أمين الريحاني.. رحلة إلى الأندلس في عهد فرانكو

14 سبتمبر 2019
الصورة
معالم الحضور العربي لا تحصى في الأندلس(ويكيبيديا)

لم تكن رحلة الكاتب والمفكر اللبناني أمين الريحاني (1876-1940)؛ إلى الأندلس، مخططا لها، لكنها جاءت بعد أن قام برحلة إلى شمال المغرب، الذي كان يقع وقتها تحت الحماية الإسبانية، فعرضت عليه حكومة فرانكو القيام برحلة إلى الأندلس، ربما كنوع من التحية بعد أن امتدح دور الإسبان في "المنجز الحضاري" في شمال المغرب، وهو ما اعتبر رش ورد للحكومة الفاشية وقتها في مناخ دولي كان يعاديها بسبب أعمالها الوحشية في حق المقاومة الإسبانية.

قام الريحاني برحلته إلى إسبانيا سنة 1939، وأسماها "نور الأندلس"، واقفا على دور العرب التاريخي الذي ما تزال شواهده قائمة إلى اليوم. لا تخلو لغة الريحاني، وهو الكاتب المتمرس متنوع الثقافة، من غنائية وفجائعية ورومانسية أيضا، لعل السر وراءها، هو هذه الرغبة في استرجاع "الفردوس المفقود"، حتى وإن كان يدرك في قرارة نفسه، أنه لا يمكن استرجاع ما لا يسترجع، بعد أن تبدلت أحوال العرب، وتدنت إلى الدرك الأسفل.

يقول الريحاني مبررا سبب إقدامه على رحلته تلك إلى الأندلس "لم يكن من أغراضي في الرحلة المغربية أن أزور إسبانيا، ولكني بعد أن سحت في المنطقة، وشاهدت من أعمال الحكومة الحامية، وما هو في دور الإنشاء، وما لا يزال عهدا وأملا، رأيت أخفه على القارئ — من الواجب عليَّ أن أقابل الجنرال فرانكو لأتحقَّق مما لاح لي — من أنوار وظلال الخطة المغربية الجديدة.

ولم يكن بحسباني أن الرحلة ستدوم شهرين، وتمتحن الأعصاب والعظم مني، في أشد ساعات العمل تجوالا فرحا بما تراكم لدي من أسباب الدرس والكتابة، كما كنت مسرورا بما أمدته الحكومة من سبل السياحة والعلم.

وها أنا ذا والرفيق البستاني على الدوام، نعود من تطوان إلى مطارها؛ لنطير هذه المرة في طيارة ألمانية إلى إشبيلية، لا تشبه طيارتنا الإيطالية في وجهها وأثاثها، وقد تشبهها في الجهاز.

إن على هذه الألمانية مسحة من العتق والقَدم، لا تذهب بشيء من متانتها، وإن كانت المتانة غير معقودة بالراحة والهناءة. ولقد أضحكني من قدمها — والمرجح أنها كانت في صباها للجيش — أن مجالسها القاسية مجهزة بالسيور، يشدها الركاب إلى أوساطهم إذا ما خطر لها، في منطقة من الرياح العاصفة، أن تعمل عملا بهلوانيّا، فتنقلب مثلا ظهرا لبطن أو جناحا لدولاب".


في قرطبة

يصل الريحاني إلى قرطبة، ومن هناك تتدفق مشاعره، "وقفنا في قرطبة للزيارة، وفي قولي قرطبة أقول: الجامع الكبير؛ ذلك الأثر التاريخي الديني الفني النادر النظير في العالم. زرت الجامع سنة 1917، فكانت دهشتي في هذه الزيارة الثانية عظيمة؛ في زيارتي الأولى كان الجامع كنيسةً بأجمعه أو كنيسة تكتنفها من الجهات الثلاث مجموعة من الكنائس الصغيرة، مثل الكاتدرائيات الغوطية، وكان السقف بروافده محجوبًا بسقف من الجص مبيض، وكانت قواعد العمد مدفونة تحت البلاط.

عظمة تُذَل بالفأس والمعول، جمال يشوه باسم الدين، روعة تُكفَّن بالجص، وتُقبَّح بتماثيل تافهة من الجفصني. ُروي أن الملك شارلس الخامس قال يوم زار الجامع بعد أن استولى المسيحيون عليه: لو كنت عالما بما عزموا على عمله لما أذنت به؛ لأن ما بنيتم موجود في كل مكان، أما ما هدمتم فمنقطع النظير في العالم. تصلح ما أفسده النصارى الأقدمون؛ وبعد ستمائة سنة قامت الحكومة الإسبانية، فقد أخرجت من وراء الجص أمثلةً من الروافد المنقوشة الملونة".

ويضيف "وقد كادت تبلى من ظلمات أثر الجهل.. فباشرَ الصناع عمل الروافد الجديدة الشبيهة بها بالنقوش والألوان الأصلية، وكانوا قد أنجزوا جزءًا من ذلك السقف، فأعادوا إليه جماله القديم، وهو إلى جنب ما بقي من السقف الأمسح المبيض، آية من الحسن والبهاء.

ومما عملوه لإتمام المنبر الفني أنهم حفروا حول قسم من العمد، نحو نصف ذراع، فبدت قواعده الجميلة، وأعادوا التبليط في مستوى الأرض الجديد. وأهم من كل ذلك أنهم نزعوا من جوانب الجامع تلك المذابح، أو الكنائس الصغيرة، التي كانت تزيد في تشويهه. أما القنادل، تلك المئات التي تنور الجامع فتزيد بروعته وجلاله، فلم يَبْق منها إلا قنديل واحد كبير من النحاس المطرق، يزيِّن اليوم القسم الذي لا يزال كنيسة تقام فيها الصلاة".


العمران الخالد

ينبهر الريحاني في إشبيلية بجمال الفنون والعمارة، يكتب "هو ذا الفن العربي الذي بدأ يظهر في الفن الغوطي الإسباني في القرن الثاني بعد الفتح، وأصبح في القرن الحادي عشر شاملا بنفوذه فنون الهندسة والتصوير، حتى في المواضيع الدينية؛ فقد عثر المنقبون في مكتبة الجمعية التاريخية بمدريد، على مخطوطات للرهبان 22 مزينة صفحاتها الأولى بالحروف الملونة الشبيهة بالكوفية.

وفيها كذلك رسوم لقصور عربية فخمة بنوافذها وأبراجها، وبأقسام من داخلها منقوشة مزخرفة للنساخ، يتعلمون فيها الخط وكان قد تأسست في الشمال بدير من الأديرة مدرسةٌ والرسم والتوريق والنحت — تصوير ورق الأشجار — العربية كلها، وكان لهذه المدرسة وآثارها، تأثير فني بليغ ليس في إسبانيا فقط، بل في أوروبا جمعاء.

ومن الطبيعي، والفن في ذلك الزمان ديني محض، أن تتأثَّر إسبانيا بفنون غيرها من الأمم المسيحية كالألمان والفلامند والطليان. وبما أن فنونها الأولى كانت منحصرة على الإجمال في تزيين الكنائس ومذابحها، حفرا في الخشب، ونقشا في الفضة والنحاس؛ كان الفن العربي محظورا، خارج المخطوطات التي مر ذكرها، كبضاعة «التهريب»، ومع ذلك فإن الباحث المدقق يرى شيئا من آثاره — من التوريق والتسطير والتقضيب — في بعض صور المدارس الفنية التي نشأت في بلنسية وقشطيلة وليون وإشبيلية في مقدمتها".


تاريخ فني

قال فرنندو هريرا Herrera أكبر شعراء الأندلس وابن إشبيلية، وأول المجددين: «اللغة لا تموت ما دامت على ألسنة الناس وفي قلوبهم، وهي في حياتها الدائمة تستمر في الارتقاء والتحسن فتفوق في يومها أمسها، وتنبذ في سبيل التجدد كل بال قديم».

وقال لوبه ده فيغا Vega de Lope شاعر إسبانيا الكبرى: 24 القليل وهو ملكي أعظم من الكثير وهو ملْك غيري» في هاتين الكلمتين نور يضيء مهد النهضة الأدبية الفنية الوطنية، التي ازدهرت في القرن السابع عشر، وقد كانت إشبيلية مهد تلك النهضة. فأول من رفع مستواها الفني بالتماثيل المجردة من العوامل الفرنسية أو الغوطية أو الإيطالية، هو النحات مرتينس مونتانياس Montanes Martinez. هو ابن إشبيلية كذلك خوسه دي ربيرا وأول من أسس مدرسة للفنون على مبدأ التجدد، وأب المجددين: لوبه ده رويدا Rueda de Lope.


طليطلة.. معادلة التسامح

جمال طليطلة لا يخفى، وهي مضرب أمثال بالنسبة لتعايش المسلمين والمسيحيين واليهود، ففي هذه المدينة صنع النموذج الإنساني البهي. والريحاني لا يفتأ يجد الشواهد التي تدل على هذا المنجز الكبير، يكتب "وثبتت قدم العرب في طليطلة، فبنوا المساجد، وأنشؤوا المدارس والمعاهد الصحية، لهم ولإخوانهم الجُدد والذميين، ثم قالوا لأولئك الذميين قولا صريحا أيَّدوه بالسيف الناطق في غمده: أنتم في ذمة الإسلام، وهؤلاء اليهود في ذمتكم أبناء بلدكم إخوانكم؛ أحسنوا إليهم نحسن إليكم، فتنفس بنو إسرائيل الصعداء، ورفعوا الصلوات إلى ربهم يهوه؛ ليكلأ الإسلام بلغة الفاتحين المسلمين — سبحان رب العالمين! وشرعوا بعد ذلك يُصلون ونشأ في طليطلة جيل من الناس يتكلمون باللسان العربي، ويكتب النابغون منهم الكتب وينظمون القصائد باللغة العربية؛ فآكلوا المسلمين وشاربوهم، وشهدوا أنهم من خير الناس، وبما أنهم لم يشهدوا غير ذلك سُّموا: موزاراب Mozarab؛ أي مستعربين. انعقدت عرى الولاء والإخاء بين جميع سكان طليطلة في ذلك العهد العربي السعيد، الذي دام ثلاثمائة وخمسا وسبعين سنة... ومما لا ريب فيه أنه كان أسعد زمان من أزمنة هذه المدينة، فازدهرت فيها الثقافة العربية العبرية، وشيِّد فيها صروح للعمران؛ فتعددت أنوال النسيج، وتجددت مصانع الحديد والسلاح، فازداد عمران طليطلة، وبلغ عدد سكانها مائتي ألف نفس. طليطلة السعيدة بنت قرطبة السعدى. وبعد ذلك؟ لكل شيء إذا ما تم نقصان.


في إشبيلية.. الرقص والعمل

يواصل أمين الريحاني رحلته الأندلسية، ثم يصل إلى إشبيلية، التي تعتبر منجزا حضاريا عربيا آخر، إنها من ناحية حصرية، مدينة الفن والشعر وصراع الملوك. هنا استقر العرب في الأندلس ولم يراودهم أبدا شبح الخروج، إلى أن وقعت الفأس في الرأس، كما يقال، فحملتهم سفن الهرب إلى سواحل المغرب والجزائر.

يكتب الريحاني عن هذه المدينة الجميلة "المدن بروحها لا بصروحها، وبرسالتها لا بمساحتها. المدن بعظمتها الثقافية لا بثروتها المحصية. المدن بما استمتعت وبما قاست، لا بما انطوى من زمانها، ولا بعدد سكانها. المدن بيومها الخالد المجيد، لا بأيامها التكلانية والتجارية. المدن مثل المرأة في مزاجها وخيالها، في الباطن والظاهر من حالها، في زينتها وفتنتها، في أوابد هواها، في قيود حبها، في سبحتها وبخورها.

هذه المرأة هي إشبيلية، بنت الكنيسة، وربة الخصب والمتع. سيدة الشقيفات، ترقص فتسمع الدنيا صوت خشيْباتها، وتصلي فتردد صلواتها المدن والقرى، فهي الأم، وهي الابنة، وهي فتنة العاشقين! تضع المشط الرفيع العريض التاج في شعرها، وتهز رأسها غنجا ودلالا. تفتل خصرها، إذ تسكت الخشيبة بيديها، فتنفتح طيات فستانها، وتنتشر منه الأماني والصدود! ثم تضرب الأرض برجلها، فتنصت إليها قلوب الرجال. إشبيلية الراقصة هي التي تقرر مصير الرجل، فتؤيِّده في حبه، ثم تقيِّده بالبنين. هي إشبيلية الرومان. وإشبيلية المرتلة للعذراء، المشعلة الشموع للقديسين، هي إشبيلية الغوط والإسبان".

يتوسع أمين الريحاني أكثر في وصف هذه المدينة، مدينة رقصة الفلامينكو، ويهيم بها، ويضفي عليها من المعاني اللطاف ما يرفعها إلى مستوى المدينة الحالمة، ولمنها ورغم ما تبديه من لين وعطف وابتهاج بالحياة، فإنها لا تنصرف عن الجد والعمل الصارم، فنحن لا نبني مدينة ولا حضارة بالقص والترفيه، ولكن بتكامل كل مناحي الحياة.

يكتب الريحاني موضحا هذا الأمر في ما يلي "هي مدينة الأعياد، والمواكب والمهرجانات — مواكب القديسين، ومهرجانات الربيع، وحرب الثيران. هي مدينة البهجة والحبور، بما فيها من خمر وبخور، وبما يتضوع في عرصاتها من طيب الرياحين والزهور. وإن لإشبيلية مزاجا يتجسم حينًا في رب من الأرباب، فتُنظم القصائد، وتُصور الصور، وحينا يتسجم في غول أو جني، فتأكل أبناءها، وتضرم النار في مرابعها.

وإن لها روحا ترفل، مثل بناتها، في الدمقس وفي الحرير، روحا تأبى العري، روحا تتقنع للتمثيل على مسرح الوجود، والخيال المنشود، تمثِّل أمام الله حينًا، وحينًا أمام إبليس، تمثِّل جميع أدوار الحياة تمثيلا صادقًا ويهمس كلاهما في أذنها بالكلمة التي تعيد إلى قلبها النور والبخور، ومر الشعور، فينور فيه الياسمين، وينور فيه الصبر والقندول. وإن لإشبيلية رسالة هي رسالة الحياة الوارفة الظلال، الوافرة الأنوار؛ هي رسالة الحياة الطامعة بخلود طيبات الحياة؛ هي رسالة الحبيب والأديب، وحاملات الطيب؛ هي رسالة المطرود وصاحب الجنود. لله درك، يا إشبيلية! إشبيلية الرومان والعرب والإسبان".

تعليق: