تزويدها بتكنولوجيا متطورة متعلقة بعمليات تشغيل السد وتوليد الكهرباء".

وترددت معلومات أيضاً في سبتمبر/أيلول الماضي عن تزويد الإسرائيليين إثيوبيا بمنظومات دفاع جوي قصير ومتوسط المدى من طراز "سبايدر-إم آر" لحماية سد النهضة، متجاهلة نداء من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لمكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، لوقف هذه الصفقة. وفي الوقت الذي لم تنفِ فيه إثيوبيا تلك الأنباء، سارعت الخارجية الإسرائيلية لتكذيبها آنذاك عبر سفارتها بالقاهرة، وأشارت في بيان التكذيب إلى وجود منظومة دفاعية يتم تحديثها حول سد النهضة ولكنها تخص دولاً أخرى، من دون الإشارة لهويتها.

وكان السيسي قد عقد اجتماعاً في الثالث من مارس الماضي في أعقاب فشل جولة المفاوضات الأخيرة حول سد النهضة، حضره عدد كبير من القيادات العسكرية في مقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، وعلى رأسهم وزير الدفاع الفريق أول محمد زكي ورئيس الأركان الفريق محمد فريد حجازي. وتطرق البيان الرئاسي الصادر عن الاجتماع إلى "ضرورة التحلي بأعلى درجات الحيطة والحذر والاستعداد القتالي، وصولاً إلى أعلى درجات الجاهزية لتنفيذ أية مهام توكل إليهم لحماية أمن مصر القومي، وذلك في ظل التحديات الراهنة التي تموج بها المنطقة".

وأرسلت مصر مطلع الشهر الحالي خطاباً لمجلس الأمن بلهجة لا تخلو من الرجاء لاتخاذ ما يلزم لاستئناف مفاوضات ملء وتشغيل السد، وتضمن وصف الخطر الاستراتيجي الذي قد تشهده المنطقة جراء الممارسات الإثيوبية بأنه "تطور محتمل"، وهو التحرك الذي يستحيل أن يصاحبه، بحسب مراقبين، تحضير لتحرك عسكري مصري سيكون بالتأكيد غير مرغوب من القوى العظمى ولا مرحباً به في المنظومة الأممية.



تعليق: